بسم الله الرحمن الرحيم

يسرّ مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي(قدس سره)أن تقدّم لحجاج بيت الله الحرام الطبعة الثالثة عشر لكتاب مناسك الحج لآية الله العظمى الإمام السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي(قدس سره)، والتي امتازت عن الطبعات السابقة بإضافة ملحق بالمسائل الشرعية الخاصة بالحج (مقتبس من كتاب المسائل الشرعية - الاستفتاءات) وملحق بالأدعية والزيارات; تيسيراً للحجاج الكرام. نسأل الله عزوجل أن يبرّ حجهم ويشكر سعيهم ويتقبل أعمالهم بأحسن قبول.

وقد تفضل مشكوراً سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ جعفر النائيني بمراجعة الملحق الخاص بالمسائل الشرعية وتدقيقه ومطابقته مع ما ورد في مناسك الحج.

والله ولي التوفيق.

مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي(قدس سره)

ــ[4]ــ

ــ[5]ــ

بسم الله الرحمن الرحيم

لا بأس بالعمل برسالة مناسك الحج التي لاحظناها بتمامها وهو مجزئ ومبرئ للذمة

ابو القاسم الموسوي الخوئي

ــ[6]ــ

ــ[7]ــ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

وبعد: إن هذه رسالة في مناسك الحج، وافية بأغلب ما يبتلى به عادة من المسائل. وهى رسالة منظمة مرتبة يسهل فهمها ومراجعتها. وقد أفردت فيها المستحبات عن الواجبات، لئلا يلتبس الأمر على المؤمنين. وأرجو من الله تعالى أن يجعلها ذخراً لي يوم لا ينفع مال ولا بنون.

ــ[8]ــ

وجوب الحج

يجب الحج على كل مكلف جامع للشرائط الآتية، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنّة القطعية.

والحج ركن من أركان الدين، ووجوبه من الضروريات، وتركه - مع الاعتراف بثبوته - معصية كبيرة، كما أن انكار أصل الفريضة - إذا لم يكن مستنداً الى شبهة - كفر.

قال الله تعالى في كتابه المجيد: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غنىّ عن العالمين).

وروى الشيخ الكليني بطريق معتبر عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «من مات ولم يحج حجة الإسلام، ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق معه الحج، أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً».

وهناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحج والاهتمام

ــ[9]ــ

 به لم نتعرض لها طلباً للاختصار. وفي ما ذكرناه من الآية الكريمة والرواية كفاية للمراد .

واعلم ان الحج الواجب على المكلف - في أصل الشرع - إنما هو لمرة واحدة، ويسمى ذلك ب- (حجة الإسلام).

( مسألة 1 ) : وجوب الحج بعد تحقق شرائطه فوري، فتجب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة، وان تركه فيها عصياناً أو لعذر وجب في السنة الثانية وهكذا. ولا يبعد أن يكون التأخير من دون عذر من الكبائر.

( مسألة 2 ) : إذا حصلت الاستطاعة وتوقف الاتيان بالحج على مقدمات وتهيئة الوسائل، وجبت المبادرة الى تحصيلها، ولو تعددت الرفقة فإن وثق بالادراك مع التأخير جاز له ذلك، وإلاّ وجب الخروج من دون تأخير.

( مسألة 3 ) : إذا أمكنه الخروج مع الرفقة الأولى ولم يخرج معهم لوثوقه بالادراك مع التأخير ولكن اتفق انه لم يتمكن من المسير، أو أنّه لم يدرك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج ، وإن كان معذوراً في تأخيره.

ــ[10]ــ

شرائط وجوب حجة الإسلام

الشرط الأول: البلوغ.

فلا يجب على غير البالغ وإن كان مراهقاً، ولو حج الصبي لم يجزئه عن حجة الإسلام، وان كان حجه صحيحاً على الأظهر.

( مسألة 4 ) : إذا خرج الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من الميقات، وكان مستطيعاً، فلا إشكال في أن حجه حجة الإسلام. وإذا أحرم فبلغ بعد إحرامه لم يجز له إتمام حجه ندباً، ولا عدوله إلى حجة الإسلام، بل يجب عليه الرجوع الى أحد المواقيت، والإحرام منه لحجة الإسلام، فإن لم يتمكن من الرجوع إليه ففي محل إحرامه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلا أو نسياناً ولم يتمكن من الرجوع إليه في المسألة (169).

( مسألة 5 ) : إذا حج ندباً معتقداً بأنه غير بالغ فبان بعد أداء الحج أنه كان بالغاً اجزأه عن حجة الإسلام.

ــ[11]ــ

( مسألة 6 ) : يستحب للصبي المميز أن يحج، ولا يشترط في صحته إذن الولي.

( مسألة 7 ) : يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز، ذكراً كان أم أنثى. وذلك بأن يلبسه ثوبي الإحرام ويأمره بالتلبية ويلقنه إياها إن كان قابلا للتلقين، وإلاّ لبّي عنه، ويجنّبه عما يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويجوز أن يؤخر تجريده عن الثياب إلى فَخّ، إذا كان سائراً من ذلك الطريق، ويأمره بالاتيان بكل ما يتمكن منه من أفعال الحج، وينوب عنه فيما لا يتمكن، ويطوف به ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات والمشعر، ويأمره بالرمي إن قدر عليه، وإلاّ رمى عنه، وكذلك صلاة الطواف، ويحلق رأسه، وكذلك بقية الأعمال.

( مسألة 8 ) : نفقة حج الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي، نعم إذا كان حفظ الصبي متوقفاً على السفر به، أو كان السفر مصلحة له، جاز الانفاق عليه من ماله.

ــ[12]ــ

( مسألة 9 ) : ثمن هدي الصبي على الولي، وكذلك كفارة صيده، وأما الكفارات التي تجب عند الاتيان بموجبها عمداً فالظاهر انها لا تجب بفعل الصبي، لا على الولي ولا في مال الصبي.

الشرط الثاني: العقل.

فلا يجب الحج على المجنون وإن كان أدوارياً، نعم إذا أفاق المجنون في أشهر الحج وكان مستطيعاً ومتمكناً من الاتيان بأعمال الحج وجب عليه، وإن كان مجنوناً في بقية الأوقات.

الشرط الثالث: الحرية.

فلا يجب الحج على المملوك وإن كان مستطيعاً ومأذوناً من قبل المولى، ولو حج بإذن مولاه صح ولكن لا يجزيه عن حجة الإسلام، فتجب عليه الاعادة إذا كان واجداً للشرائط بعد العتق.

ــ[13]ــ

( مسألة 10 ) : إذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحج بما يوجب الكفارة فكفارته على مولاه في غير الصيد، وعلى نفسه فيه.

( مسألة 11 ) : إذا حج المملوك بإذن مولاه وانعتق قبل ادراك المشعر أجزأه عن حجة الإسلام، بل الظاهر كفاية اداركه الوقوف بعرفات معتقاً وإن لم يدرك المشعر، ويعتبر في الإجزاء الاستطاعة حين الانعتاق، فإن لم يكن مستطيعاً لم يجزئ حجه عن حجة الإسلام. ولا فرق في الحكم بالإجزاء بين أقسام الحج من الإفراد والقران والتمتع إذا كان المأتي به مطابقاً لوظيفته الواجبة.

( مسألة 12 ) : إذا انعتق العبد قبل المشعر في حج التمتع فهديه عليه، وإن لم يتمكن فعليه أن يصوم بدل الهدي على ما يأتي، وإن لم ينعتق فمولاه بالخيار، فإن شاء ذبح عنه، وإن شاء أمره بالصوم.

ــ[14]ــ

الشرط الرابع: الاستطاعة.

ويعتبر فيها أمور:

الأول: السعة في الوقت، ومعنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب الى مكة والقيام بالأعمال الواجبة هناك، وعليه فلا يجب الحج إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب والقيام بالأعمال الواجبة فيها. أو أنّه يسع ذلك ولكن بمشقة شديدة لا تتحمل عادة. وفي مثل ذلك يجب عليه التحفظ على المال إلى السنة القادمة، فإن بقيت الاستطاعة إليها وجب الحج فيها، وإلا لم يجب.

الثاني: الأمن والسلامة، وذلك بأن لا يكون خطراً على النفس أو المال أو العرض ذهاباً وإياباً وعند القيام بالأعمال، كما أن الحج لا يجب مباشرةً على مستطيع لا يتمكن من قطع المسافة لهرم أو مرض أو لعذر آخر ولكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجيء تفصيله.

( مسألة 13 ) : إذا كان للحج طريقان أحدهما

ــ[15]ــ

 مأمون والآخر غير مأمون لم يسقط وجوب الحج، بل وجب الذهاب من الطريق المأمون، وإن كان أبعد.

( مسألة 14 ) : إذا كان له في بلده مال معتد به وكان ذهابه إلى الحج مستلزماً لتلفه لم يجب عليه الحج، وكذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعاً، كما إذا استلزم حجه ترك واجب أهمّ من الحج، كانقاذ غريق أو حريق، أو توقف حجه على ارتكاب محرم كان الاجتناب عنه أهم من الحج.

( مسألة 15 ) : إذا حج مع استلزام حجه ترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك فهو وإن كان عاصياً من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلاّ أن الظاهر أنه يجزئ عن حجة الإسلام إذا كان واجداً لسائر الشرائط، ولا فرق في ذلك بين مَن كان الحج مستقراً عليه ومَن كان أول سنة استطاعته.

( مسألة 16 ) : إذا كان في الطريق عدو لا يمكن دفعه إلاّ ببذل مال معتد به، لم يجب بذله ويسقط وجوب الحج.

( مسألة 17 ) : لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط

ــ[16]ــ

 وجوب الحج، إلاّ مع خوف الغرق أو المرض، ولو حج مع الخوف صح حجه على الأظهر.

الثالث: الزاد والراحلة، ومعنى الزاد هو وجود ما يتقوّت به في الطريق من المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه في سفره، أو وجود مقدار من المال (النقود وغيرها) يصرفه في سبيل ذلك ذهاباً وإياباً، ومعنى الراحلة هو وجود وسيلة يتمكن بها من قطع المسافة ذهاباً وإياباً، ويلزم في الزاد والراحلة أن يكونا مما يليق بحال المكلف.

( مسألة 18 ) : لا يختص اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة إليها، بل يشترط مطلقاً ولو مع عدم الحاجة إليها، كما إذا كان قادراً على المشي من دون مشقة ولم يكن منافياً لشرفه.

( مسألة 19 ) : العبرة في الزاد والراحلة بوجودهما فعلا، فلا يجب على من كان قادراً على تحصيلهما بالاكتساب ونحوه، ولا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد.

ــ[17]ــ

( مسألة 20 ) : الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج إنّما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فإذا ذهب المكلف إلى المدينة مثلا للتجارة أو لغيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحج به من الزاد والراحلة أو ثمنهما وجب عليه الحج، وان لم يكن مستطيعاً من بلده.

( مسألة 21 ) : إذا كان للمكلف ملك ولم يوجد من يشتريه بثمن المثل وتوقف الحج على بيعه بأقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع، وأما إذا ارتفعت الأسعار فكانت أجرة المركوب مثلا في سنة الاستطاعة أكثر منها في السنة الآتية لم يجز التأخير.

( مسألة 22 ) : إنّما يعتبر وجود نفقة الاياب في وجوب الحج فيما إذا أراد المكلف العود إلى وطنه. وأما إذا لم يرد العود وأراد السكنى في بلد آخر غير وطنه، فلابد من وجود النفقة إلى ذلك البلد، ولا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه.

نعم إذا كان البلد الذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه

ــ[18]ــ

 لم يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه.

الرابع: الرجوع إلى الكفاية، وهو التمكن بالفعل أو بالقوة من إعاشة نفسه وعائلته بعد الرجوع. وبعبارة واضحة يلزم أن يكون المكلف على حالة لا يخشى معها في نفسه وعائلته من العَوَز والفقر بسبب صرف ما عنده من المال في سبيل الحج، وعليه فلا يجب على من يملك مقداراً من المال يفي بمصارف الحج وكان ذلك وسيلة لإعاشته وإعاشة عائلته، مع العلم بأنه لا يتمكن من الاعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه، فبذلك يظهر أنه لا يجب بيع ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه من أمواله فلا يجب بيع دار سكناه اللائقة بحاله وثياب تجمله وأثاث بيته، ولا آلات الصنائع التي يحتاج إليها في معاشه، ونحو ذلك مثل الكتب بالنسبة إلى أهل العلم مما لابد منه في سبيل تحصيله، وعلى الجملة كل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته وكان صرفه في سبيل الحج

ــ[19]ــ

 موجباً للعسر والحرج لم يجب بيعه. نعم لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحج، بل من كان عنده دار قيمتها ألف دينار - مثلاً - ويمكنه بيعها وشراء دار أخرى بأقل منها من دون عسر وحرج لزمه ذلك إذا كان الزائد وافياً بمصارف الحج ذهاباً واياباً وبنفقة عياله.

( مسألة 23 ) : إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحج لحاجته إليه، ثم استغنى عنه وجب عليه بيعه لاداء فريضة الحج، مثلا إذا كان للمرأة حلي تحتاج إليه ولابد لها منه ثم استغنت عنه لكبرها أو لأمر آخر، وجب عليها بيعه لأداء فريضة الحج.

( مسألة 24 ) : إذا كانت له دار مملوكة وكانت هناك دار أخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرج عليه كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه، وجب عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصارف الحج ولو بضميمة ما عنده من المال، ويجري ذلك في الكتب العلمية وغيرها مما يحتاج إليه في حياته.

ــ[20]ــ

( مسألة 25 ) : إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحج وكان بحاجة الى الزواج أو شراء دار لسكناه أو غير ذلك مما يحتاج إليه، فإن كان صرف ذلك المال في الحج موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه الحج، وإلاّ وجب عليه.

( مسألة 26 ) : إذا كان ما يملكه ديناً على ذمة شخص وكان الدين حالاًّ وجبت عليه المطالبة، فإن كان المدين مماطلا وجب اجباره على الأداء، وإن توقف تحصيله على الرجوع الى المحاكم العرفية لزم ذلك، كما تجب المطالبة فيما إذا كان الدين مؤجّلا ولكن المدين يؤديه لو طالبه، وأمّا إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً ولا يمكن اجباره أو كان الاجبار مستلزماً للحرج، أو كان الدين مؤجلاً والمدين لا يسمح بأداء ذلك قبل الأجل، ففي جميع ذلك إن أمكنه بيع الدين بما يفي بمصارف الحج ولو بضميمة ما عنده من المال ولم يكن في ذلك ضرر ولا حرج وجب البيع، وإلاّ لم يجب.