الفصل السادس والعشرون

في الصد والإحصار

المسألة1101 : لا يبعد أن لفظ الصدّ ولفظ الإحصار كلمتان مترادفتان تدلاّن على مفهوم لغوي واحد -كما يقول بعض علماء اللغة-، أو هما متحدتان في المصاديق ، فالصدّ والحصر هو الضيق والحبس الذي قد يحدث للإنسان بسبب تسلّط عدوّ عليه يمنعه عن فعل شيء يحتاج إلى فعله ، وقد يحدث له بسبب طروء مرض ونحوه يمنعه عن الإتيان بذلك الشيء الذي يرغب فيه ، فيكون منع العدوّ أو المرض له عن فعل ذلك الأمر موجبا لوقوعه في الضيق والحصر، وقد نقل بعض المفسرين أن علماء التفسير متفقون على أن آية الإحصار ، وهي قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، قد أنزلت على الرسول (ص) لما صدّه المشركون عن دخول مكة في الحديبية ، وقد أنزلت عليه (ص) بكلمة الإحصار لا بكلمة الصد ، فالكلمتان متحدتان في المعنى ، أو هما متّحدتان في المصاديق كما قلنا ، وهذا كله بحسب معنى الكلمتين في اللغة.

وتختص كلمة الصدّ الواردة في أخبار أهل البيت (ع) بالمنع إذا كان من قِبَل عدوّ متسلّط، كما تختصّ كلمة الحصر بالمنع بسبب حدوث مرض ونحوه، فالمصدود -في أخبارهم (ع)- هو الشخص الذي منعه العدو بعد إحرامه عن إتمام حجه، أو عن إتمام عمرته ، والمُحصور أو المُحَصر : هو الشخص الذي منعه المرض بعد إحرامه عن إتمام نسكه ، والأحكام التي تذكر في الأخبار لأحدهما لاتعمّ الآخر، وقد جرى على الفرق بينهما في ذلك إصطلاح الفقهاء من الشيعة أيضاً لئلا يقع الإلتباس بين الموضوعين .

المسألة1102: إذا أحرم الإنسان بعمرة مفردة واجبة أو مندوبة ، ثم منعه عدوّ بعد إحرامه أن يدخل إلى مكة ، فلم يتمكّن بسبب منعه أن يأتي بأعمال العمرة من طواف وسعي وتقصير وطواف نساء ولم يقدر على الإستنابة فيها، جاز له أن يذبح أو ينحر ما استيسر له من الهدي بقصد التحلّل به من الإحرام ، والأحوط له –لزوماً- يقصّر أو يحلق بعد ذلك ، فإذا ذبح وقصّر أو حلق أحلّ بذلك من جميع محرّمات الإحرام ، حتى من الطيب والثياب والنساء ، ويجوز له أن يفعل ذلك عاجلاً عند الصد، ولا يجب عليه أن يبعث بالهدي الى مكة ، وإن كان ذلك هو الأحوط استحباباً -مع الإمكان- فيبعث بالهدي إلى مكة بقصد التحلّل به ،  وينتظر فلا يحلق ولا يقصّر حتى يبلغ الهدي إلى مكة ، فإذا بلغ الهدي محله حلق أو قصّر في موضعه ، وأحلّ من محرمات إحرامه كلها .

وإذا استطاع أن يستنيب عنه أحداً في أداء أعمال العمرة وجبت عليه الإستنابة ، ولم يجز له أن يتحلّل منإحرامهحتى يتم النائب جميع أعمال العمرة على الوجه الصحيح ، ولا يتحلّل بالهدي.

المسألة1103: إذا أحرم الإنسان بحج واجب أو مندوب ، ثم صدّه العدوّ أن يأتي بأعمال الحج كلّها ، أو صدّه عن أن يحضر الموقفين عرفات والمشعر الحرام في كل من وقتيهما الإختياريين والإضطراريين جرى فيه نظير الحكم المتقدم ، فعليه أن يذبح أو ينحر ما استيسر له من الهدي بقصد التحلّل به من إحرامه ، ويضمّ إليه الحلق أو التقصير كما سبق في الصد عن العمرة المفردة ، فإذا فعل ذلك أحل من جميع محرمات الإحرام حتى من النساء ، ولا يجب عليه أن يبعث بالهدي إلى منى وينتظر بلـوغ الهدي محله ، وإن كـان ذلك هو الأحوط له استحبابا -كما تقدم في نظيره-.

المسألة1104 : إذا أحرم الرجل بالحج ووقف الموقفين ، ثم صدّه العدوّ بعدهما عن أن يأتي بمناسك منى في يوم النحر ، فإن استطاع أن يستنيب أحداً في أداء هذه الأعمال عنه ، وجب عليه أن يستنيب فيها ، فإذا رمى النائب جمرة العقبة بالنيابة عنه ، وذبح الهدي عنه إذا كان متمتعا أو قارناً، حلق المكلف بعدهما أو قصّر ، ثم مضى إلى مكة ليؤدي مناسكه فيها ، فـإن المفروض أنه غير مصدود عنها، ولم يجز له أن يتحلّل بالهدي ، وإن صده العدوّ عن أعمال منى حتى عن الإستنابة فيها ، أشكل الحكم فيه .

المسألة1105: إذا صده العدوّ عن دخول مكة بعد النحر ، أو صده عن أن يأتي بأعمال مكة بعد الدخول فيها ، فلم يتمكّن من الطواف والسعي وطواف النساء بنفسه ولم يقدر على الإستنابة فيها إلى آخر شهر ذي الحجة جرى عليه حكم المُحرم المصدود ، فيذبح أو ينحر ما استيسر له من الهدي بقصد التحلّل من إحرامه على الوجه الذي تقدّم بيانه ، فيحلّ بذلك من محرّمات إحرامه ، وإذا استطاع الإستنابة في الأعمال استناب وكفاه فعل النائب، ولم يجر عليه حكم الصد، وكذلك الحكم إذا صدّه العدوّ بعد الموقفين عن أعمال منى يوم النحر وعن أعمال مكة معاً فيجري فيه البيان المذكور.

المسألة1106 : إذا صدّه العدوّ عن العود من مكة إلى منى ليبيت فيها ليالي التشريق ويرمي الجمرات في أيامه ، لم يجرِ عليه حكم المصدود ، فيسقط عنه وجوب المبيت ، ولم يضر ذلك بصحة حجه ، وتجب عليه استنابة من يرمي الجمار عنه مع القدرة ، فإن لم يستطع ذلك في سنته ، ففي أيام التشريق من العام القابل .

المسألة1107 : إذا صدّ المكلف عن العمرة أو عن الحج ، فذبح هدي التحلل أو نحره على الوجه الذي تقدم بيانه أحلّ بذلك من محرمات إحرامه ، ولم يجب عليه المضي في نسكه الذي أحرم به، ولم يسقط عنه وجوب الحج أو العمرة بذلك ، فإذا كان وجوب الحج أو العمرة قد استقرّ في ذمة المكلّف من عام سابق وجب عليه أن يأتي به في العام القابل ، وكذلك إذا استطاع الحج أو العمرة في عامه وبقيت استطاعته إلى العام المقبل، فيجب عليه أداء ذلك النسك الواجب فيه ، وإذا استطاع الحج في عامه وصدّه العدو عن أداء الواجب فيه ثم زالت استطاعته ولم تتجدّد لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة، وكذلك حكم العمرة المفردة لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا وجبت عليه بالاستطاعة .

المسألة1108: من الصدّ أن يسجن المحرمَ سلطانٌ ظالم بغير حق، فيكون سجنه سبباً في فوات الحج أو العمرة عليه وعدم تمكنه من أدائهما ، فيتحلّل من إحرامه بذبح الهدي أو نحره.

المسألة1109: إذا حُبس المحرم بعد إحرامه بدين لأحد في ذمته او بحق ثابت عليه، فإن كان قادرا على وفاء الدين الثابت في ذمته وأداء الحق الواجب عليه ، والتخلّص من الحبس لم يجر عليه حكم المصدود، فإذا هو لم يؤدّ ما عليه، واستمر حبسه لم يَجُز له أن يتحلّل من إحرامه بالهدي ، وإن كان غير قادر على الوفاء بهما، لحقه حكم المصدود، وأمكن له التحلل بذبح الهدي.

المسألة1110: قد اتضح مما بيّناه في هذا الفصل أن الصدّ هو أن يمنع المكلّف المحرم شخص متسلّط عليه عن إتمام الحج أو العمرة، وأن الاحصار هو أن يمنعه مرض وشبهه من الطوارىء عن ذلك ، وأن التحلل بذبح ما استيسر من الهدي إنما هو حكم للمصدود والمحصر، ونتيجةلذلك، فإذا عرض للمحرم عارض آخر غير الصدّ والحصر فمنعه عن إتمام الحج لم يجرِ عليه حكم المصدود أو المحصر، ولم يتحلّل بالهدي .

ومن أمثلة ذلك:أن تنكسر دابّتهأو سفينتهأو سيارته فلا يمكنه الوصول إلى مكة أو إلى الموقفين حتى يفوته النسك الذي أحرم به ، ومن أمثلة ذلك : أن يَعرُض له في أثناء سفره بعض السباع والوحوش فيقطع عليه الطريق ، ومن أمثلة ذلك: أن يتّفق له في سفره نزول أمطار غزيرة أو برد شديد أو عواصف عاتية فيمنعه ذلك عن مواصلة السفر ، فلا يجوز له أن يتحلّل بالهدي ، وإذا اتّفق له حدوث مثل ذلك ففاته الحج وجب عليه أن يتحلّل من إحرامه بعمرة مفردة.

المسألة1111 : يجب أن يكون الهدي الذي يتحلّل به المصدود أو المحصر من إحرامه من الأنعام الثلاثة: الإبل أو البقر أو الغنم ، ولا يجزي غيرها من الحيوانات الأهلية أو الوحشية.

المسألة1112 : إذا أحرم المكلّف بحجّ القران وساق معه هدياً ، ثم صدّه العدوّ عن إتمام الحج ، فلا يترك الاحتياط بأن يكون الهدي الذي يتحلّل به من إحرامه غير الهدي الذي ساقه معه في إحرامه ، وكذلك إذا ساق معه هدياً في إحرام العمرة ثم صدّ عن إتمامها ، فلا يتداخل الهديان على الأحوط.

وإذا أتى المحرم في أثناء إحرامه بما يوجب الكفارة ، ثم صدّ عن إتمام الحج أو العمرة ، لم يكفه هدي واحد للكفارة وللتحلّل بـه ، ولابدّ مـن التعدد ، ونظير ذلك: ما إذا نذر في إحرامه أن يذبح هدياً ، ثم صدّ عن إتمام نسكه ، فلا يكفيه هدي واحد للنذر وللتحلل ، إلا إذا قصد في نذره أن يذبح هدياً مطلقاً، وإن كان للتحلل به إذا صد.

المسألة1113: إذا أحرم الإنسان بعمرة مفردة أو بعمرة تمتع ، أو بحج تمتع أو إفراد ، ثـم حدث لـه بعد إحرامه مـرض فمنعه عن الإتيان بالنسك الذي أحرم به سمي ذلك المكلف مُحصَراً . - كما ذكرنا في المسالة الألف والمائة والواحدة - وقد سبق في المسألة الخمسمائة والخامسة والتسعين : أنـه يستحب للمحرم أن يشترط على الله عند إحرامه أن يحلّه حيث حبسه.

فإذا كان المحرم قد اشترط في إحرامه هذا الشرط ثم أحصره المرض ، أحلّ من إحرامه من غير حاجة إلى هدي يتحلّل به ، والظاهر أن المحرم يتحلّل عند ذلك من جميع محرّمات الإحرام حتى من الثياب والطيب والنساء، والأحوط له استحباباً اجتناب النساء حتى يحج في القابل أو يعتمر ، فيطوف ويسعى ويطوف طواف النساء ، وسيأتي حكمه إذا أحرم بحج القِران وساق معه الهدي ثم احصر.

المسألة1114 : إذا أحرم بعمرة مفردة أو بعمرة تمتع أو بحج التمتع أو الإفراد -كما في الفرض المتقدم- ، ولم يشترط في إحرامه على ربه أن يحلّه حيث حبسه ، ثم أحصَره المرض وأراد التحلّل من إحرامه لم يتحلّل منه إلا بالهدي ، ويتخيّر -على الاقوى- بين أن يبعث الهدي مع بعض من يأتمنه ، ليذبحه عنه في منى ، ويبقى هو على إحرامه فلا يحلق ولا يقصّر حتى يبلغ الهدي محلّه على التفصيل الأتي ، وأن يذبح الهدي في الموضع الذي أحصر فيه ، فإذا فعل أحدهما أحلّ من محرمات الإحرام كلّها إلاّ النساء ، فإنها لا تحلّ له حتى يحج أو يعتمر في القابل، فيطوف ويسعى، ويطوف طواف النساء.

المسألة1115: إذا أحرم المكلّف بحج القران وساق معه هدياً، ثم احصره المرض عن الإتيان بالحج أو عن إتمامه ، فإن كان قد اشترط على الله في إحرامه أن يحلّه حيث حبسه ، وجب عليه أن يبعث بهديه الذي ساقه معه مع بعض من يأتمنه ليذبحه عنه في منى ، ثم قصّر أو حلق في موضعه وتحلّل من إحرامه بنفس إرسال الهدي مع الأمين ، ولم ينتظر أن يبلغ الهدي محلّه، فيحلّ بذلك حتى من النساء ، ويجري فيه الاحتياط المستحب الذي ذكرناه قبل المسألة المتقدمة.

وإن لم يشترط القارن على الله أن يحلّه حيث حبسه أرسل هدي السياق مع الشخص الذي استأمنه واستنابه ليذبحه عنه في منى وعيّنا بينهما موعداً لذبح الهدي في محلّه، وبقي هو منتظراً على إحرامه ، فإذا حلّ الموعد ومضى الوقت المعيّن بينهما قصّر واحلّ من إحرامه ، وحل له كل شيء من محرمات الإحرام إلاّ النساء فلا تحل له كما ذكرنا في المسالة السابقة.

المسألة1116: إذا أحصر المُحرم بالحج، وبعث بالهدي ولم يتحلّل بعد من إحرامه ، ثم زال عنه الإحصار وظن أو احتمل احتمالاً قريباً أنه يدرك الحج -إذا التحق بالناس- وجب عليه أن يلتحق ، فإن هو أدرك الوقوفين أو أحدهما على الوجه الذييصحّ معه -وقد تقدم بيان هذا في المسألة التسعمائة والحادية والثلاثين والمسائل التي تليها- أجزأه ذلك ، وإن فاته الحج تحلّل من إحرامه بعمرة مفردة، وكذلك الحكم في المصدود إذا ارتفع عنه الصدّ قبل أن يتحلّل من إحرامه.

المسألة1117 : إذا احصر المكلّف عن مناسك منى في يوم النحر ، أو أحصر عن أعمال مكة بعد النحر جرت فيه أحكام المصدود عنها، وقد تقدم بيانها قريباً .

المسألة1118 : إذا احصر المكلّف عن الحج أو العمرة فتحلّل من إحرامه بأحد الوجوه التي مرّ ذكرها، لم يسقط عنه التكليف بالحج ولا العمرة إذا كانا واجبين ، فيجب عليه الحج في العام المقبل إذا كان وجوبه قد استقر في ذمته من عام سابق ، أو استطاع الحج لعامه ولم تَزُل استطاعته إلى العام الآتي، أو زالت ثم تجددت له بعد ذلك ، ومثله حكم العمرة المفردة إذا وجبت عليه كذلك.

المسألة1119: إذا أرسل المكلّف المحصر ثمن الهدي مع بعض اصحابه ليشتري به هدي التحلّل ويذبحه بالنيابة عنه في الوقت المعيّن والموضع المعيّن، وأحلّ المكلف من إحرامه بعد مضي الوقت الذي عيّنه النائب، ثم علم أن النائب لم يجد الهدي، أو نسي أن يشتريه ، وجب على المكلف أن يجتنب محرّمات الإحرام حتى يرسل مرّة أخرى ولم يضّره ما فعل من المحرمات في حال جهله.

المسألة1120: إذا أحصر المحرم بالحج وبعث بالهدي ، ولم يتحلّل - بعد - من إحرامه كما في المسالة الألف والمائة والخامسة عشرة، لم يجز له الحلق حتى يبلغ الهدي محلّه، فإذا اضطرّ إلى الحلق لأذى في رأسه من ألم شديد، أو قرحة أو قمل لا يتحمل عادة، جاز له أن يحلق رأسه ويكفّر عن ذلك بذبح شاة أو بصيام ثلاثة أيام، أو باطعام ستة مساكين، يدفع لكل مسكين مدّين من الطعام.

الفصل السابع والعشرون

في بعض ما ينبغي فعله في مكة من المستحبات والأعمال

المسألة 1121: يستحب للإنسان أن يطوف بالبيت في مدة إقامته بمكة ثلاثمائة وستين طوافا تاماً، كل طواف منها سبعة أشواط، فإن لم يقدر على ذلك استحبّ له أن يطوف به ثلاثمائة وستين شوطاً يقسّمها كل سبعة أشواط طوافاً ، فإذا طاف اثنين وخمسين طوافاً تم له العدد المذكور، وزاد عليه أربعة أشواط، فإن لم يقدر على ذلك طاف بقدر ما يستطيع.

وفي الحديث عن أبيعبد الله(ع):(كان رسول الله (ص) يطوف بالليل والنهار عشرة أسابيع ، ثلاثة أول الليل وثلاثة آخر الليل ، وإثنين إذا أصبح وإثنين بعد الظهر ، وكان فيما بين ذلك راحته).

المسألة1122 : تستحب كثرة الطواففي العشر الأولى من ذي الحجة ، ففي الخبر عنه (ع): (الطواف قبل الحج أفضل من سبعين طوافاً بعد الحج) ، وعنه (ع): (مقام يوم قبل الحج أفضل من مقام يومين بعد الحج) .

المسألة1123 : يجوز للمكلف أن يأكل ويشرب في حال طوافه بالبيت، ولا يبطل طوافه بذلك ، ويجوز له أن يتحدّث مع غيره في أثناء الطواف ، ويضحك وينشد الشعر إذا كان الشعر من غير الممنوع شرعاً سواء كان الطواف واجباً أم مستحباً، نعم ، يكره له التكلّم في أثناء الطواف الواجب بغير الدعاء وذكر الله وتلاوة القرآن ، ولا ينبغي له التعديّ عن مراعاة الآداب في حديثه وضحكه، وهو في حال الطواف وان كان مستحبّاً .

المسألة1124: يستحب للطائف أن يختار قراءة القرآن على الدّعاء والذكر في أثناء طوافه ، فإذا مرّ بآيةِ من آيات السجود وأمكنه السجود سجد إلـى الكعبة ثم قام وأتم شوطه من موضع قطعه، وإن لم يمكنه السجود أومأ برأسه إلى الكعبة بنية السجود .

المسألة1125: يكره للمكّلف أن يطوف بالبيت وعلى رأسه برطلّة ، وهي قلنسوة طويلة كانت من زي اليهود ، والكراهة التي ذكرناها إنما هي لغير الطائف المحرم ، واما المحرم فلا ريب في حرمة تغطية رأسه بها وبغيرها ، ويكره لبس البرطلة حول الكعبة، وإن لم يكن اللابس لها طائفاً، وإذا كان في لبسها تشبّه بأعداء الله ورسوله ، فالاحوط للمكلّف اجتناب لبسها في جميع الحالات.

المسالة1126 : يستحب للحاج والمعتمر أن يكثر من النظرإلىالكعبةالمعظمة ، ففي الحديث عن النبي (ص): (النظر إلى الكعبة -حباً لها- يهدم الخطايا هدماً)، وعن أمير المؤمنين (ع): (إذا خرجتم حجاجاً إلى بيت الله فاكثروا النظر إلى بيت الله ، فإن لله مائة وعشرين رحمة عند بيته الحرام ، ستون للطائفين وأربعون للمصلّينوعشرونللناظرين)، وقد تكثرت الأخبار في الدلالة على ذلك .

ويستحب له التعلق بأستار الكعبة عند المستجار وغيره وإكثار الدعاء والتوسل إلى الله -سبحانه- عند التعلّق بها.

المسألة1127 : يستحب للحاج وللمعتمر -بعد أن يفرغ من نسكه- أن يطوف بالبيت أسبوعاً، ويصلي صلاة الطواف عن أبيه وعن أمه وعن ولده وعن زوجته وعن أخيه ورحمه وجاره وصديقه وذي الحق عليه ، فإن لم يفرد كل واحد منهم بطواف، أو لم يقدر على ذلك ، استحب له أن يطوف طوافاً ويصلّي ركعتيه عن جميعهم ، ففي خبر إبراهيم الحضرمي أنه قال لأبي الحسن موسى (ع): إني إذا خرجت إلى مكة ربما قال لي الرجل: طف عني أسبوعاً وصلّ ركعتين ، فأشتغل عن ذلك ، فإن رجعت لم أدر ما أقول له ، قال (ع): إذا أتيت مكة فقضيت نسكك ، فطف أسبوعاً وصلّ ركعتين ، ثم قل : (اللّهم إن هذا الطواف وهاتين الركعتين عن أبي وعن أمي وعن زوجتي وعن ولدي وعن حامّتي وعن جميع أهل بلدي حُرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم) فلا تشاء أن تقول للرجل: إني قد طفت عنك وصليت عنك ركعتين إلا كنت صادقا، فإذا أتيت قبر النبي (ص) فقضيت ما يجب عليك فصلّ ركعتين، ثم قف عند رأس النبي (ص) ثم قلْ (السلام عليك يا نبي الله من أبي وأمي وزوجتي وولدي وجميع حامّتي ومن جميع أهل بلدي حُرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم ) فلا تشاء أن تقول للرجل: إني قد أقرأت رسول الله (ص) عنك السّلام ، إلا كنت صادقاً) .

المسألة1128: يستحب للإنسان أن يُكثر من العبادة في مكة ، ومن قراءة القرآن ، وقد ورد عنهم (ع): (تسبيحة بمكة أفضل من خراج العراقين ينفق في سبيل الله)، وعنهم (ع): (الساجد بمكة كالمتشحّط بدمه في سبيل الله)، ويستحب له أن يختم القرآن فيها مرة أو أكثر ، ففي الخبر عن الإمام زين العابدين (ع) وعن ولده أبي جعفر (ع): (من ختم القرآن بمكة لم يمت حتى يرى رسول الله (ص) ويرى منـزله في الجنة ) .

المسألة1129: ينبغي للناسك أن يزور مولد الرسول (ص) وهو الموضع الذي ولد (ص) فيه ، وقد كان أحد بيوتهم في شعب بني هاشم ، وقد أدخل في دار محمّد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج بن يوسف لما اشتراه محمّد من بعض أولاد عقيل بن أبي طالب ، ثم اشترته الخيزران أم هارون الرشيد، وجعلته مسجداً يصلى فيه وأشرعت بابه في الزقاق ، وهو الآن يقع في زقاق يقال له : زقاق المولد في سوق الليل .

وينبغي له أن يزور منزل الرسول (ص) ، وهو منزل زوجته خديجة بنت خويلد أم المؤمنين (رض)، وقد سكنه الرّسول (ص) معها في أيام حياتها، وسكنه بعد وفاتها إلى أن هاجر إلى المدينة، وفيه ولدت أولادها ، وهو الآن مسجد يقع في زقاق يسمى زقاق الحجر ، ويقال لهذه الدار: مولد فاطمة الزهراء (ع) ، وينبغي له أن يزور دار الأرقم المخزومي ، وهي دار كان الرسول (ص) يختبىء فيها عن المشركين، ويجتمع فيها مع أصحابه يقرأ عليهم القرآن ويعلّمهم، وهي الآن مسجد في جنب الصفا .

المسألة1130: يستحب له أن يزور قبر السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين(رض)، وقبرها معروف في مقبرة الحجون ويقع فى سفح الجبل ، وأن يزور أبا طالب مع الإمكان، وقبور من تصحّ زيارته وتمكن، من الهاشميين وغيرهم، على أن لايعرّض نفسه للأخطاء والأخطار.

المسألة1131 : يستحب للحاج والمعتمر أن يزور المواضع التي اتصلت بتاريخ الرسول (ص)، حتى أصبحت من آثار النبوة ومن أجزاء تاريخها ، وأن يتذكر ويتأمّل ويعتبر ، فيستفيد من عطاء هذه المواضع ويقتبس من أعمال الرسول وأقواله فيها، في تركيز عقيدته، وترسيخ إيمانه، وتصحيح عمله، وتصفية نفسه.

فمن المواضع المذكورة: غار حراء ، وحِراء بكسر الحاء وفتح الراء جبل طويل يكون في الشمال الشرقي من مكة ، وغار حراء يقع في رأس الجبل مشرف مما يلي القبلة ، وكان النبي (ص) -قبل نزول الوحي عليه-يأتي هذا الجبل ويقيم في الغار أياماً وليالي للإنفراد والتعبّد فيه والتبتل ، حتى نزل عليه الوحي وأمر بالتبليغ وأن يصدع بالرسالة .

ومن المواضع التي تستحب زيارتها: جبل ثور، وهو جبل يقع بأسفل مكة على طريق عُرَنة ، وقد خرج إليه الرسول (ص) مع صاحبه في ليلة الهجرة واختبأ في الغار حتى أمره الله بالهجرة إلى المدينة.

المسألة1132 : ومن المساجد المباركة التي يستحبّ للناسك أن يزورها: مسجد غدير خم ، وهو الموضع الذي جمع الرسول (ص) فيه المسلمين في رجوعهم من حجة الوداع، ونصّ بالإمامة على أمير المؤمنين (ع)، وأعلن كلمته في الولاية من بعده على الأمة ، فقال (ص): (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، وفيه أنزلت الآية الكريمة :(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) بعد عقد الولاية.

المسألة1133: يستحب للناسك إذا رجع من مكة على طريق المدينة أن ينزل بالمعرّس، وهو موضع بذي الحليفة مما يلي القبلة من مسجد الشجرة ، وقد كان النبي (ص) ينزل فيه ويصلّي ويضطجع ، ومن أجل ذلك سمي بالمعرّس، فيستحب للناسك عند رجوعه من مكة أن ينزل في الموضع المذكور ويصلي فيه ويضطجع ولو قليلاً، سواء مرّ به ليلاً أم نهاراً، وإذا تجاوزه ولم ينزل فيه استحب له أن يرجع إليه ويفعل ذلك ، واستحباب التعريس إنما هو في الرجوع من مكة لا في الذهاب إليها.

الفصل الثامن والعشرون

في أعمال المدينة المنورة وآدابها

المسألة1134 : للمدينة حرم حدّده الرسول في عهده (ص)، وهو ما بين ظل عائر الى ظل وعير ، أو ما بين لابتي المدينة ، أو ما بين الحرّتين منها.

وعائر جبل يقع في جهة المشرقمن المدينة، أو هو في جهة القبلة منها بالقرب من ذي الحُلَيفة -كما يقول صاحب خلاصة الوفاء-، ووعير في الجهة المقابلة منها ، والمسافة ما بين الجبلين تبلغ أربعة فراسخ أو اثني عشر ميلاً، واللابة بتخفيف الباء هي الأرض ذات الحجارة السوداء ، وهي كذلك الحرّة بفتح الحاء، وتشديد الراء ، وللمدينة لابتان أو حرّتان تقع إحداهما في شرق المدينة وهي حرّة بني قريضه ، وتقع الثانية في غرب المدينة وهي حرّة العقيق، والتحديدات الثلاثه المذكورة ترجع إلى شيء واحد لا اختلاف فيه.

المسألة1135 : لا يجب الإحرام لدخول حرم المدينة -كما يجب لدخول الحرم في مكة-، ولا تلزم الكفارة للصيد في حرم المدينة -كما تلزم للصيد في حرم مكة-، ولا تجب الكفارة لقطع الشجر والنبات أو قلعه في حرمالمدينة ، ولا يحرم أكل صيد الحرم المدني -كما يحرم أكل صيد الحرم المكي-، وكل ذلك مما لا خلاف ولا ريب فيه.

وذهب جماعة من الفقهاء إلى حرمة قطع الشجر والنبات في  حرم المدينة عدا ما يجوز قطعه في حرم مكة ، وإلى حرمة الصيد فيه حرمة تكليفية خاصة في كلا الموردين، فيأثم من يفعل ذلك متعمداً ولا كفارة عليه ، والأحوط ذلك ، وان كان القول بالكراهة وعدم الحرمة فيهما لا يخلو من وجه قوي.

المسألة1136: تستحبّ زيارة قبر الرسول (ص) في المدينة استحباباً شديد التأكد، وخصوصاً للحاج ، وقد ورد في كتاب الخصال عن علي (ع) قال: (أتموا برسول الله (ص) إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام، فان تركه جفاء وبذلك أمرتم ، وأتمّوا بالقبور التي ألزمكم الله حقّها وزيارتها، واطلبوا الرزق عندها).

وعن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): (من أتى مكة حاجاً ولم يزرني إلى المدينة جفاني ومن جفاني جفوته يوم القيامة ، ومن جاءني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة).

وتراجع المسألة الخامسة من أول الكتاب.

المسألة1137:يستحب الغسل لدخول المدينة، ويتخيّر المكلف بين أن يقدّم الغسل على الدخول فيها وأنيغتسل بعدما يدخل ، وأن يبادر إلى زيارة الرسول (ص) قبل أي عمل من أعمالها، ويكفيه أن يغتسل غسلاً واحداً ينوي به الدخول إلى المدينة، والدخول إلى المسجد وزيارة الرسول (ص) ما لم ينقضه بأحد الأحداث قبل العمل.

المسألة1138 : إذا أراد الإنسان دخول المسجد للزيارة وقف على باب المسجد مستأذناً وقال -كما ورد في الكتب المعتمدة-: (اللّهم إني وقفت على باب من أبواب بيوت نبيّك (صلواتك عليه وآله)، وقد منعت الناس أن يدخلوا إلا بإذنه فقلت: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)، اللّهم إني اعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته كما أعتقدها في حضرته ، وأعلم أن رسولك وخلفاءك (عليهم السلام) أحياء عندك يرزقون ، يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردّون سلامي، وانك حجبت عن سمعي كلامهم ، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم ، وإني استأذنك يا رب أولاً، واستأذن رسولك (صلى الله عليه وآله) ثانياً، واستأذن خلفاءك الأئمة المفروض عليّ طاعتهم والملائكة الموكّلين بهذه البقعة المباركة ثالثاً، أأدخل يا رسول الله ، أأدخل يا حجج الله ، أأدخل يا ملائكة الله المقربين المقيمين في هذا المشهد ، فأذن لي يا مولاي في الدخول أفضل ما أذنت لأحد من أوليائك ، فإن لم أكن أهلاً لذلك فأنت أهـل لذلك) ، ثم ليدخل وهو يقول: (بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملـة رسول الله ( صلى الله عليه وأله ) ، اللّهم اغفر لي وارحمني وتب عليّ ، انك أنت التواب الرحيم).

المسألة1139: في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها ، ثم تأتي قبر النبي (ص) فتسلّم على رسول الله (ص)، ثم تقوم عند الاسطوانة المقدّمة من جانب القبر الأيمن عند رأس القبر عند زاوية القبر وأنت مستقبل القبلة ومنكبك الأيسر إلى جانب القبر ، ومنكبك الأيمن مما يلي المنبر ، فإنه موضع رأس رسول الله (ص)، وتقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أنك رسول الله (ص)، وأشهد أنك محمد بن عبد الله ، وأشهد أنك قد بلّغت رسالات ربك ونصحتلأمّتك وجاهدت في سبيل الله ، وعبدت الله حتى أتاك اليقين بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأدّيت الذي عليك من الحقّ، وأنك قد رؤفت بالمؤمنين وغلظت على الكافرين ، فبلغ الله بك أفضل شرف محلّ المكرمين ، الحمد لله الذي استنقذنا بك من الشرك والضلالة ، اللّهم فاجعل صلواتك، وصلواتِ ملائكتك المقرّبين، وعبادك الصالحين وأنبيانك المرسلين، وأهل السموات والأرضين ، ومن سبّح لك يا ربّ العالمين من الأولين والآخرين، على محمد عبدك ورسولك ونبيّك وأمينك ونجيّك وحبيبك وصفيّك وخاصتك وصفوتك وخيرتك من خلقك ، الّلهم أعطه الدرجة والوسيلة من الجنة ، وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون ، الّلهم انك قلت: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) ، واني أتيت نبيك مستغفراً تائباً من ذنوبي، واني اتوجّه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد (ص)، يا محمد إني اتوجه بك إلى الله ربي وربك ليغفر لي ذنوبي).

ثم قال (ع) : وإن كانت لك حاجة فاجعل قبر النبي خلف كتفيك واستقبل القبلة وارفع يديك ، وسل حاجتك ، فإنك أحرى أن تقضى -إن شاء الله-.

المسألة1140 : روى ابن قولويه بإسناده عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: قال لي أبو الحسن (ع): كيف تقول في التسليم على النبي (ص)؟، قلت: الذي نعرفه ورويناه، قال: أولا أعلّمك ما هو أفضل من هذا؟، قلت: نعم جعلت فداك، فكتب لي – وأنا قاعد- بخطه وقرأه عليّ: إذا وقفت على قبره (ص) فقل: (أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أنك محمد بن عبد الله ، وأشهد أنك خاتم النبيين، وأشهد أنك قد بلّغت رسالات ربك ونصحت لامّتك وجاهدت في سبيل ربك وعبدته حتى أتاك اليقين ، وأدّيت الذي عليك من الحق، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ونجيّك وأمينك وصفيّك وخيرتك من خلقك أفضل ما صليت على أحد من أنبيائك ورسلك، اللّهم سلّم على محمد وآل محمد كما سلمت على نوح في العالمين، وامنن على محمد وآل محمد كما مننت على موسى وهارون، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد، اللّهم صلّ على محمد وآل محمد وترحّم على محمد وآل محمد، اللّهم ربّ البيت الحرام وربّ المسجد الحرام، وربّ الركن والمقام وربّ البلد الحرام وربّ الحلّ والحرام وربّ المشعر الحرام بلّغ روح نبيك محمد صلى الله عليه وآله مني السلام).

المسألة1141: مما ورد عنهم (ع): أن يقول الإنسان في السلام عليه (ص): (السلام على رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا أمين الله، أشهد أنك قد نصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله وعبدته حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته، اللّهم صل على محمد وعلى آل محمد، أفضل ما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد).

وورد عن الإمام علي بن الحسين (ع): إذا سلّم على النبي (ص) ودعا بما أراد، اسند ظهره إلى القبر، واستقبل القبلة، وقال: (اللّهم إليك الجأت أمري وإلى قبر نبيك محمد (ص) عبدك ورسولك أسندت ظهري، والقبلة التي رضيت لمحمد (ص) استقبلت، اللّهم إني أصبحت لا أملكلنفسي خير ما ارجو، ولا أدفع عنها شر ما أحذر عليها، وأصبحت الأمور بيدك، فلا فقير أفقر مني، رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير، اللّهم ارددني منك بخير، فإنه لا رادّ لفضلك، اللّهم إني أعوذ بك من أن تبدّل اسمي، أو تغير جسمي، أو تزيل نعمتك عندي، اللّهم كرّمني بالتقوى، وجملني بالنعم، واعمرني بالعافية، وارزقني شكراً لعافيتك).

المسألة1142 : يستحب للإنسان أن يغتنم فرصة بقائه في المدينة فيكثر من الصلاة في مسجد الرسول (ص)، فالصلاة الواحدة فيه تعدل ثواب ألف صلاة في غيره من المساجد غير المسجد الحرام، وفي بعض النصوص: (ان الصّلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة)، والاختلاف في مقادير الفضل منزل على اختلاف مراتب المصلّين في العلم والإيمان والإخلاص، ويتأكد الاستحباب في الروضة المباركة ، وهي ما بين القبر والمنبر ، وفي الحديث عنه (ص): (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة)، وفي خبر مرازم عن أبي عبد الله (ع).. فقلت له: جعلت فداك، ما حدّ الروضة؟ فقال (ع): (بعد أربع أساطين من المنبر إلى الظلال، فقلت: جعلت فداك من الصحن فيها شيء؟ قال: لا.

المسألة1143: يستحب له أن يأتي مقام جبرئيل (ع)، وموضعه تحت الميزاب، وأن يقول: (أي جواد أي كريم ، أي قريب، أي بعيد أسألك أن تصلي على محّمد وأهل بيته، وان ترد على نعمتك).

المسألة1144 : تستحب زيارة السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع) استحباباً مؤكداً، وقد نقلت في تعيين موضع قبرها عدة روايات، فقيل: إنها مدفونة في البقيع عند قبور أولادها أئمة البقيع (ع)، أو في موضع آخر منه، وقيل: إنها دفنت في الروّضة ما بين قبر الرسول ومنبره ، وقيل: إنها دفنت في بيتها ، ولما زاد بنو أمية في توسعة المسجد في أيام خلافتهم دخل القبر في المسجد ، وقد اعتمد على هذا القول جماعة من الأعلام.

المسألة1145 : يستحب أن يقول الإنسان في زيارتها (ع): (يا ممتحنة ، امتحنك الذي خلقك قبل أن يخلقك ، فوجدك لما امتحنك صابرة ، وزعمنا أنا لك أولياء ومصدّقون وصابرون لكل ما أتانا به أبوك (ص)، وأتى به وصيّه (ع)، فإنا نسألك، إن كنا صدّقناك، إلا ألحقتنابتصديقنا لهما لنبشّر أنفسنا بأنا قد طهرّنا بولايتك)، وقد روى الشيخ الطوسي (ره) في المصباح لها زيارة أخرى، وقد ذكرها صاحب المفاتيح فليطلبها من أحبّ المزيد.

المسألة1146:  تستحب زيارة الائمة الطاهرين المدفونين في البقيع -وهم الإمام الحسن بن علي الزكي ، والإمام على بن الحسين السجاد ، والإمام محمد بن علي الباقر، والإمام جعفر بن محمد الصادق، (صلوات الله عليهم)، استحباباً مؤكداً، وقد ذكر الشيخ القمّي في كتاب المفاتيح لهم (ع) زيارة جامعة تشتمل على الاستيذان والظاهر أنه (ره) قد رواها عن بعض كتب الشيخ والسيّد ابن طاووس ونحن نوردها اعتماداً على أمانته في النقل.

قال (تغمده الله برحمته) -بعد أن ذكر بعض آداب الزيارة ، وقل أيضاً: (يا مواليّ يا أبناء رسول الله، عبدكم وابن أمَتكم، الذليل بين أيديكم ، والمضعّف في علّو قدركم ، والمعترف بحقكم ، جاءكم مستجيراً بكـم قاصداً إلـى حـرمكم ، متقربا إلى مقامكم، متوسلاً إلى الله -تعالى- بكم، أأدخل يا مواليّ، أأدخل يا أولياء الله، أأدخل يا ملائكة الله المحدقين بهذا الحرم ، المقيمين بهذا المشهد)، وادخل وأنت تقول: (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً، والحمد لله الفرد الصمد الماجد الأحد المتفضل المنان المتطول الحنّان الذي منّ بطوله، وسهّل زيارة ساداتي بإحسانه، ولم يجعلني عن زيارتهم ممنوعاً بل تطوّل ومنح).

ثم اقترب من قبورهم المقدّسة واستقبلها واستدبر القبلة ثم قل : (السلام عليكم أئمة الهدى، السّلام عليكم أهل التقوى ، السلام عليكم أيها الحجج على أهل الدنيا، السلام عليكم أيها القُوّام في البرية بالقسط، السّلام عليكم أهل الصفوة، السّلام عليكم آل رسول الله ، السلام عليكم أهل النجوى، أشهد أنكم قد بلّغتم ونصحتم وصبرتم في ذات الله ، وكُذّبتم وأسيء إليكم فغفرتم، وأشهد أنكم الأئمة الراشدون المهتدون ، وأن طاعتكم مفروضة، وأن قولكم الصدق، وأنكم دعوتم فلم تجابوا، وأمرتم فلم تطاعوا، وأنكم دعائم الدين، وأركان الأرض، لم تزالوا بعين الله ، ينسخكم من أصلاب كل مطهّر، وينقلكم من أرحام المطهّرات، لم تدنّسكم الجاهلية الجهلاء ، ولم تشرك فيكم فتن الأهواء ، طبتم وطاب منبتكم ، منّ بكم علينا ديّان الدين ، فجعلكم في بيوت أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلاتَنا عليكم رحمةً لنا، وكفارة لذنوبنا ، إذ اختاركم الله لنا وطيّب خلقنا بما منّ علينا من ولايتكم ، وكنّا عنده مسمِّين بعلمكم ، معترفين بتصديقنا إياكم، وهذا مقام من أسرف وأخطأ واستكان وأقّر بما جنى ، ورجا بمقامه الخلاص وأن يستنقذه بكم مستنقذ الهلكى من الرّدى ، فكونوا لي شفعاء فقد وفدت إليكم إذ رغب عنكم أهل الدنيا، واتّخذوا آيات الله هزواً، واستكبروا عنها)، وارفع هنا رأسك إلى السماء وقل: (يا من هو قائم لا يسهو، ودائم لا يلهو ومحيط بكل شيء، لك المنّ بما وفقتني وعرّفتني بما اقمتني عليه إذ صدّ عنه عبادك وجهلوا معرفته ، واستخفّوا بحقه ، ومالوا إلى سواه ، فكانت المنة منك عليّ مع أقوامٍ خصصتهم بما خصصتني به فلك الحمد ، إذ كنت عندك في مقامي هذا مذكوراً مكتوباً، فلا تحرمني ما رجوت ولا تخيّبني فيما دعوت، بحرمة محمد وآله الطّاهرين وصلى الله على محمد وآل محمد)، ثم ادع لنفسك بما تريد ، ثم صل صلاة الزيارة، لكل إمام ركعتين .

المسألة1147 : يستحب أيضا أن تقول في زيارتهم (ع): (السلام على أولياء الله وأصفيائه، السلام على أمناء الله وأحبائه، السلام على أنصار الله وخلفائه ، السلام على محالّ معرفة الله، السلام على مساكن ذكر الله، السلام على مظهري أمر الله ونهيه، السلام على الدعاة إلى الله ، السلام على المستقرين في مرضاة الله، السلام على المخلصين في طاعة الله ، السلام على الأدلاّء على الله، السلام على الذين من والاهم فقد والى الله ، ومن عاداهم فقد عادى الله ، ومن عرفهم فقد عرف الله، ومن جهلهم فقد جهل الله ، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله ، ومن تخلّى منهم فقد تخلّى من الله (عز وجل)، واشهدُ الله أني سِلْم لمن سالمكم ، وحرب لمن حاربكم ، مؤمن بسرّكم وعلانيتكم ، مفوض في ذلك كلّه إليكم ، لعن الله عدوّ آل محمد من الجنّ والإنس ، وأبرأ إلى الله منهم ، وصلى الله على محمّد وآله)، وتكثر من الصلاة على محمّد وآله وتسمّي واحداً واحداً باسمائهم، وتبرأ إلى الله من أعدائهم ، وتدعو بما أحببت لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات .

وهذه هي الزيارة الجامعة الصغيرة التي يزار بها جميع المعصومين (ع)، ومما يتأكد استحبابه مع الإمكان أن تزورهم بالزيارة الجامعة الكبيرة، وزيارة (أمين الله).

المسألة1148: تستحب للرجل زيارة قبور المؤمنين والصّلحاء في البقيع من الصحابة والتابعين ومن أقرباء الرسول (ص) وبناته وزوجاته وغيرهم ، ويقرأ في زيارتهم زيارة (أهل لا إله إلا الله) المعروفة.

وتستحب له زيارة قبر إبراهيم بن رسول الله (ص)، وقبر السيّدة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع) وسنذكر ما يقال في زيارتهما، ومن البرّ برسول الله (ص) أن يزار قبر عمّه العباس، وابن عمّه عقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، ومرضعته السعدية، وقبر أم البنين وقبور صحابته الاجلاّء المدفونين هناك .

المسألة1149 : يستحب للإنسان ان يزور المساجد المباركة في المدينة، وما حولها، ومن المستحبات المؤكدة أن يأتي مسجد قِبا، ويصلّي فيه ويكثر الصلاة فيه، فإنه أول مسجد صلّى فيه الرسول في المدينة وهو المسجد الذي أُسّس على التقوى من أول يوم ، وأن يأتي مشربة أم إبراهيم، وهي موضع كانت تسكنه مارية القبطية، وتقع بالقرب من مسجد قبا، وكانت مسكن الرسول (ص) ومصلاّه، فيستحب للإنسان أن يزورها ويصلّي فيها، ويجدّد التسليم على الرّسول فيها ، ويستحب له أن يأتي مسجد الفضيخ، ويقع أيضا بالقرب من مسجد قبا ، وفي بعض الأخبار أنه الموضع الذي ردّت الشمس فيه لأمير المؤمنين (ع) بعد غروبها ، فتستحبّ زيارته والصّلاة فيه.

المسألة1150: ومن المستحبات المؤكدة : أن يأتي الرجل أُحداً ويزور عنده قبر حمزة بن عبد المطلب سيّد الشهداء ، وأن يقول في زيارته ما رواه ابن قولويه (قده) في كتابه كامل الزيارات: (السلام عليك يا عم رسول الله وخير الشهداء، السلام عليك يا أسد الله وأسد رسوله، أشهد أنك قد جاهدت في الله حق جهاده، ونصحت لله ولرسوله ، وجدت بنفسك ، وطلبت ما عند الله ورغبت فيما وعد الله)، فإذا أمكنك الصلاة فادخل وصلّ ولا تستقبل القبر عند صلاتك ، فإذا فرغت من صلاتك فقل: (اللّهم صلّ على محمد وعلى أهل بيته، اللّهم اني تعرّضت لرحمتك بلزوقي بقبر عم نبيِّك (صلواتك عليه وعلى أهل بيته)، لتجيرني من نقمتك وسخطك ومقتك، ومن الإضلال في يوم تكثر فيه الأصوات والمعرّات، وتشتغل كل نفس بما قدّمت وتجادل كل نفس عن نفسها ، فإن ترحمني اليوم فلا خوف عليّ ولا حزن، وان تعاقب فمولى له القدرة على عبده ، اللّهم فلا تخيّبني اليوم ولا تصرفنى بغير حاجتي ، ففد لزقت بقبر عم نبيّك وتقربت به اليك ابتغاء لمرضاتك ورجاء رحمتك فتقبل مني، وعُدْ بحلمك على جهلي، وبرأفتك على جناية نفسي ، فقد عظم جرمي ، وما أخاف أن تظلمني ولكن أخاف سوء الحساب ، فانظر اليوم تقلّبي على قبر عم نبيّكَ (صلواتك على محمد وأهل بيته ) فبهم فكن لي، ولا تخيّب سعيي ولايهون عليك ابتهالي ولاتحجب عنك صوتي ولا تقلبني بغير حوائجي ، يا غياث كل مكروب ومحزون ، يا مفرّج عن الملهوف الحيران الغريب الغريق المشرف على الهلكة، صلّ على محمد وأهل بيته الطاهرين ، وانظر لي نظرة لا أشقى بعدها أبدا ، وارحم تضرّعي وغربتي وانفرادي، فقد رجوت رضاك وتحرّيت الخير الذي لا يعطيه أحد سواك، ولا تردّ أملي) .

المسألة1151 : يستحب له أن يزور قبور الشهداء ويقول: (السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) ويقول: (السلام عليكم يا أهل الديار أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون)، ثم يأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جنب الجبل عن يمينه فيصلّي فيه ، فقد صلّى الرسول فيه يوم أحد لما خرج إلى حرب المشركين .

ويستحب له أن يأتي مسجد الأحزاب ويسمى أيضا مسجد الفتح فيصلي فيه ويدعو الله، وقد دعا الرّسول (ص) فيه عند اشتداد الأمر في يوم الأحزاب، إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن البعض بالله الظنون، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، فقال (ص) في دعائه: (يا صريخ المكروبين ، ويا مجيب دعوة المضطّرين، ويا مغيث المهمومين اكشف همّي وكربي وغمّي فقد ترى حالي وحال أصحابي)، فكشف الله همّه وفرّج كربه بقتل عمرو بن عبد ودّ، والقصة معلومة مشهورة، وقد ورد أنه يستحبّ أن يقول الإنسان في دعائه في هذا المسجد: (يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين اكشف همّي وغميّ وكربي كما كشفت عن نبيك همه وغمه وكربه وكفيته هول عدوّه في هذا المكان).

المسألة1152 : ينبغي للإنسان أن يزور مسجد القبلتين ومسجد علي (ع) ومسجد فاطمة (ع) وبقية المساجد المباركة، وآثار الرسول الشريفة في تلك البقاع، ويكثر من الصلاة والذكر والدعاء فيها.

المسألة1153 : يستحب للرجل أن يقيم بالمدينة ويطيل مدّة مكثه فيها ، ويُكثر فيها من التعبّد ، ويختار الإقامة فيها على الإقامة في مكة ما أمكنه ذلك ، وإذا استلزمت إقامته فيها محذورا شرعياً لم تجز.

المسألة1154 : من المستحبات المأثورة للشخص إذا زار السيدة الزهراء (سلام الله عليها) وصلّى صلاة الزيارة أن يقرأ بعدها هذا الدعاء (اللّهم اني أتوجه إليك بنبينا محمد (ص)، وبأهل بيته صلواتك عليهم ، وأسألك بحقك العظيم عليهم، الذي لا يعلم كنهه سواك ، وأسألك بحق من حقه عندك عظيم ، وبأسمائك الحسنى التي أمرتني أن أدعوك بها ، وأسألك باسمك الأعظم الذي أمرت به إبراهيم أن يدعو به الطير فأجابته ، وباسمك العظيم الذي قلت للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، فكانت برداً، وبأحبّ الأسماء إليك، وأشرفها وأعظمها لديك وأسرعها إجابة وأنجحها طلبة ، وبما أنت أهله ومستحقه ومستوجبه ، وأتوسّل إليك ، وأرغب إليك ، وأتضرع والحّ عليك ، وأسألك بكتبك التي أنزلتها على أنبيائك ورسلك (صلواتك عليهم) من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم ، فإن فيها اسمك الأعظم ، وبما فيها من أسمائك العظمى، أن تصلي على محمد وآل محمد ، وان تفّرج عن آل محمد ، وشيعتهم ومحبّيهم وعني ، وتفتح أبواب السماء لدعائي وترفعه في عليّين، وتأذن في هذا اليوم وفي هذه الساعة بفرجي ، وإعطاء أملي وسؤلي في الدنيا والآخرة ، يا من لا يعلم أحد كيف هو وقدرته إلا هو ، يا من سدّ الهواء بالسماء وكبس الأرض على الماء ، واختار لنفسه أحسن الأسماء ، يا من سمّى نفسه بالإسم الذي يقضى به حاجة من يدعوه ، أسألك بحق ذلك الاسم ، فلا شفيع أقوىلي منه أن تصلّي على محمد وآل محمد وأن تقضي لي حوائجي ، وتسمع بمحمد وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، والحجة المُنتظر لإذنك، (صلواتك وسلامك ورحمتك وبركاتك عليهم) صوتي ، ليشفعوا لي إليك ، وتشفّعهم فيّ ولا تردّني خائباً بحق لا اله إلا أنت). وتسأل حوائجك تقضى -إن شاء الله تعالى-.

المسألة 1155 : ينبغي للإنسان -إذا دخل البقيع- أن يزور قبر إبراهيم بن رسول الله (ص) فيقف على قبره ويقول : ( السلام على رسول الله ، السلام على نبيّ الله ، السلام على حبيب الله ، السلام على صفيّ الله ، السلام على نجيّ الله ، السلام على محمد بن عبد الله سيّد الأنبياء ، وخاتم المرسلين ، وخيرة الله من خلقه في أرضه وسمائه ، السلام على جميع انبيائه ورسله ، السلام على الشهداء والسعداء والصالحين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكِ أيتها الرّوح الزاكية، السلام عليك أيتها النفس الشريفة، السلام عليك أيتها السلالة الطاهرة، السلام عليك أيتها النسمة الزاكية، السلام عليك يا ابن خير الورى، السلام عليك يا ابن النبي المجتبى، السلام عليك يا ابن المبعوث إلى كافّة الورى، السلام عليك يا ابن البشير النذير، السلام عليك يا ابن السراج المنير، السلام عليك يا ابن المؤيد بالقرآن، السلام عليك يا ابن المرسل إلى الإنس والجان، السلام عليك يا ابن صاحب الراوية والعلامة، السلام عليك يابن الشفيع يوم القيامة، السلام عليك يا ابن من حباه الله بالكرامة، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، اشهد أنك قد اختار الله لك دار إنعامه قبل أن يكتب عليك أحكامه، أو يكلّفك حلاله وحرامه، فنقلك إليه طيّباً زاكياً مرضيّاً طاهراً من كلّ نجس، مقدّساً من كل دنس، وبّوأك جنة المأوى، ورفعك إلى الدرجات العلى، وصلى الله عليك صلاة تقرّ بها عين رسوله، وتبلّغه أكبر مأموله، اللّهم اجعل أفضل صلواتك وأزكاها، وأنمى بركاتك وأوفاها، على رسولك ونبيّك وخيرتك من خلقك محمد خاتم النبيين، وعلى من نسل من أولاده الطيبين، وعلى من خلّف من عترته الطّاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللّهم إني أسألك بحق محمد صفيّك، وإبراهيم نجل نبيك أن تجعل سعيي بهم مشكوراً، وذنبي بهم مغفورا، وحياتي بهم سعيدة، وعاقبتي بهم حميدة، وحوائجي بهم مقضية، وأفعالي بهم مرضية، وأموري بهم مسعودة، وشؤوني بهم محمودة، اللّهم وأحسن لي التوفيق، ونفّس عني كل هم وضيق، اللّهم جنّبني عقابك، وامنحني ثوابك ، وأسكنّي جنانك وارزقني رضوانك وامانك، وأشرك لي في صالح دعائي والدي وولدي وجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك وليّ الباقيات الصالحات آمين رب العالمين)، ويدعو بما يريد وينصرف .

المسالة 1156: ورد في زيارة السيدة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع): أن تقف على قبرها فتقول: (السلام على نبي الله، السلام على رسول الله ، السلام على محمد سيد المرسلين ، السلام على محمد سيد الأولين، السلام على محمد سيد الآخرين ، السلام على من بعثه الله رحمة للعالمين ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام على فاطمة بنت أسد الهاشمية. السلام عليك أيتها الصدّيقة المرضية ، السلام عليك أيتها التّقية النَقية، السلام عليك أيتها الكريمة الرضية ، السلام عليك يا كافلة محمد خاتم النبيين ، السلام عليك يا والدة سيد الوصيين ، السلام عليك يا من ظهرت شفقتها على رسول الله خاتم النبيين ، السلام عليك يا من تربيتها لولي الله الأمين ، السلام عليك وعلى روحك وبدنك الطاهر، السلام عليك وعلى ولدك ورحمة الله وبركاته ، اشهد انك أحسنت الكفالة ، وأديت الأمانة ، واجتهدت في مرضاة الله ، وبالغت في حفظ رسول الله ، عارفة بحقه، مؤمنة بصدقه ، معترفة بنبّوته ، مستبصرة بنعمته ، كافلة بتربيته ، مشفقة على نفسه ، واقفة على خدمته، مختارة رضاه ، وأشهد انك مضيت على الإيمان، والتمسك بأشرف الأديان ، راضية مرضية طاهرة زكية تقية نقية، فرضي الله عنك وأرضاك ، وجعل الجنّة منـزلك ومأواك، اللّهم صلّ على محمد وآل محمد ، وانفعني بزيارتها وثبّتني على محبّتها ، ولا تحرمني شفاعتها وشفاعة الأئمة من ذرّيتها ، وارزقني مرافقتها ، واحشرني معها ، ومع أولادها الطاهرين ، اللّهم لا تجعله آخر العهد من زيارتي إياها ، وارزقنى العود إليها أبدا ما أبقيتني ، وإذا توفيتني فاحشرني في زمرتها ، وأدخلني في شفاعتها برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللّهم بحقّها عندك، ومنزلتها لديك اغفر لي ولوالديّ ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وآتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار) ثم تدعو بما تشاء وتنصرف.

المسالة1157: يستحب لمن أتى المدينة أن يصوم فيها يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة لقضاء الحاجة ، وقد وردت لهذا العمل كيفيّتان ، فيتخير المكلّف ما شاء منها .

الكيفية الأولى: ما دلت عليها صحيحة معاوية بن عمار ، وهي أن يصلي في ليلة الأربعاء وفي يومها جميع فرائضه ونوافله عند اسطوانة أبي لبابة في الروضة الشريفة ، وهي المعروفة باسطوانة التوبة، ويقيم عندها بقية ليلته ويومه ويصوم وهو مقيم عندها يوم الأربعاء ، ثم ينتقل في ليلة الخمس ويوم الخميس إلى الإسطوانة  التي تلي اسطوانة التوبة مما يلي مقام النبي (ص)، فيصلي عندها جميع صلواته ويمكث عندها ليلته ويصوم عندها نهاره ، ثم ينتقل في ليلة الجمعة وفي يومها إلى الاسطوانة القريبة من مقام النبيّ (ص) ومحرابه، فيصلّي عندها صلواته ويمكث ليلته ويصوم عندها نهاره ، وإذا استطاع أن لا يتكلم في تلك الليالي والايام بشيء إلا بمقدار الضرورة، وان لا يخرج من المسجد إلا لحاجة ، وان لا ينام في ليله ولا نهاره فهو أفضل ، فإذا كان في يوم الجمعة ، حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبيّ وآله وسأل حاجته التي يريد ، وليكن من دعائه أن يقول: (اللّهم ما كانت إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع ، سألتكها أو لم أسألكها فإني أتوجه إليك بنبيّك محمد (ص) نبيّ الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها) فإنك حري أن تقضى حاجتك -إن شاء الله تعالى-.

الكيفية الثانية : ما وردت فيها صحاح أخرى ، وهي أن يصوم الأيام الثلاثة المذكورة ، ويصلّي في ليلة الأربعاء ويومها جميع صلواته عند الاسطوانة التي عند القبر الشريف ، ويقيم عندها ليلته ونهاره ، ويدعو الله ويسأله كل حاجة يريدها في آخرته ودنياه، ويتحوّل في ليلة الخميس ويومه إلى اسطوانة التوبة ، ويصنع عندها كما صنع في سابقتها ، ثم يتحوّل في ليلة الجمعة ونهارها إلى الاسطوانة التي تلي مقام الرسول (ص) ومحرابه فيصلي عندها ويمكث ويدعو كما صنع بالأمس، ويقول في دعائه: (اللّهم اني أسألك بعزتك وقوتك وقدرتك وجميع ما أحاط به علمك أن تصلّي على محمد وأهل بيته ، وأن تفعل بي كذا وكذا)، ويذكر حاجته التي يريد.

المسالة 1158: لا يشترط في صحة صوم الأيام الثلاثة التي ذكرناها أن يكون الصائم حاضراً في المدينة أو مسافراً نوى الإقامة فيها ، فقد دلت النصوص المعتبرة على صحة هذا الصيام منه وان كان مسافراً لم ينو إقامة العشرة ، وهي إحدى المستثنيات من الحكم بعدم صحة الصوم في السفر ، وقد ذكرنا هذا في المسالة المائة والثانية والأربعين من كتاب الصوم.

المسالة 1159 : لا يختص استحباب صيام الأيام المذكورة بالقادمين إلى المدينة من غير أهلها بل يستحب ذلك لأهل المدينة والمجاورين فيها أيضاً.

المسالة 1160 : يستحب للإنسان أن يسلّم على الرسول (ص) كلّ ما دخل إلى المسجد وكل ما خرج منه ، سواء دنا من القبر أم كان بعيداً منه ، وأتم ذلك أن يقول: (أسال الله الذي اجتباك واختارك وهداك وهدى بك أن يصلّي عليك)، ثم يقول: (إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما).

المسالة 1161 : يستحب له أن يبلّغ رسول الله (ص) سلام أهله وأقربائه وإخوانه ، كما ورد عن أبي الحسن (ع) قال: (وإذا أتيت قبر النبي فقضيت ما يجب عليك فصلّ ركعتين ثم قف عند رأس النبيّ (ص) وقل: (السلام عليك يا نبيّ الله من أبي وأمي وولدي وخاصّتي وجميع أهل بلدي، حُرِّهم وعبدهم وابيضهم وأسودهم) فلا تشاء أن تقول للرجل قد أقرأت رسول الله (ص) عنك السّلام ، إلا كنت صادقاً ، وقد سبق هذا في الفصل السابع والعشرين .

المسالة 1162: يستحب للزائر إذا أراد الخروج من المدينة أن يغتسل لوداع الرسول (ص) ثم يأتيالقبرالشريف بعدما يفرغ من حوائجه، ويقف عند الاسطوانة المقدّمة من جانب القبر الأيمن عند رأس القبر وهو مستقبل للقبلة ويجعل منكبه الأيسر إلى جانب القبر ومنكبه الأيمن مما يلي المنبر ، ويسلّم على الرسول ثم يقول: (اللّهم لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر نبيك ، فإن توفيتني قبل ذلك فإني أشهد في مماتي على ما شهدت عليه في حياتي أن لا اله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك).

وعن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن وداع قبر النبي (ص) فقال (ع) تقول: (صلّى الله عليك ، السلام عليك ، لا جعله الله آخر تسليمي عليك).

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين  محمد وآله المنتجبين .