الفصل الحادي عشر

في أحكام المواقيت

المسألة503: لا يشرع للحاج ولا للمعتمر أن يحرم قبل أن يصل إلى الميقات ، وإذا هو أحرم قبل وصوله إليه لم يصح إحرامه ولم يكفه ذلك لحجه أو عمرته ، وان مرّ على الميقات بعد ذلك وهو محرم ، بل يجب عليه أن ينشئ إحراما آخر بعد وصوله إلى الميقات ، ولا يعتد بإحرامه الأول.

المسألة504: تستثنى من الحكم الذي ذكرناه في المسالة السابقة صورتان ، الصورة الاولى : أن ينذر المكلف أن يحرم من موضع معين قبل الميقات ، فيجب عليه الإحرام من ذلك الموضع وفاءاً بنذره، سواء كان الموضع الذي نذر الإحرام منه بعيداً عن الميقات أم قريبا منه ، فينذر الإحرام من بلده مثلا أو ينذر الإحرام من المدينة قبل أن يصل إلى مسجد الشجرة ، وسواء كان نذره متقدما على إحرامه بمدة طويلة أم بفترة قليلة متصلة به ، وقد وردت النصوص بذلك ولا وجه بعد ورودها للتشكيك في الحكم أو للمنع منه وقد نقل ذلك عن بعض ، الأصحاب.

المسألة505: إذا نذر الرجل أن يحرم بالحج أو بالعمرة من موضع معين قبل الميقات وأحرم من ذلك الموضع وفاءاً بنذره صح إحرامه وكفاه ، ولم يجب عليه أن يحرم مرة أخرى عند وصوله إلى الميقات أو يجدد النية فيه ، بل ولا يجب عليه المرور بالميقات ، فيجوز له العدول إلى طريق آخر لا يـمر به .

المسألة506: لا يبعد الحاق العهد واليمين بالنذر في الحكم الآنف ذكره ، فيجوز للرجل أن يعاهد الله سبحانه أو يقسم به يمينا على أن يحرم قبل الميقات ، ويكون حكمه حكم الناذر الذي مرّ بيانه ، اعتماداً على موثقة أبي بصير الدالة على ذلك ، ولكن الاحتياط لا يترك بأن يحرم أولا من الموضع الذي عينه في عهده أو يعينه ، ثم يجدد الإحرام عند وصوله إلى الميقات.

المسألة507: يشترط في صحة نذر الإحرام قبل الميقات أن يعيّن الناذر في صيغة نذره موضعاً يوقع إحرامه منه ، فيقول : لله عليّ إن رزقني هذه النعمة أو إن دفع عني هذه البلية أن احرم بالحج أو بالعمرة من النجف مثلاً ، أو يقول: لله علي أن أحرم من المدينة ، أو أن أنشئ إحرامي من المسجد الجامع في الكوفة ، ولا يصح نذره إذا لم يذكر موضعا خاصا أو بلداً معيّنا ، فقال: لله علي أن أحرم بالحج أو بالعمرة قبل الميقات من غير تعيين ، أو قال : لله علي أن أحرم إما من النجف أو من كربلاء ، على الترديد بين البلدين ، أو قال : لله علي أن أحرم من أي موضع ألتقي فيه بصاحبي زيد.

المسألة508: لا فرق في جريان الأحكام الآنف ذكرها بين أن يكون الإحرام في حج أو في عمرة ، ولا بين أن يكون النسك الذي يحرم له واجبا أو مندوبا ، ولا بين حج الإسلام وعمرة الإسلام وغيرها من أقسام الحج والعمرة الواجبين ، فلا يصح الإحرام فيها جميعا قبل أن يصل إلى الميقات ، ويصح ذلك مع النذر على الوجه الذي أوضحناه ، وإذا ، استؤجر الرجل أن يحج أو يعتمر بالنيابة عن أحد ، واشترط المستأجر عليه أن يحرم من الميقات تعين عليه الإحرام منه ، ولم يجز له أن يقدم الإحرام عليه بالنذر، وإذا اشترط عليه أن يحرم من ميقات خاص معين عليه ذلك ولم يجز له إبداله.

المسألة509 : لا يشرع للإنسان أن يحرم بعمرة التمتع قبل أشهر الحج ، وقد سبق منا ذكر هذا في المسالة الاربعمائة والثلاثين وما بعدها وما يليهما ، ولذلك فلا يشرع له أن ينذر الإحرام بها قبل أشهر الحج ، وإذا نذر ذلك لم ينعقد نذره ولم يصح إحرامه ، ولا تشمله الأدلة التي أشرنا إليها في نذر الإحرام قبل الميقات ، وكذلك الحكم في حج القران وحج الإفراد ، فلا يصح الإحرام بهما قبل أشهر الحج ، ولا ينعقد نذر ذلك إذا نذره المكلف ، ولا تشمله نصوص نذر الإحرام قبل الميقات ، وأما حج التمتع فالحكم فيه أوضح.

المسألة510: إذا نذر الإنسان أن يحرم من موضع معيّن قبل الميقات ثم نسي نذره او أحرم بعد وصوله إلى الميقات لم يبطل إحرامه بمخالفة النذر ، ولم تجب عليه الكفارة ، وإذا ترك الإحرام من الموضع المذكور عامداً واحرم بعد وصوله إلى الميقات كان اثما بمخالفته للنذر ووجبت عليه الكفارة ، ولم يبطل إحرامه على الأقوى فيصح حجه وعمرته بذلك الإحرام ، والاحوط له استحباباً إعادة الحج والعمرة إذا كانا واجبين ، وإذا أراد الإعادة احرم من الموضع المعيّن للإحرام إذا كان نذره مطلقا .

المسألة511: الصورة الثانية : مما يجوز الإحرام فيه قبل الوصول إلى الميقات: أن يقصد المكلف الاعتمار في شهر رجب ، ويخاف إن هو أخر الإحرام إلى أن يصل الميقات أن يهل شهر شعبان وتفوته بذلك عمرة رجب ، فيجوز لـه ان يحرم قبل الميقات ليدرك فضل العمرة في رجب ، ففي موثقة إسحاق بن عمار ، قال: سألت أبا إبراهيم (ع) عن الرجل يجيء معتمراً ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق ، فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب، أم يؤخر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان ، قال (ع): (يحرم قبل الوقت لرجب ، فإن لرجب فضلاً) ، وفي خبر على بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال : سألته عن عمرة رجب ما هي، قال: (إذا أحرمت في رجب وان كان في يوم واحد فقد أدركت عمرة رجب وان قدمت في شعبان).

المسألة512: إذا أحرم الشخص قبل الميقات ليدرك عمرة رجب -كما هو الفرض السابق- ثم وصل إلى الميقات ، لم يجب عليه ان يجدد الإحرام في الميقات على الاقوى ، إذا كان وصوله إلى الميقات بعد هلال شهر شعبان ، والاحوط استحبابا ان يجدده ، وإذا وصل إلى الميقات قبل هلال شعبان فالأحوط لزوم تجديده ، بل لا يخلو من قوة.

المسألة513: إذا علمالرجل أنه لايدرك العمرة في رجب إذا هو أخر الإحرام إلى ان يبلغ الميقات لطول المسافة ما بينه وبين الميقات ، جاز له أن يحرم بالعمرة قبل الميقات ليدركها وان لم يتضيّق عليه وقت هلال شعبان ، وكذلك إذا علم أنه لا يدرك العمرة في الفرض المذكور فأراد أن يقدم الإحرام قبل الميقات قبل أن يتضيق عليه الوقت لتكون مدة إحرامه في أيام رجب أطول فيجوز له ذلك .

المسألة514: يجري الحكم المذكور في عمرة رجب المندوبة ، والظاهر جريانه كذلك في عمرة رجب الواجبة بالنذر أو العهد أو اليمين ، إذا كان قد نذر عمرة رجب أو حلف أو عاهد الله عليها ، ويشكل جريان الحكم في غير ذلك من أقسام العمرة الواجبة.

المسألة515: ذكرنا في أول هذا الفصل أنه لا يشرع للحاج أو المعتمر ان يحرم بنسكه قبل أن يصل إلى الميقات ، وهذا الحكم انما يثبت إذا كان الموضع الذي يعقد إحرامه فيه ليس من المواقيت، فإذا كان ميقاتا جاز له الإحرام منه بل وجب ، ولا إشكال في ذلك ، ومثال ذلك: أن يخرج المكلف الذي يكون ميقاته الجحفة إلى مسجد الشجرة فيحرم منه قبل أن يصل إلى الجحفة ، ومثال ذلك أيضا : أن يخرج الرجل من أهل مكة إلى بعض المواقيت الاخرى فيحرم منه بالعمرة المفردة قبل أن يصل إلى ميقاته وهو ادنى الحل .

المسألة516: لايجوز للمكلف إذا مرّ بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات إلا وهو محرم منه ، إلا إذا كان معذوراً في تأخير الإحرام ، وان كان أمامه ميقات آخر، وقد سبق منّا في المسالة الاربعمائة والثانية والسبعين أنه لا يجوز للحاج أو المعتمر من أهل المدينة وأهل البلاد الذين يحجون أو يعتمرون من طريق المدينة أن يؤخر إحرامه عن ذي الحليفة إلى ان يصل إلى الجحفة الا إذا كان مضطرا إلى تاخير الإحرام لمرض أو ضعف ، أو لزمه من الإحرام من الميقات الأول ضرر شديد أو حرج بالغ لا يتحمل عادة ، فيجوز له التأخير حين ذلك إلى الميقات الثاني.

وكذلك الحكم إذا مر بالميقات وهو يريد الدخول الى مكة، فلا يجوز له تأخير إحرامه عن ذلك الميقات وان كان أمامه ميقات آخر إلا إذا كان معذوراً ، ومثله على الاحوط من يريد دخول الحرم خاصة من غير أن يدخل إلى مكة ، وقد سبق منا ذكر هذا الاحتياط له في المسالة الاربعمائة والسادسة عشرة ، فعليه أن لا يؤخر إحرامه عن الميقات إذا كان مختاراً غير معذور .

المسألة517: ذكرنا في المسالة الاربعمائة والحادية والتسعين أن الموضع الذي يحاذي المكلف فيه بعض المواقيت الخمسة ميقات شرعي للإحرام ، فإذا حاذى المكلف في طريقه ميقاتا منها محاذاة عرفية وهو يريد الحج أو العمرة وجب عليه أن يحرم بنسكه من ذلك الموضع ، ولم يجز له أن يؤخر إحرامه إلى موضع آخر ، وان كان أمامه ميقات آخر أو موضع يحاذي فيه ميقاتا آخر.

ولا يترك الاحتياط لمن يريد الدخول إلى مكة أو يريد الدخول في الحرم ، ان يحرم من موضع المحاذاة كذلك ولا يؤخر إحرامه إلى موضع آخر .

المسألة518: إذا مرّ المكلف بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو يريد دخول مكة ، ولم يحرم من الميقات عامداً أثم بذلك ووجب عليه ان يرجع إلى ذلك الميقات ويحرم منه ولا يكفيه مع إمكان ذلك أن يحرم من موضع غيره او من ميقات آخر يمر به، أو من موضع يحاذي فيه ميقاته الأول ، فإذا هو أحرم من بعض هذه المواضع التي ذكرناها وهو قادر على الرجوع إلى الميقات الأول كان إحرامه باطلاً، وإذا حج أو اعتمر بهذا الإحرام كان نسكه باطلاً، وإذا كان مستطيعا للحج لم تبرأ ذمته من التكليف بذلك ووجب عليه الحج في العام المقبل، وكذلك إذا كان الحج واجبا عليه بنذر أو غيره ، وكان مما يقضى ، ومثله العمرة الواجبة إذا كانت مما تقضى.

وإذا كان مريداً دخول مكة ولم يقصد حجا ولا عمرة ثم دخلها بذلك الإحرام كان آثماً بدخوله، لبطلان إحرامه ولم يجب عليه قضاء النسك أو الإحرام .

المسألة519: إذا مرّ المكلف بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة، أو يريد الدخول إلى مكة، وترك الإحرام منه عامداً وهو يعلم بالميقات وبوجوب الإحرام منه كما ذكرنا في المسالة المتقدمة ، ثم تعذر عليه بعد ذلك أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه لضيق وقت النسك أو لطروء عارض يمنعه من الرجوع إليه ، أثم بترك الإحرام كما قلنا ووجب عليه العود في طريق الميقات بالمقدار الممكن فيحرم من الموضع الذي يمكنه الوصول إليه وإذا لم يستطع شيئا من ذلك أحرم من موضعه، وإذا كان قد دخل الحرم صنع كذلك فيخرج ما أمكنه ولو إلى خارج الحرم أو بعض طريقه فيحرم منه وإلا احرم من موضعه ، فيصح إحرامه وبذلك ويصح حجه أو عمرته، وان كان أثماً بتركه الإحرام قبل العذر.

المسألة520: إذا مر بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة وترك الإحرام منه متعمداً وهو يعلم بأنه الميقات الذي يلزمه الإحرام منه ، ثم أحرم بعد أن تجاوزه وهو يقدر على الرجوع إلى الميقات ، لم يصح إحرامه كما تقدم ، ولا يصح حجه ولا عمرته بذلك الإحرام وان تعذر عليه الرجوع إلى الميقات بعد إحرامه ، فإذا كان الحج أو العمرة الذي قصده مما يلزمه الاتيان به وجب عليه اداؤه بعد ذلك ، وإذا كان من غير ذلك لم يلزمه القضاء لمجرد تلبسه به أو لمجرد قصده دخول مكة.

المسألة521: الذي يظهر من الأدلة المخصوصة أن وجوب الإحرام على كل من يريد الدخول إلى مكة إنما هو حكم خاص شرعه الله تعالى لتعظيم هذه البقعة المكرمة في الإسلام ، فلا يجوز أن يدخلها أحد وهو محل غير محرم، وليس ذلك لوجوب حج أو عمرة على كل من يدخلها من الناس ، وهو في ذلك نظير استحباب صلاة التحية لمن دخل أحد المساجد ، وإنما وجب على من دخل مكة محرما أن يكون حاجا أو معتمراً، لان الإحرام لا يكون الا جزءا أو شرطاً في حج أو عمرة ، ولان التحلل من الإحرام لا يكون الا باحدهما.

ونتيجة لذلك؛ فإذا مرّ الشخص بالميقات وهو يريد دخول مكة ولم يحرم منه ، أو أحرم بعد أن تجاوز الميقات متعمداً، ثم دخل مكة كان آثما كما قلنا ولم يجب عليه قضاء حج أو عمرة، لعدم وجوبهما عليه.

المسألة522: الظاهر أنه لا فرق بين العمرة المفردة والحج وعمرة التمتع في الحكم المذكور ، فلا يجوز لمن قصد العمرة المفردة أن يؤخر إحرامها عن الميقات إذا مرّ به الا إذا كان معذوراً ، وإذا ترك الإحرام لها من الميقات عامدا اثم ولابد له من الرجوع إليه مع الامكان وإذا تركه متعمداً ثم تعذر عليه الرجوع إلى الميقات أحرم لها من أدنى الحلّ.

المسألة523: إذا مرّ الرجل بالميقات ونسى أن يحرم منه حتى تجاوزه ثم تذكر وجب عليه أن يعود إلى ذلك الميقات ويحرم منه مع إمكان ذلك له ، ولا يكفيه في هذه الصورة أن يحرم من ميقات آخر يمرّ به أو من موضع هو دون الميقات ، وإذا تعذر عليه ان يرجع إلى الميقات رجع إلى المقدار الذي يمكنه من طريق الميقات وأحرم من ذلك الموضع على الاحوط، وإذا تعذر عليه كل ذلك وخشى أن يفوته الحج أحرم من موضعه الذي هو فيه ، وكذلك إذا ترك الإحرام من الميقات لجهله بالميقات أو لجهله بوجوب الإحرام منه فيأتي فيه التفصيل الذي بيناه.

المسألة524: لا يجب على الشخص أن يحرم إذا مرّ بالميقات ولم يكن مريدا للنسك بحج أو عمرة ، ولا قاصدا دخول مكة أو دخول الحرم ، وان قصد الوصول إلى بعض البلاد أو المنازل القريبة من الحرم لبعض الغايات ، فإذا مر كذلك من غير إحرام ثم بدا له ان يعتمر عمرة مفردة ، وجب عليه أن يحرم من أدنى الحل ، وقد مر الرسول (ص) على الميقات وهو يقصد الطائف في غزوة حنين حتى فرغ منها ، ثم اعتمر بعدها من الجعرانه وأحرم منها وقد ذكرنا هذا في المسالة الاربعمائة والثامنة والثمانين ، والمسالة الاربعمائة والتاسعة والتسعين.

وإذا مرّ المكلف على الميقات وهو لا يريد النسك فلم يحرم حتى تجاوزه ، ثم بدا له أن يحج او يعتمر عمرة تمتع ، فالاحوط له أن يرجع إلى ميقات أهل بلده فيحرم منه وان جاز له أيضا أن يحرم من أحد المواقيت الاخرى وان لم يمكن له ذلك رجع بمقدار ما يمكن له الرجوع اليه من طريق الميقات على الاحوط فاحرم منه وإذا تعذر عليه جميع ذلك احرم من موضعه .

المسألة525: تقدم في المسالة الاربعمائة والثامنة حكم النائي البعيد من أهل الامصار إذا أقام بمكة للمجاورة فيها وأراد أن يأتي بعمرة التمتع فيلزمه الخروج منها إلى أحد المواقيت الخمسة ، والأحوط له أن يختار الخروج إلى ميقات أهل بلده ، وإذا تعذر عليه الوصول إلى الميقات جرى فيه نظير الحكم الذي قدمناه لمن ترك الإحرام من الميقات ناسيا أو جاهلا ثم تعذر عليه الرجوع إليه وقد سبق بيانه في المسالة الخمسمائة والثالثة والعشرين.

المسألة526: إذا بلغ الحاج أو المعتمر الميقات ولم يمكنه الإحرام منه لمرض أو ضعف ، أو كان الإحرام من ذلك الموضع يوجب له ضرراً شديداً أو حرجا لا يتحمل عادة، جاز له أن يؤخر إحرامه إلى ميقات آخر يمرّ به في طريقه ، وان لم يكن في طريقه ميقات آخر أخّر إحرامه إلى أدنى الحل.

وإذا زال عذره بعد تجاوز الميقات الأول فالاحوط له أن يعود إلى الميقات ويحرم منه ، وان لم يستطع ذلك رجع في طريق الميقات ما أمكنه الرجوع وأحرم من ذلك الموضع فإن لم يمكن احرم من موضعه الذي مر فيه ، وتراجع المسالة الاربعمائة والثانية والسبعون ، وكذلك الحكم في من يريد دخول مكة إذا جرى له مثل ذلك.

المسألة527: إذا أغمي على المكلف في الميقات أو جنّ فلم يحرم منه حتى تجاوزه ثم أفاق وجب عليه أن يعود إلى الميقات ويحرم منه ، وإذا تعذر عليه الرجوع إلى الميقات جرى فيه الحكم السابق في نظائره ، فيرجع في طريق الميقات ما استطاع ويحرم في الموضع الذي يستطيع الوصول إليه ، وان لم يمكن أحرم من موضعه.

المسألة528: إذا أحرم الشخص من الميقات ثم رجع إلى ما قبل الميقات لبعض الغايات التي دعته إلى ذلك لم يبطل إحرامه ، ومثال ذلك : أن يصل إلى مسجد الشجرة فيحرم منه ، ثم يبدو له بعد الإحرام أن يرجع إلى المدينة ، فلا يبطل احرامه ، ولا يجب عليه تجديد الإحرام إذا عاد إلى مسجد الشجرة أو إلى موضع يحاذيه ، وإذا عدل عن ذلك الطريق إلى غيره ومرّ بميقات آخر غير ميقاته الأولى ، ففي وجوب تجديد الإحرام منه تأمل ، ولكن في تجديد الإحرام في هذه الصورة احتياطا لا يترك.

المسألة529: إذا قصد المسافرون في الطائرة الوصول إلى جدة ومن بعدها إلى المدينة لزيارة الرسول (ص) قبل الحج ، فلا يجب عليهم الإحرام وان مروا وهم في الجوّ على بعض المواقيت وحاذوه محاذاة عرفية ، فإذا وصلوا إلى المدينة وارتحلوا بعد الزيارة إلى مكة ، وجب عليهم الإحرام من الميقات الذي يمرون به في طريقهم .

وإذا سافروا إلى جده في الطائرة وكان من قصدهم الوصول الى مكة، بحيث كانت جدة مرحلة من مراحل سفرهم إليها، وجب عليهم الإحرام من موضع يحاذون فيه الميقات من الجوّ محاذاة عرفية إذا أمكن لهم ذلك ، ويجوز لهم أن ينذروا الإحرام من موضع معين قبل الميقات فيحرموا من ذلك الموضع .

وإذا وصل المسافر منهم أو من غيرهم ولم يمرّ في طريقه بالميقات ولم يحاذه محاذاة عرفيه ولم يحرم قبلها بالنذر وجب عليه أن يتوجه إلى أحد المواقيت الخمسة ويحرم منه ، او يحرم قبل الميقات وقبل محاذاته بالنذر ، فينذر الإحرام من رابغ مثلاً ، فانه يقع قبل الجحفة الاتي من طريق المدينة ، وإذا تعذر عليه ذلك أحرم من جدة بالنذر ثم جدد نيته وتلبيته في أدنى الحل .

المسألة530: يجب على المكلف تحصيل العلم بالوصول إلى الميقات الذي يحرم منه ، فلا يصح له الاحرام مع الشك في وصوله إلى الميقات ، ويكفيه في صحة الإحرام أن تشهد به البينة العادلة ، وإذا لم يحصل له ذلك كفاه الاطمئنان الكامل الذي يحصل من إخبار العارفين بالموضع ، وإذا لم يحصل له الاطمئنان أمكن أن يحرم من ذلك الموضع بالنذر.

المسألة531: يكفى في جواز دخول المكلف إلى مكة والى الحرم أن يكون محرما بإحرام صحيح ، سواء كان إحرامه بحج تمتع أم بحج قران أم إفراد ، أم بعمرة تمتع أم بعمرة مفردة ، وسواء كان النسك الذي أحرم به واجبا عليه باستطاعة أم بنذر وشبهه ، أم بإجارة أم بإفساد ، أم كان متبرعا به عن غيره أم مندوبا، أم أتى به على سبيل الاحتياط اللازم أو غير اللازم ، فإذا أحرم بالنسك على أحد هذه الفروض جاز له دخول الحرم ودخول مكة ودخول الكعبة المعظمة .

المسألة532: إذا وصل النائي من أهل الأمصار البعيدة إلى الميقات قبل ان يهل هلال شوال، لم يصح له أن يحرم بعمرة التمتع ، وقد بيّنا من قبل ان الإحرام بعمرة التمتع لا يجوز قبل أن تدخل أشهر الحج ، فإذا احتاج إلى دخول مكة تعيّن عليه أن يحرم بعمرة مفردة لنفسه أو عن غيره فإذا دخل مكة وأتم عمرته وعزم من بعدها على حج التمتع وجب عليه أن يعود إلى الميقات بعد دخول اشهر الحج ليحرم منه بعمرة التمتع.

المسألة533: إذا وصل النائي الذي وظيفته التمتع إلى الميقات في شهر شوال أو في غيره من أشهر الحج وكان وقته متسعا ، جاز له أن يحرم من الميقات بعمرة مفردة لنفسه أو عن غيره ، فإذا دخل مكة واتم عمرته رجع بعدها إلى الميقات وأحرم منه بعمرة التمتع ، ويجوز له أن يكرّر العمرة المفردة بعدها من أدنى الحل أو من الميقات إذا كان وقته يتسع لذلك ولا يضيق عن عمرة التمتع الواجبة عليه.

وبذلك يمكن للمقاولين أن يترددوا من المدينة إلى مكة لاستئجار المنازل وتهيئة المواضع والمعدات لحجاجهم في مكة ثم يعودوا الى المدينة ويحرموا من الميقات مع الحجاج بعمرة التمتع.

المسألة534: يجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج أن يكون إحرامه بحج التمتع من مكة، وقد فصّلنا هذا في المسالة ألاربعمائة والرابعة والثلاثين ، وأشرنا إليه في المسالة الاربعمائة والثالثة والثمانين ، ولا يكفي المتمتع أن يحرم بحجه من غير مكة في حال الاختيار ، فإذا هو أحرم من غير مكة متعمداً وهو يعلم بالحكم ، لم يصحّ، ولا يصح إحرامه أن يدخل مكة بعده وهو محرم قبل خروجه إلى عرفات ، بل يجب عليه تجديد الإحرام فيها مع الإمكان ، وإذا لم يجدّده وحج بإحرامه الأول بطل حجه.

وإذا تعذر عليه أن يحرم من مكة لبعض الطوارئ التي أوجبت له عدم القدرة ، كما إذا خرج من مكة مضطراً ولم يستطع الرجوع حتى ضاق عليه الوقت ، فان هو رجع إلى مكة ليحرم منها لم يدرك الركن الاختياري لموقف عرفات ، وكما إذا لم يجد الوسيلة للرجوع إلى مكة ، أو كان مريضا أو سجينا لا يمكنه الوصول إليها، فيكفيه في هذه الصورة أن يحرم من الموضع الذي يمكنه الإحرام فيه ، ويجب عليه أن يختار الموضع الاقرب فالأقرب إلى مكة مع امكان ذلك له ، فإذا احرم منه صح إحرامه وحجه ، وإذا لم يحرم كذلك لم يصح.

المسألة535: إذا نسى المتمتع فلم يحرم بحج التمتع لا من مكة ولا من غيرها وخرج إلى المشاعر محلاً ثم تذكر بعد خروجه ، وجب عليه أن يعود إلى مكة ويحرم منها وان وصل إلى عرفات، وهذا إذا أمكن له أن يرجع منها إلى مكة ويحرم فيها ثم يعود إلى عرفات ويدرك الوقوف فيها قبل غروب الشمس من اليوم التاسع ، فان لم يمكن له ذلك لضيق الوقت، أو لعدم الوسيلة ، أو لفقد القدرة أحرم في عرفات نفسها ، ولا يترك الاحتياط بان يقول مع إحرامه (اللهم على كتابك وسنة نبيك ) ، كما ورد في صحيح على بن جعفر عن أخيه موسى (ع) ، فإذا فعل كذلك صح إحرامه وحجه ، وإذا ترك الإحرام بعدما تذكر بطل حجه .

وكذلك حكمه إذا نسي وجوب الإحرام من مكة فاحرم من غيرها ثم تذكر بعد الإحرام، فيجب عليه الرجوح والإحرام من مكة وان كان في عرفات مع القدرة عليه على الوجه الذي تقدم بيانه ، وإذا لم يمكن له ذلك احرم من موضع تذكره فيصح بذلك حجه ، وإذا ترك الإحرام بعدما تذكر كان حجه باطلاً، وإذا اتفق لهذا المكلف في حال نسيانه وإحرامه من غير مكة انه كان غير قادر على الوصول إلى مكة لبعض الاعذار صح إحرامه من غير مكة ، ولم يفتقر إلى تجديد بعد تذكره .

المسألة536: إذا جهل المتمتع وجوب الإحرام عليه فلم يحرم بحج التمتع وخرج من مكة إلى المشاعر وهو محل ، ثم علم بوجوب الإحرام وجب عليه العود إلى مكة والإحرام فيها مع الإمكان وان بلغ إلى عرفات كما قلنا في صورة النسيان، فان لم يمكن له العود إلى مكة أو خشي فوت الوقوف إذا هو عاد إلى مكة أحرم من موضعه ، ونظيره في الحكم ما إذا جهل وجوب الإحرام من مكة فاحرم من سواها ، فيجري فيه التفصيل الذي بينّاه وتنطبق الأحكام التي ذكرناها.

المسألة537: إذا نسي المتمتع فلم يحرم بحج التمتع وخرج من مكة إلى المشاعر وهو محل ، ولم يتذكر إلا في المشعر الحرام صح وقوفه بعرفات وجرى فيه الحكم الذي سبق بيانه ، فإذا استطاع العود إلى مكة والإحرام فيها ، بحيث لا يفوته الوقوف في المشعر الحرام بعد الإحرام من مكة وجب عليه أن يفعل ذلك ويدرك الوقوف، وان تعذر عليه الرجوع احرم في موضعه وأتم أعماله وكذلك إذا نسى وجوب الإحرام في مكة فاحرم من غيرها أو جهل وجوب الإحرام فلم يحرم أو أحرم بحجه من غير مكة ، فيجري فيه التفصيل الذي مر بيانه وبتطبيق الأحكام الآنف ذكرها يصح عمله.

ونظيره في الحكم ما إذا طرأ للمكلف بعض الفروض المذكورة من النسيان أو الجهل فلم يحرم أو أحرم من غير مكة ، ولم يتذكر إلا بعد الافاضة من المشعر الحرام قبل الاتيان بأعمال منى في يوم النحر أو في أثنائها ، فإذا تذكر فعليه الرجوع والإحرام من مكة مع التمكن، والإحرام من موضعه مع التعذر ويتم عمله ، وتصح أعماله التي أتى بها وهو محل قبل أن يتذكر في جميع الصور الآنف ذكرها ، وتصح أعماله التي ياتي بها بعد التذكر إذا أحرم لها من مكة أو في موضعه مع التعذر ، ولا تصح إذا ترك الإحرام عامداً بعد تذكره.

المسألة538: إذا نسى المتمتع أن يحرم لحج التمتع أو جهل الحكم بوجوبه فلم يحرم ، ولم يتذكر حتى أتم جميع أعمال الحج فالظاهر صحة حجه ، من غير فرق بين أن يكون الحج واجبا عليه أو مندوبا ، ومن غير فرق بين أقسام الحج الواجب تمتعا ، ويشكل شمول الحكم المذكور لحج القران أو الأفراد ، بل ولعمرة التمتع أيضا ، فلا يترك الاحتياط فيها كافة ، وأشد منها اشكالاً القول بشمول الحكم للعمرة المفردة الواجبة أو المندوبة .

المسألة539: إذا بطلت عمرة التمتع لبعض الجهات التي أوجبت فسادها شرعا وجب على المكلف أن يستأنفها مع القدرة على ذلك في عامه ، وإذا لم يعدها في ذلك العام لضيق الوقت أو لسبب مانع آخر لم يصح حجه تمتعا ، ولم يجز له أن يحج في ذلك العام قارنا أو مفردا ، ولزمه إعادة عمرة التمتع وحجه في العام المقبل.

المسألة540: إذا أحرم الإنسان بحج واجب أو ندوب ، أو بعمرة واجبة أو مندوبة ، لنفسه أو عن غيره ، فلا يجوز له أن يحرم بحج آخر أو بعمرة أخرى حتى يحل من إحرامه السابق، والاحوط لزوما أن يكون تحلله منه تحللاً كاملا، فإذا كان نسكه الأول الذي أحرم به حجا أو عمرة مفردة فلا يحرم بالنسك الثاني حتى يأتي بطواف النساء ، ولا فرق بين أن يكون النسك الثاني واجباً أو مندوبا، لنفسه أو عن غيره ، وحتى إذا أتى بالنسك الأول أو الثاني أو بكليهما احتياطاً لازما أو غير لازم .

المسألة541: لايجوز لمن أحرم بعمرة التمتع أن يحرم بعمرة مفردة قبل أن يحل من عمرته الاولى ، فانه من ادخال نسك على نسك ، وقد تقدم المنع منه في المسالة السابقة ، ولا يجوز لمن أحرم بحج التمتع أن يحرم ايضا بعمرة مفردة قبل أن يتم أعمال حجه ويتحلل من إحرامه حتى بطواف النساء على الاحوط فيه كما ذكرنا، وكذلك إذا أتم المكلف عمرة التمتع واحل من إحرامها فالأحوط له لزوما أن لا يفصل ما بينها وبين حج التمتع بعمرة مفردة يأتي بها بينهما ، بل لا يخلو ذلك من قوة، وان اتفق للمكلف أنه خرج من مكة بعد إحلاله من عمرة التمتع جاهلا بحرمة خروجه ، أو خرج لضرورة لابد له منها ثم عاد إلى مكة قبل أن ينقضي شهر متعته، وأما إذا انقضى شهر المتعة قبل أن يعود فقد سبق أنه يجب عليه الإحرام بعمرة تمتع ثانية ، وتلاحظ المسالة الأربعمائة والأربعون .

الفصل الثانـي عشر

في مقدمات الإحرام وآدابه

المسألة542: يستحب لمن عزم  على الحج في عامه أن  يترك شعر رأسه ولحيته، فلا يأخذ منه شيئاً بحلقٍ ولا بتقصيرٍ ولا بغيرهما، من أول شهر ذي القعدة، وإن كان إحرامه بالحج يقع في شهر ذي الحجة،منغير فرقٍ بين أنيكونالحج الذي قصد الإتيان به تمتعاً أو قِراناً أو إفراداً، وواجباً مندوباً، لنفسه أو لغيره، ولا يجب ذلك عليه على الأقوى ما لم يُحرم بالفعل، ولا تلزمه الكفارة إذا خالف ذلك فحلق رأسه في ذي القعدة او بعده قبل أن يحرم، فلا يجب عليه أن يهريق دماً –كما يراه بعض العلماء-.

ويستحب لمن أراد العمرة أن يترك شعره ثلاثين يوماً، فلا يأخذ من شعر رأسه ولا من لحيته شيئاً في هذه المدة حتى يُحرم، سواء كانت عمرته في أشهر الحج أم في غيرها من الشهور، وسواء كانت واجبة أم مندوبة، وسواء كانت عمرة تمتع أم عمرة مفردة.

المسألة543: إذا عزم المكلف عل حج التمتع استحب له أن يوفر شعر رأسه ولحيته من أول شهر ذي القعدة -كما قلنا-، ويكفيه ذلك لعمرة التمتع ولحج التمتع، ولا ينافي هذا الحكم أن يجب عليه التقصير بعد أن يتم العمرة ليحلّ منها، فيبقى استحباب ترك الباقي من شعره حتى يتم حجه ويحلق أو يقصّر في يوم النحر، بل الأحوط –لزوماً- أن يترك الشعر في هذه الصورة حتى يتم حجه، اعتماداً على صحيحة جميل بن دراج الواردة في من حلق رأسه في مكة بعد عمرة التمتع في المدة التي أمر بتوفير الشعر فيها.

وإذاأحرم بعمرة التمتع في شهر شوال حرم عليه أن يأخذ من شعره ما دام محرما، فإذا أتم أعمال عمرته وأحلّ منها جاز له حلق رأسه والأخذ من شعره قبل أن يحرم بالحج ، فإذا هلّ عليه هلال ذي القعدة استحب له ترك شعره وتوفيره حتى يحج ، ولزمته مراعاة الاحتياط الذي ذكرناه.

المسألة544: ذكرنا انه يستحب لمن يريد العمرة أن يترك شعره لها ثلاثين يوماً ، وأن هذا الحكم يعم عمرة التمتع ، وظاهر النصوص أن المستحب إعفاء الشعر ثلاثين يوماً قبل إحرام العمرة ، ونتيجة لهذا فإذا أراد المكلف عمرة التمتع في أول شهر ذي القعدة استحب له أن يعفي شعره للعمرة من أول شهر شوال، فإذا تمتع بالعمرة في هلال ذي القعدة وأحلّ من عمرته بالتقصير استحب له إعفاء شعره بعدها حتى يحج ، ويلزمه الاحتياط المتقدم .

المسألة545: يستحب للمكلف قبل أن يحرم بالحج أو بالعمرة أن يقلّم أظافر يديه ورجليه، وأن يأخذ من شاربه، وأن يزيل شعر إبطيه بالطلي وهو الأفضل، أو بالحلق وهو أقل من الطلي فضلاً ، أو بالنتف وهو أدناها، وأن يزيل شعر عانته، ولا يبعد أن تكون إزالته بالاّطلاء أفضل،لأنه طهور -كما في الروايات- ثم بالحلق،ولكن هذا الترتيب بينهما في إزالة شعر العانة لا يختص بالإحرام، وينبغي له تنظيف الجسدمن الأوساخ ، وإن لم يرد به دليل في الإحرام ، ويستحب له أن يستاك ، ويجوز له أن يبدأ من المستحبات المذكورة بما شاء، فلا ترتيب ما بينها.

المسألة546 : إذا كان الشخص قد أطلى قبل وقت الإحرام ، فإن كان اطّلاؤه السابق لا بقصد التهيؤ للإحرام استحب له أن يعيد الإطّلاء للإحرام وإن مضى عليه يومان أو ثلاثة أو نحوها ، وإن كان قد اطّلى بقصد التهيؤ للإحرام كفاه اطّلاؤه السابق ولم يحتج إلى الإعادة إلا إذا مضى عليه خمسة عشر يوما أو نحوها ، بحيث لا يعدّ اطلاؤه المتقدم تهيّؤاً للإحرام، فتستحب إعادته.

المسألة547: يستحب له استحباباً مؤكداً أن يغتسل غسل الإحرام ، وموضع الغسل هو الميقات الذي يحرم منه إذا وجد فيه الماء ، فإذا خاف عدم الماء فيه، أو إعوازه لكثرة المحرمين مثلاً ، أو عدم تمكنه من الغسل فيه -لبعض الأعذار-، قدّم الغسل على الميقات ، وإذا خشي إعواز الماء في الميقات أو عدم تمكّنه من الغسل فيه ، فقدّم الغسل قبله ثم وجد الماء عند وصوله إليه وأمكنه الغسل فيه استحبت له الإعادة.

المسألة548 : يجوز للإنسان أن يغتسل غسل الإحرام قبل الميقات في حال الاختيار وان لـم يخش إعواز الماء في الميقات أو عدم إمكان الغسل فيه ، فيصحّ له أن يغتسل في المدينة –مثلاً- قبل أن يخرج إلى الميقات في ذي الحليفة وإن أمكنه الغسل فيه ، والأفضل له في هذه الصورة أن يلبس ثوبي الإحرام بعد غسله في المدينة وأن لا يتناول ما يحرم أكله على المحرم حتى يأتي الميقات ويعقد إحرامه منه ، وإذا لبس المخيط أو أكل ما يحرم على المحرم أو تطيب قبل الميقات وعقد الإحرام، فالأفضل له إعادة الغسل ، ولا يتعيّن عليه ذلك ، وكذلك إذا فعل شيئا من المحرّمات الأخرى للإحرام على الأحوط.

ومثله ما إذا خاف إعواز الماء في الميقات ، أو عدم تمكنه من الغسل فيه فقدّم الغسل عليه، فالأولى له أن يلبس ثياب الإحرام ويجتنب محرماته حتى يأتي الميقات ويعقد الإحرام ، فإذا فعل شيئاً من ذلك أعاد الغسل استحباباً كما تقدم سواء بسواء.

المسألة549 : لا يختلف غسل الإحرام عن باقي الإغسال الشرعية في الكيفية، ولا في الأحكام التي تعمّها، فيصح أن يأتي به المكلف مرتباً بين أعضائه كما يرتب في غسل الجنابة وغيره ، ويصح أن يأتي به ارتماساً على التفاصيل التي ذكرناها في مباحث الغسل من كتاب الطهارة .

وهو كباقي الأغسال المندوبة والواجبة يغني عن الوضوء للصلاة وغيرها من الأعمال المشروطة بالوضوء ، وان كان الأحوط للمكلف أن يأتي معه بالوضوء احتياطاً لا ينبغي تركه ، كما قلنا في المسألة الثمانمائة والعاشرة من كتاب الطهارة وفي مسائل أخرى، والأفضل أن يأتي بالوضوء قبل الغسل .

المسألة550: إذا اغتسل الإنسان غسل الإحرام في الميقات أو قبله ثم نام قبل أن يحرم لـم يكفه ذلك الغسل ، واستحبت لـه الإعادة ، وكذلك إذا احدث أحد الأحداث الأخرى -على الأقوى -فعليه إعادة الغسل استحباباً.

المسألة551: إذا كان الشخص مُجنبا أو كان عليه أحد الأحداث الأخرى الموجبة للغسل ، وأراد الغسل للإحرام كفاه غسل واحد لحدثه وإحرامه ، فيصحّ له أن ينوي الجميع بهذا الغسل، ويصحّ له أن يقصد امتثال الأمرين المتوجهين إليه بالغسل ، ويصحّ له أن ينوي أحد الغسلين على التعيين ، فيصح منه ذلك الغسل ويكفي عن الجميع ، وتراجع المسألة الخمسمائة والثالثة من كتاب الطهارة ، وإذا أراد الإحرام ، وكان في يوم الجمعة ، وأراد في يومه دخول الحرم ، ودخول مكة ، ودخول المسجد الحرام ، كفاه ان ينوي الجميع بغسل واحد .

المسألة552: إذا اغتسلالإنسان في أول النهار كفاه ذلك في أداء وظيفة الإحرام في ذلك اليوم، وان لم يحرم إلا في آخر النّهار ، وإذا اغتسل في أول الليل كفاه للإحرام في تلك الليلة، وإن لم يحرم إلا في آخرها ، بل يكفيه غسل النهار وان لم يحرم إلا في آخر ليلته المقبلة، ويكفيه غسل الليل وان لم يحرم إلا في آخر نهاره المقبل، وهذا كله إذا هو لم ينقض غسله بنومٍ أو حدثٍ بعده حتى أحرم -كما قلنا في المسألة الخمسمائة والخمسين-.

المسألة553 : إذا لم يقدر الشخص أن يغتسل غسل الإحرام ، ووجد له بعض مسوّغات التيمّم التي ذكرناها في مباحث التيمّم ، وتوفّرت شرائط صحته جاز له التيمم بدلاً عنه ، وكفاه ذلك لإحرامه ، وتراجع المسألة التسعمائة والثامنة وما بعدها من كتاب الطهارة.

المسألة554: إذا اغتسل الرجل غسل الإحرام ثم مسح رأسه بمنديل ونحوه قبل عقد الإحرام فلا شيء عليه ولا يعيد الغسل ، وإذا اغتسل ثم قلّم أظفاره بعد الغسل استحب له أن يمسحها بالماء ولا إعادة عليه .

المسألة555: الذي يستفاد من ملاحظة مجموع الأدلة الواردة في غسل الإحرام أن هذا الغسل من المستحبات المؤكدة ، تأكيداً شديداً -كما أشرنا إليه في المسالة الخمسمائة والسابعة والأربعين- ، وليس شرطاً في صحة الإحرام ولا واجباً فيه، ولذلك فإذا أحرم المكلف بغير غسل كان إحرامه صحيحاً ، ولكنه ناقص الفضيلة ، فاقد المزية والخصوصية لعدم الغسل، وقد ورد في صحيح الحسن بن سعيد قال: كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن (ع): رجل احرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالماً، ما عليه في ذلك؟، وكيف ينبغي أن يصنع ؟، فكتب (ع) (يعيده).

والظاهر من ضم هذا الدليل إلى مجموع الأدلة السابقة أنه يستحب لهذا الرجل أن يغتسل ويعيد إحرامه مع الغسل ليستدرك بإحرامه الثاني ما فقده إحرامه الأول من الخصوصية ، وأن هذه الخصوصية المذكورة مطلوبة في الإحرام على نحو تعدد المطلوب وقابلة للإستدراك ، ومن أجل ذلك أمره الإمام (ع) بالإحرام الثاني ، فالإحرام الثاني متمّم للنقص الذي دخل على الإحرام الأول، ومحقق للمرتبة الكاملة التي كان فاقداً لها، وليس إحراماً مستقلاً في قبال الأول ، وكذلك الحكم إذا أحرم بغير صلاة كما ورد في الصحيح ، فيستحب له أن يصلي صلاة الإحرام ثم يعيد إحرامه بعد الصلاة على النهج المتقدم في الغسل.

ويتفرععلى صحة إحرامه السابق وجوب الكفارة عليه إذا ارتكب ما يوجب الكفارة بين الإحرامين، ويشكل جريان الحكم باستحباب الإعادة فيما إذا نسي فأحرم بغير غسل أو أحرم بغير صلاة.

المسألة556: يستحب للرجل أن يقول في أثناء غسله أو بعد أن يتم غسله: (بسم الله وبالله اللّهم اجعله لي نوراً وطهوراً وحرزاً وأمناً من كل خوف، وشِفاءاً من كلّ داءٍ وسقم ، اللّهم طهّرني وطهّر قلبي ، واشرح لي صدري وأَجِر على لساني محبّتك ومدحتك والثناء عليك، فإنه لا قوة إلا بك ، وقد علمتُ أن قوامَ ديني التسليمُ لأمرك والإتّباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله) .

المسألة557: يجوز للإنسان أن ينشىء إحرامه بالحج أو باالعمرة في أي وقت يشاء من الليل والنهار، والأفضل له أن يكون عند الزوال، ففي صحيح معاوية بن عمّار والحلبي عن أبي عبد الله (ع): (لا يضرّك بليل أحرمت أو نهار ، إلا أن أفضل ذلك عند زوال الشمس) وبمضمونه روايات عديدة أخرى.

ويستحب -استحباباً مؤكداً- أن يكون الإحرام بعد أداء صلاة فريضة حاضرة، ولذلك فالأفضل -في غير حج التمتع- أن يكون إحرامه بعد أداء صلاة الظهر في أول وقتها وهو الزوال، فيدرك الفضيلتين، ويتحقق له ذلك أيضا إذا صلى الظهر والعصر معاً بعد الزوال ثم أحرم بعدهما، وسيأتي بيان حكم الإحرام لحج التمتع في موضعه -إن شاء الله تعالى-.

ودون ذلك في الفضل أن يحرم بعد صلاة فريضة حاضرة أخرى، فإن لم يتفق إحرامه في وقت فريضة استحب له أن يصلي قبل إحرامه ست ركعات ثم يحرم بعدها، ودونها في الفضل أن يصلي أربع ركعات ، وأقلّها أن يصلي ركعتين ويحرم بعدها.

المسألة558: يجوز للمكلف أن يصلي نافلة الإحرام في أي وقت يشاء ويحرم بعدها، ولا تكره في الأوقات التي تكره فيها النوافل المبتدأة، ولا يمنع منها حتى في وقت الفريضة إذا حضرت، وقد دلّت النصوص على أن صلاة الإحرام إحدى الصلوات التي تصلّى في كل وقت، ولا تترك على حال.

المسألة559 : يستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى من نافلة الإحرام الحمد وسورة التوحيد، ويقرأ في الركعة الثانية منها الحمد وسورة الجحد وهي (قل: يا أيها الكافرون). بل ينبغي أن يقرأ كذلك في كل ركعتين من نافلة الإحرام إذا صلاّها ست ركعات، أو صلاّها أربعاً، ولا يشمل هذا الاستحباب الفريضة الحاضرة إذا صلاّها وهو يريد الإحرام بعدها.

المسألة560: الأحوط لزوماً أن لا يختضب الرجل أو المرأة بالحناء وهما يريدان الإحرام بعد ذلك، إذا كان لون الحناء يبقى إلى حال الإحرام وكان مما يعدّ زينة في الكفّ أو في الشعر، سواء قصدا به التزيّن أم لا، وكذلك الخضاب بغير الحناء إذا كان مما يبقى أثره ويعدّ زينة، بل لا يبعد القول بوجوب إزالة الأثر بعد الإحرام إذا أمكن ذلك.

المسألة561 : قد تستعمل الحنّاء علاجا لتشقق الأصابع والكفين والقدمين ونحو ذلك، فإذا اضطر الرجل أو المرأة إلى ذلك جاز له أن يستعملها قبل الإحرام وإن بقي اللون إلى حال الإحرام ، وإذا لم يبلغ درجة الضرورة كره استعمالها للمرأة قبل الإحرام إذا كان الأثر مما يبقى، وأشكل القول بالكراهة للرجل فإن النصّ إنما ورد في المرأة ، وهذا إذا كان الأثر الباقي لا يعدّ زينة، وإلاّ جرى فيه الاحتياط ا لمتقدم.

وإذا اختضب وهو لا يريد الإحرام، ثم أراد الإحرام بعد ذلك لم يحرم ولم يُكره ، وإذا كان الأثر الباقي بعد الإحرام مما يعـد زينة أزاله مع الإمكان، وان لم يمكن ذلك فلا شيء عليه.

الفصل الثالث عشر

في الإحرام وواجباته وآدابه

المسألة562: إذا أراد الإنسان الإتيان بنسك حج أو عمرة ، واجب عليه أو مندوب، لنفسه أو بالنيابة عن غيره، وجب عليه –عند وصوله إلى الميقات- أن يعزم في نفسه على اجتناب جملة من المنهيّات المخصوصة منذ ذلك الوقت إلى أن يتمّ أعمال نسكه الذي أراد القيام به، وهو -بهذا العزم المستقر في نفسه- ينشئ لنفسه صفة الإحرام الذي يجب عليه في تأدية النسك، فالصفة التي تحصل للإنسان من عزمه المتقدم ذكره، ومن التزامه النفساني بترك المنهيات هي الإحرام، والمنهيات الخاصة التي يلتزم باجتنابها في تلك المدة هي محرمات الإحرام، وسيأتي بيانها - إن شاء الله -.

ويتضح مما بيّناه أن الإحرام صفة اختيارية للإنسان لا يمكن أن تحصل له إلا بالقصد، ولا بدّ فيها من النية، لأنها مسببة من الالتزام النفساني المذكور ، إذا حصلت للإنسان صفة الإحرام، وتم له إنشاؤها بعزمه على ترك المحرمات والتزامه بذلك، حكم الشارع بثبوتها وبقائها، فلا ينتقض إحرامه ولا يتحلّل منه إلاّ بمحلّل شرعي عند إتمام النسك وإنهاء أعماله، ولا يبطل الإحرام أن يرتكب المحرم بعض المحرمات أو يرتكب جميعها بعد عزمه السابق والتزامه به ، بل تجب عليه كفّاراتها، وسيأتي بيانها.

المسألة563: الإحرام من الأمور القصدية -كما أوضحناه- ولذلك فلا بدّ فيه من النية منذ ابتدائه ، وسيأتي لـها مزيد بيان وإيضاح -إن شاء الله- . وأما التلبية ولبس ثوبي الإحرام فهما واجبان في الإحرام ، ولكنهما ليسا دخيلين في مفهومه ، وسنذكر أن التلبية شرط في تحريم المحرمات على الناسك ، فلا يحرم عليه شيء منها قبل أن يلبّي.

المسألة564 : يكفي في تحقق نية الإحرام من المكلف أن يعزم على اجتناب محرّمات الإحرام على وجه الإجمال وإن لم يحط بها علماً حين إحرامه على التفصيل ، فيجزيه أن يقصد ترك كل شيء حرّمه الله عليه ما دام ناسكا، ثم يجتنب عن أي شيء ذكره الفقيه الذي يقلدّه في رسالته ، أو أي شيء يذكره المرشد الثقة في تعليمه.

ويجب في نية الإحرام أن يعيّن النسك الذي يُحرم له، أحجاً هو أم عمرة ، وحج إسلام أم حج نذر أم حجا مندوباً، وحج تمتع أم قِران أم إفراد، وعمرة تمتع أم عمرة مفردة ، وأن النسك الذي يأتي به لنفسه أو بالنيابة عن غيره ، فلا يصح الإحرام لنسكٍ مردّد غير معيّن، ولا يصح الإحرام لنسك سيختار تعيينه فيما بعدُ من حج أو عمرة، ولا يصح الإحرام لحج أو لعمرة غير معيّنة حين الإحرام ثم يعيّنها بعد أن يتمّ العمل، ومن ذلك يتبين أن نية الإحرام بذاتها هي نية الحج أو العمرة التي يريد الإحرام لها ، فهي نية لهما معاً، وتلاحظ المسألة الخمسمائة والتاسعة والستون الاتية.

المسألة565: إنما يعتبر في نية الإحرام قصد الوجوب أو الندب إذا توقف على ذلك تعيين النسك الذي يُحرم له المكلف -كما في الأمثلة التي ذكرناها في المسالة السابقة-، ولا يجب قصد الوجوب أو الندب إذا كان العمل متعيّناً لا يتوقف على ذلك، كما في سائر العبادات التي يكون فيها العمل المنويّ متعيّناً، فلا تجب فيها نية الوجه من الوجوب أو الندب، ولا يجب في نية الإحرام إخطار صورة العمل في الذهن إذا كان متعيّنا، ويكفي الداعي في قصد التقرب به ، ولكنّ ذكر هذه الأمور أحوط وأولى.

المسألة566 : يعتبر -في نية الإحرام- أن يقصد المحرم التقرّب بإحرامه وبنسكه الذي يحرم به إلى الله –سبحانه-، وان يُخلص لله في نيته، فلا رياء ولا سمعة ، كما يعتبر ذلك في سائر العبادات، وقد فصّلنا ذلك وذكرنا فروعه وأحكامه في مباحث النية من كتاب الصلاة وكتاب الطهارة وكتاب الصوم وغيرها، فإذا لم يتقرّب العبد بإحرامه أو بعمله الذي يحرم به إلى الله، أو لم يُخلص له في نيته كان إحرامه باطلاً.

المسألة567: الإحرام - كما قلنا أكثر من مرة -من الأمور التي لا يتحقق وجودها إلا بالقصد، فإذا لم تحصل النية من المكلف لم يتحقق الإحرام منه ، ووجب عليه تجديده، سواء أخلّ بالنية عامداً أم جاهلاً أم ناسياً، وقد تقدمت أحكام من ترك الإحرام من الميقات متعمّداً أو جاهلاً أو ناسياً في فصل أحكام المواقيت فليرجح إليها ، ولا فرق في حصول الخلل بالإحرام بذلك بين أن لا ينوي المكلف ترك المحرمات من أول الأمر عامداً أو ساهياً -كما ذكرنا- وبين أن يقصد من أول أمره أن يرتكب بعض المحرّمات أو جميعها من غير عذر.

المسألة568: إذا عزم الإنسان في نفسه عزماً مستقراً على ترك محرمات الإحرام جميعها من وقته هذا إلى أن يتم أعمال حجّه أو عمرته ، والتزم في نفسه باجتنابها التزاماً نفسانياً حصلت له صفة الإحرام -كما قلنا في أول هذا الفصل-، وتمّ له بهذا العزم المستقر والالتزام القلبي إنشاء الإحرام، ثم لا ينتقض إحرامه ولا يبطل إذا خالف عزمه الأول فارتكب بعض ما حرّم الله عليه، أو ارتكب جميعها ، وإنما تجب عليه الكفارات بسبب مخالفته ، ولا منافاة بين الأمرين المذكورين.

فإن عزمه المستقر في نفسه على ترك المحرمات في جميع المدة المذكورة سبب تام لحدوث صفة الإحرام له، وقد تمّ السبب -كما فرضنا- وحصل الإنشاء وتحقق له الإحرام، ولا ينافي ذلك أن يتبدّل عزمه السابق بعد الإحرام بعزم آخر ، فيرتكب المحرّم، فإن وجود العزم الأول سبب في حدوث الإحرام وليس بقاء العزم شرطاً في بقاء الإحرام ، ولذلك فلا يبطل الإحرام بذلك وتلزمه الكفارة للمخالفة.

والفارق في ذلك واضح بين الإحرام والصوم ، فإن الصوم هو إمساك الصائم عن المفطرات من أول النهار إلى دخول الليل قربة إلى الله، ومعنى ذلك أن المفطرات منافيات للصوم في حدوثه وفي بقائه، فإذا تناول الصائم أي مفّطر منها في نهاره بطل صومه وليس الإحرام كذلك.

المسألة569 : إذا تعدّد ما في ذمة الشخص من الحج أو من العمرة، وكان مختلفاً في النوع أو في الأحكام وجب عليه تعيين ما يحرم له، ومثال ذلك: أن تجب عليه حجة تمتع بسبب النذر وحجة تمتع أخرى بسبب الاستطاعة، فيجب عليه أن يعيّن -عند إحرامه- أنّ ما يأتي به هي الحجة المنذورة مثلاً، أو أنها حجة الإسلام، ومثال ذلك –أيضا-: أن تشتغل ذمته بحجة تمتع منذورة ، وحجة قران أو إفراد بالاستطاعة فيلزمه التعيين.

وإذا تعدّد ما في ذمته وكان متحداً في النوع والحكم لم يجب عليه التعيين ، ومثال ذلك: أن تجب عليه حجتان بسبب النذر وكلتاهما من حج التمتع ، أو من حج القران أو الإفراد، فلا يجب عليه أن يعين في نية الإحرام أنه يحرم للحجة المنذورة أولاً، أو للمنذورة ثانياً، فإذا احرم بعمرة التمتع لحج التمتع المنذور في المثال الأول. وأتى بالعمل تاماً برئت ذمته من إحدى الحجتين المنذورتين وبقيت الثانية، وهكذا في باقي الأمثلة.

المسألة570 : إذا نوى المكلف اجتناب جميع محرمات الإحرام ، وعقد عزمه على ذلك حتى يتم نسكه ، وأنشأ إحرامه من الميقات بذلك صح إحرامه وإن كان في ذلك الوقت معذوراً لا يستطيع ترك بعض المحرّمات ، ومثال ذلك: أن ينوي الإحرام كذلك من الميقات وهو مريض لا يقدر على ترك التظليل مثلاً، فيصح إحرامه، ويجوز له التظليل لوجود العذر وتلزمه الكفارة بسببه، ويجب عليه اجتناب باقي المحرّمات .

المسألة571 : إذا وجب على الرجل نسكٌ معيّن من حج أو عمرة، باستطاعة أو نذر مثلاً أو غيرها ، ونوى الإحرام بنسك آخر غيره، لم يكفه ما نواه عن الواجب الذي لزمه لانه لم ينوه ، وهل يصح إحرامه والاتيان بالعمل الذي قصده ؟ . فيه إشكال وتردّد.

المسألة572: إذا قصد الرجل في ضميره الإحرام بنسك معيّن لا تردّد فيه ونوى الاتيان به، ونطق بلسانه أنه يحرم بنسك آخر غيره، صح إحرامه لما قصده في نفسه ، ولغي اعتبار ما نطق به بلسانه.

المسألة573: قد تقدم أن الإحرام من الامور القصدية التي تتقوّم بالنية ولا تتحقق الا بها ، ولذلك فإذا شرع المكلف في نوع من النسك -حج أو عمرة- ثم شك في أثنائه ، هل نواه عند الإحرام أم لم ينوه ففي صحته اشكال بل منع، فإن قاعدة الصحة وقاعدة التجاوز إنما تثبتان صحة العمل إذا شك في صحته بعد إحراز أصل عنوانه ، لا في مثل ذلك مما يكون الشك في النية شكاً في أصل عنوان العمل، ولم يحرز فيه عنوانه.

المسألة574: الحج والعمرة عبادتان مستقلتان ، ولذلك فلا بدّ في كل واحدة منهما من إحرام خاصّ تنفرد به، ومن نية مستقلة تختصّ بها، حتى عمرة التمتع مع حج التمتع ، فهما نسكان متميّزان يختص كلّ واحد منهما بإحرامه ونيته وآثاره ، وان ارتبط أحدهما بالآخر ودخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة -كما في الحديث-، فلا تكفى فيهما نية واحدة تجمعهما معاً، ولا يصح ذلك ، واذا قرن المكلف بينهما في النية كذلك كان باطلاً، لأنه نوى ما لا يشرّع، فيجب عليه التجديد على حسب ما أمرت به الشريعة، من غير فرق بين أن يقع ذلك منه في اشهر الحج وغيرها .

نعم، يصح له أن ينوي الإتيان بعمرة التمتع ليأتي بعدها بحج التمتع بعد الاحلال من العمرة -كما أمره الله به-، وهذا ليس من القران بين النسكين في النية ، وانما هو نية عبادة حتى يتمّها ثم نية عبادة أخرى تترتب عليها في إحرامها وأعمالها، ولا ريب في صحة ذلك.

المسألة575: إذا أحرم الرجل لنسك معين من الحج أو العمرة ثم نسي النسك الذي عيّنه، ولم يتذكره ليأتي باعماله، فهنا صور تجب ملاحظتها لتطبيق أحكامها .

الصورة الأولى : أن يتردّد النسك الذي عيّنه ثم نسيه بين ما هو صحيح وما هو باطل، ومثال ذلك : ان يكون إحرامه بالنسك في غير أشهر الحج ، ثم ينسى ما أحرم به، فلا يدري أهو عمرة مفردة فيكون صحيحا في غير أشهر الحج، أم هو حج أو عمرة تمتع فيكون باطلاً لأنهما لا يصحان فيها.

والحكم في هذه الصورة أن يجدّد إحرامه بنية العمرة المفردة ، وذلك لان إحرامه السابق إن كان للعمرة المفردة كان إحرامه الثاني تأكيداً له لا عدولاً عنه فيصح ، وان كان لحج أو لعمرة تمتع كان باطلاً في غير أشهر الحج ولا مانع من الإحرام بعده ، فإذا جدد إحرامه للعمرة المفردة وأتمّها لم يبق في ذمته -من قبل الإحرام- شيء.

ومن أمثلة ذلك أن يكون الرجل قد دخل مكة بعمرة تمتع وأتمّها وأحلّ منها ، ثم عقد الإحرام من مكة، ونسي هل أنه أحرم بحج التمتع فيكون صحيحاً، أم أحرم بعمرة مفردة فيكون إحرامه باطلاً، لأن الإحرام بالعمرة المفردة يجب أن يكون من أدنى الحل، ولأن الإحرام بالعمرة المفردة لا يجوز -على الأحوط لزوماً- بعد عمرة التمتع وقبل الإحرام بالحج -كما تقدم في المسألة الخمسمائة والحادية والأربعين، فعليه ان يجدّد إحرامه من مكة لحج التمتع، لعين ما ذكرناه في المثال الأول.

المسألة576: الصورة الثانية : أن يكون النسك الذي قصده المكلف في إحرامه معلوم الصحة ثم ينساه على التعيين، ويكون الاحتياط في ما أحرم به ممكنا ، ومثال ذلك: أن يحرم في أشهر الحج ثم ينسى النسك الذي أحرم به، فلا يعلم أهو حج إفراد أم عمرة مفردة ، وكلاهما ممّا يصح الإحرام به في أشهر الحج، فيحكم بصحة إحرامه ويلزمه الاحتياط لإتمامه، فيخرج إلى المشاعر – أولاً - لاحتمال أنه قد أحرم بالحج، فيقف في عرفات وفي المشعر الحرام، ويرمي جمرة العقبة بمنى في يوم النحر ، ثم يعود إلى مكة في يومه،  فيأتي بالطواف والسعي وطواف النساء بنية اداء ما في ذمته من أعمال الحج أو العمرة المفردة، ثم يرجع في يومه إلى منى فيقصر فيها لما في ذمته من تقصير الحج أو العمرة ، ويتم بعدها أعمال منى في أيام التشريق.

ويجوز له أن يقدم أعمال العمرة على الحج فيطوف بالبيت أولاً، ويسعى لاحتمال أنه قد احرم بالعمرة، ولا يقصّر بعدهما، ثم يذهب إلى المشاعر فيقف في عرفات وفي المشعر ويرمي جمرة العقبة ثم يقصّر في منى لما في ذمته من تقصير للحج أو العمرة ، ثم يعود إلى مكة فيأتي بطواف الحج وسعيه ، ثم يطوف طواف النساء لما في ذمته، ويتم أعمال منى .

المسألة577: إذا أحرم الرجل في أشهر الحج ثم نسي أن النسك الذي أحرم به هو عمرة التمتع أو العمرة المفردة ، وهذا المثال مما يمكن فيه الاحتياط أيضا ، فيلزمه الطواف والسعي والتقصير لما في ذمته من إحدى العمرتين، فإذا أحل من إحرامه بالتقصير حرم عليه الخروج من مكة حتى يأتي بحج التمتع ، فإذا أحرم به وأتم أعماله ، وأتى باعمال مكة للحج أتى بطواف النساء بقصد ما في ذمته في العمرة المفردة او حج التمتع.

المسألة578: الصورة الثالثة: أن يكون النسك الذي قصده المكلف في الإحرام معلوم الصحة -كما تقدم-، وينساه ويكون الاحتياط التام فيه غير ممكن ، ومثال ذلك: أن يحرم في أشهر الحج، وينسى النسك الذي أحرم به أهو عمرة التمتع أو حج الافراد، والاحتياط في هذا الفرض غير ممكن كما ذكرنا، فان ما أحرم به إذا كان هو عمرة تمتع وجب عليه التقصير بعد الطواف والسعي فيها ليحلّ من إحرامه، ويحرم بعدها بحج التمتع، وإذا كان حج افراد حرم عليه التقصير حتى يقف الموقفين ويرمي جمرة العقبة في يوم النحر . فإذا دار الامر يين المحذورين ولم يمكن الاحتياط، وجب عليه الرجوع إلى الموافقة الاحتمالية ، ومتى صنع كذلك فأتم عمرة التمتع، وقصّر بعدها وأحرم بعدها لحج التمتع وأتم أعماله برئت ذمته من ناحية إحرامه، ولزمته الكفارة لمخالفته الإحتمالية بسبب تقصيره بعد العمرة.

المسألة579: يستحب التلفّظ بنية الإحرام ونية الحج أو العمرة التي يحرم بها، ولا يجب ذلك ، فيصحّ إحرامه ويصحّ نسكه إذا قصد العمل المعيّن في نفسه متقرباً به إلى الله وان لم يتكلّم بشيء، واستحباب النطق بالنية مما يختص به الإحرام والنسك الذي يُحرم به، دون سائر العبادات فلا يستحب التلفظ بنيّاتها، وقد ذكرنا في المسالة الثلاثمائة والثالثة والأربعين من كتاب الصلاة حكم التلفظ بنيّتها وبنية صلاة الاحتياط على الخصوص.

المسألة580: ليس لنية الإحرام او النسك لفظ مخصوص، فإذا أراد المكلف المستطيع أن يُحرم من الميقات وكان فرضه عمرة التمتع، كفاه أن يقول بعد لبس ثوبي الإحرام: (أحرم بعمرة التمتع لحج الاسلام حج التمتع قربة إلى الله تعالى)، فإذا قال ذلك ، فقد أنشأ الاحرام بقصد ترك محرماته، ونوى النسك المفروض عليه في الإسلام، وقد ذكرنا أنه يجزيه -عند النية- ان يكون عارفاً بالمحرّمات على سبيل الاجمال، فيعزم في نفسه عزما مسنقراً على اجتنابها، وان يكون عالما باعمال العمرة والحج على وجه الإجمال كذلك، فيقصد الاتيان بها في مواضعها متقربابجميع ذلك إلى الله، وقاصداً امتثال أمره، وسنذكر -ان شاء الله- بعض الأدعية المأثورة المشتملة عل نية الاحرام ونية النسك، والتي تستحب قراءتها عند عقد النية.

ويراد بحج الاسلام هنا، وبعمرة الاسلام: الحج والعمرة اللذان يفرضهما الاسلام على ذلك المكلف إذا استطاع الحج والعمرة ، وقد بيّنا ذلك في فصل أقسام الحج والعمرة، وإلا فجميع أقسام الحج والعمرة الواجبة والمندوبة مما أمرت به شريعة الاسلام .

واذا كانت عمرة التمتع واجبة عليه بالنذر وشبهه او بالنيابة عن أحد، قال: (أحرم بعمرة التمتع لحج التمتع وفاءاً بما نذرته أو بما حلفت عليه)، أو قال: (بالنيابة عن فلان بن فلان، قربة إلى الله تعالى).

وإذا كان فرضه -عند الاستطاعة- حج القِران أو الافراد ، قال: (أحرم بحج القران حج الإسلام)، أو قال: (أحرم بحج الافراد حج الإسلام قربة إلى الله)، وإذا كان واجباً بالنذر أو بالنيابة عيّنه كذلك.

وكذا الحال في العمرة المفردة إذا كانت واجبة عليه، لنفسه أو عن غيره، وفي عمرة التمتع المندوبة، والحج المندوب بجميع أقسامه، فيذكرها جميعاً على النهج المتقدم بيانه.

المسألة581: الواجبات في الإحرام ثلاثة أمور :

الواجب الأول فيه : النية، وقد فصّلنا القول فيها في المسائل المتقدمة تفصيلاً وافياً بالمقصود، ومن طلب المزيد فليعد إلى مباحث النية من كتاب الصلاة، ومبحث نية الوضوء من كتاب الطهارة، وسياتي هنا -إن شاء الله - ذكر بعض الآداب والمستحبات فيها.

المسألة582: الواجب الثاني من واجبات الإحرام: لبس ثوبي الإحرام ، والظاهر من الادلة ان لبسهما واجب تكليفي في الإحرام ، وليس شرطا في صحته ، فإذا نوى الإحرام ولبّى -وهو عارٍ- انعقد احرامه على الظاهر، وان كان آثماً بعدم لبسهما في حال عقد الإحرام إذا كان عامداً، ويجب عليه نزع المخيط، والظاهر كذلك أنه ليس شرطا في صحة الإحرام، فإذا نوى الإحرام ولبّى وهو لابس للمخيط صح إحرامه، وأثم بذلك إذا كان عامداً، ووجب عليه نزعه ، ويجوز له نزعه من رأسه ، والأحـوط إعادة الإحرام إذا أحرم بالمخيط وكان عالما عامداً .

واذا أحرم ولبّى، ثم لبس القميص بعد ذلك لم يبطل إحرامه بذلك وإن كان متعمداً، ووجب عليه شقّ القميص واخراجه من رجليه ، وسيأتي بيان الكفارة في ذلك في فصل الكفارات.

المسألة583 : يجب على المحرم أن يأتزر بأحد الثوبين ويرتدي بالاخـر ، والأحوط –إن لم يكن ذلك هو الأقوى- أن يكون اتّزاره وارتداؤه بهما على النحو المألوف، فلا يعقد الرداء في عنقه، أو في عضو آخر من بدنه ، ولا يعقد بعضه ببعض ، ولا يغرزه بإبرة وشبهها، بل يغرزه بنفسه، وكذلك في الإزار وان كان الجواز فيه غير بعيد ، واولى من ذلك بالجواز في الإزار ما إذا وضع في طرفه حجراً صغيراً أو حصاة مثلاً وحبس الطرف الثاني عليهما بمطّاط ضيق مستدير يمنعهما من الإنفصال ويشدّ الإزار بسبب ذلك على حقويه من غير عقد .

المسألة584 : يعتبر في الرداء أن يكون في طوله وسعته مما يصدق معه الارتداء عرفاً إذا وضعه المحرم على ظهره ومنكبيه ، ولذلك فيجب ان يكون في طوله ساتراً أكثر من الظهر والمنكبين ، ولا يكتفى به إذا كان بمقدارهما دون زيادة ، والأحوط أن يكون في سعته وعرضه شاملاً لطول الظهر كله، فلا يكفي إذا كان يقصر عنه، والأحوط في الازار أن يستر ما بين السرة والركبة، فلا يكتفى بما دون ذلك، وأن يكون في سمكه ساتراً للبشرة ، فلا يجتزأ به إذا كان خفيفا غير ساتر لها، ويكفيه أن يتّزر بثوبين خفيفين يحصل بمجموعهما الستر، وبثوب خفيف طويل يتزر به مرتين لطوله ويحصل به الستر المقصود، ويشكل ان يتزر بإزار خفيف غير ساتر، ثم يرتدي برداء سميك يشمل بسعته موضع الإزار ويحصل به الستر.

المسألة585: الأحوط لزوماً -بل الأقوى- أن تلبس المرأة عند عقد إحرامها ثوبي الإحرام الازار والرداء كما في الرجل ، وان جاز لها أن تلبس المخيط حتى عند الإحرام، بل ويجوز لها أن يكون ازارها ورداؤها اللذان تحرم بهما مخيطين ، ويجوز لها أن تنـزع ثوبي الإحرام بعد عقده حتى في أوقات تأدية المناسك من طواف وسعي ووقوف وغيرها، وتجتنب المرأة زرّ ثوبي الإحرام وعقدهما كما يجتنب الرجل ذلك .

المسألة586: الظاهر انه لا يكفي في صحة الإحرام ثوب واحد طويل يئزر ببعضه ويرتدي ببعضه الآخر .

المسألة587: يشترط في الازار والرداء اللذين يحرم بهما المحرم من الرجال والنساء أن يكونا مـمّا تصحّ الصلاة فيه للرجال ، فلا يجوز الإحرام في الثوب إذا كان مغصوباً، أو كان جميعه أو بعض أجزائه متخذاً مما لا يؤكل لحمه، وان كان من صوفه او شعره أو وبره أو ريشه، أو كان مذهّباً، أو كان من الحرير الخالص، ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، بل الأحوط للنساء ان يجتنبن لبس الحرير الخالص وهن محرمات، حتى في ثيابهن الاخرى غير ثياب الإحرام وحتى في غير وقت عقد الإحرام.

ولا يجوز الإحرام للرجل ولا للمرأة في ثوب متنجس إذا كانت نجاسته غير معفو عنها في الصلاة .

المسألة588: الاحوط لزوماً في ثوبي الإحرام أن لا يكونا من الجلود ، وان كانت من الحيوان المذكى المأكول اللحم ، ولا من الملبّد، فإن الجلد والملبّد مما يشكّ في صدق اسم الثوب عليه عرفاً، ولا بأس بما صدق اسم الثوب عليه إذا وجدت فيه الشرائط التي تقدّم ذكرها ، وان لم يكن من المنسوجات كالثياب الحديثة التي تصنع من النايلون وشبهه، ولا بأس بالمنسوجات المخمّلة ، كالمناشف والبرود والمناديل الكبيرة الواسعة ذات الخمل المنسوج على وجهها مما يشبه الزغب في القطائف.

المسألة589 : لا يترك الاحتياط بمبادرة المحرم إلى تطهير بدنه وثوب إحرامه إذا عرضت لهما نجاسة بعد الإحرام ، ويكفيه أن يبدل الثوب المتنجس بثوب آخر طاهر، وإذا كانت نجاسة الثوب معفواً عنها في الصلاة لم يفتقر إلى تطهير أو تبديل، وكذا نجاسة البدن .

المسألة590: لا يترك الاحتياط بأن يقدّم المكلّف لبس ثوبي الإحرام قبل أن ينوي الإحرام ، وقد سبق أنّ لبس الثوبين واجب تعبّدي في الإحرام وليس شرطاً في صحته، وان المكلف إذا احرم ولبّى قبل أن يلبس الثوبين صح إحرامه ، وان كان آثماً بعدم لبس الثوبين حين إحرامه ، وإذا قرن عقد إحرامه مع لبس الثوبين صح إحرامه من غير إثم .

المسألة591: الأحوط -بل الأقوى- أن ينوي لبس ثوبي الإحرام إذا أراد لبسهما للإحرام ، فيقصد في قلبه أو يقول بلسانه أيضا: ألبس ثوبي الإحرام لعمرة التمتع –مثلاً- امتثالاً لأمر الله –تعالى-، وأما التجرد من لبس المخيط فلا تعتبر فيه النية .

المسألة592 :  لبس المخيط مما ينافي نية الإحرام ، فقد تقدم أن إنشاء الإحرام يحدث من العزم الثابت في ضمير الإنسان على ترك جميع المحرمات والتزامه النفساني ذلك ، ولا ريب في أن لبس المخيط منها، ولذلك فإذا لبس المكلف ثوبي الإحرام مع المخيط فوقه أو تحته وهو عالم عامد ، فالاحوط له لزوماً إعادة الإحرام بعد نزع المخيط إذا كان قبل التلبية ، وتلاحظ المسألة الخمسمائة والثانية والثمانون ، وإذا كان جاهلاً وجب عليه نزعه حينما يعلم بالحكم، ولا يجب عليه أن يعيد الإحرام .

المسألة593: يجوز للمحرم أن يلبس في إحرامه أكثر من ثوبين ، فيعدّد الإزار أو الرداء إتقاءاً من البرد أو الحرّ، أو لغير ذلك من الدواعي ، مع وجود الشرائط فيما يلبسه من الثياب ، سواء كان ذلك في ابتداء إحرامه أم بعد ذلك ، وإذا لبس بعد الإحرام ما لا يحل له لبسه ناسياً أو جاهلاً وجب عليه نزعه متى تذكر .

المسألة594: لا يجب على المحرم أن يلبس ثياب إحرامه في جميع مدة الإحرام ، فيجوز له أن ينزعها عن جسده ليغتسل مثلاً، أو ليطهّر الثياب من نجاسة أو لينظّفها من الأوساخ ، ولبعض الموجبات الأخرى ، ويجوز له أن يلقيها عن بدنه اختياراً في بعض الأوقات إذا أمن الناظر ، ويجوز له إبدالها بغيرها مع وجود الشروط.

المسألة595:  يستحب للمحرم التلفظ بنية الإحرام - كما قلنا في المسالة الخمسمائة والثمانين-، ويستحب له أن يشترط على الله عند إحرامه أن يحلّه إذا حبسه فعرض له عارض يمنعه من أن يتم النسك الذي أحرم به من الحج أو العمرة، كما نطقت به الأدلة الكثيرة ، فيقول -كما ورد في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله (ع) قال-: (فإذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله وأثن عليه ، وصل على النبى (ص)، وتقول : (اللّهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك وآمن بوعدك ، واتّبع أمرك ، فإني عبدك وفي قبضتك لا أوقى إلاّ ما وقيت ، ولا أجد إلا ما أعطيت، وقد ذكرت الحج فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنة نبيك (ص)، وتقوّيني على ما ضعفت، وتسلّم مني مناسكي في يسرٍ منك وعافية ، واجعلني من وفدك الذين رضيت وارتضيت وسمّيت وكتبت ، اللّهم إني خرجت من شقة بعيدة وأنفقت مالي ابتغاء مرضاتك،اللّهم فتمّم لي حجتي وعمرتي ، اللهم إني اريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيّك (ص)، فان عرض لي عارض يحبسني فحلّنى حيث حبستني، لقدرك الذي قدّرت علي، اللّهم إن لم تكن حجة فعمرة ، أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب ، ابتغي بذلك وجهك والدار الآخرة ) .

أو يقول ما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع ) قال: (إذا أردت الإحرام والتمتع فقل: (اللّهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج فيسّر ذلك لي ، وتقبّله مني ، وأعنّي عليه ، وحلّني حيث حبستني بقدرك الذي قدّرت علي ، أحرم لك شعري وبشري من النساء والطيب والثياب ).

وقد ذكر الفقهاء (قدس الله أنفسهم): للمحرم أحكاما إذا أحصر بعد إحرامه فعرض له مرض يمنعه عن أن يأتي بنسكه أو عن أن يتمّه ، أو صدّه عدو فلم يتمكن من ذلك ، وسنثبت فرقاً في الأحكام يختلف فيها من يشترط في إحرامه على الله أن يحلّه إذا حبسه عمّن لا يشترط ذلك ، وسنتعرض -إن شاء الله تعالى- لبيان ذلك في الفصل السادس والعشرين في الصدّ والإحصار.

المسألة596:  إذا أبدل المحرم ثياب إحرامه بغيرها استحب له -متى دخل مكة- أن يلبس الثوبين اللذين أحرم بهما ليكون طوافه وسعيه بهما، ويكره له أن يبيعهما ولو بعد ذلك ، ولا يحرم عليه البيع .

المسألة597:الواجب الثالث من واجبات الإحرام: التلبيات الأربع ، وهي أن يقول المحرم : (لبيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك) ، والأحوط لزوماً أن يقول -بعد ذلك-: (إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، ولا ينعقد الإحرام في عمرة التمتع ، ولا في حج التمتع ، ولا في حح الإفراد ، ولا في العمرة المفردة إلا بالتلبيات المذكورة ، كما لا تنعقد الصلاة الواجبة ولا المندوبة إلا بتكبيرة الإحرام ، وأمّا حج القران فيتخير المكلف فيه بين أن يعقد إحرامه بالتلبية ، وأن يعقده بإشعار هديه إذا كان من الإبل ، أو بتقليده إذا كان من الإبل أو البقر أو الغنم ، وسيأتي بيان ذلك –إن شاء الله-، وقد سبق ذكره في المسالة الأربعمائة والخامسة والخمسين وما بعدها.

فإذا نوى الشخص الإحرام ولبس الثوبين ثم أتى بعض محرمات الإحرام من الصيد أو النساء أو الطيب أو غير ذلك من قبل أن يعقد إحرامه بالتلبية لم تجب عليه الكفارة ، وكذلك القارن إذا فعل شيئاً منها قبل أن يلبّي أو يشعر هديه أو يقلّده، فلا كفارة عليه.

المسألة598: يجبعلى المكلف أن ينطق بالتلبيات الواجبة عليه، على الوجه العربي، فيؤدي كلماتها وحروفها على النهج الصحيح ، وعلى وفق القواعد الثابتة في اللغة ، ويكفيه أن يتلقنها من المرشد العارف بها جملة جملة أو كلمة كلمة ، مع فهم المعنى المقصود منها ، ولا يجزيه -مع التمكن من ذلك- أن ينطق بها ملحونة ولو في بعض كلماتها ، وإذا عجز عن النطق الصحيح فالأحوط له لزوما أن يأتي بها كما يحسن ، ويستنيب من يلبّي عنه تلبية صحيحة فيجمع بينهما ، ولا تكفي ترجمتها بغير العربية مع التمكن من التلفظ بها عربية على الوجه الذي بيّناه ، وان كانت الترجمة مطابقة ، فإذا عجز عن النطق العربي جمع -على الاحوط لزوماً- بين الترجمة والاستنابة.

المسألة599: يكفي الأخرس في التلبية عند الإحرام أن يشير إلى التلبية بإصبعه ، ويحرّك بها لسانه، ويعقد بها قلبه، والأحوط له –استحباباً- أن يجمع بين ذلك وبين أن يستنيب أحداً يلبّي عنه.

المسألة600: إذا أحرم الولّي بالصبي أو الصبية فان كان مميّزاً أمره بالتلبية ليلبي بنفسه، وإذا كان لا يحسنها علّمه أو لقّنه إياها كلمة كلمة ليقولها، وإذا كان الصبي غير مميز لبّى الولّي بالنيابة عنه ، وقد تقدم في المسالة الخمسمائة والسابعة والعشرين حكم الشخص إذا أغمى عليه في الميقات فلم يتمكّن من الإحرام فيه وكذلك حكمه إذا أحرم وأغمي عليه قبل أن يلبّي ، وسيأتي حكم من نسي التلبية عند الإحرام حتى تجاوز الميقات .

المسألة601: المعلوم من موارد الاستعمال في العرف واللغة أن (لبيّك) كلمة تستعمل في إجابة نداء المنادي ، وفيها دلالة على إكبار المنادى وإجلاله ، وهي قد تضاف إلى الظاهر فيقال: لبّي زيد، وقد تضاف إلى الضمير فيقال: لبيك ولبّيكما ولبّيكم ، ومن ذلك يكون اشتقاقها فيقال : لبّاه تلبية، وهو ملبّ، إذا أجاب نداءه ، وأما أقوال اللغويين التي ذكروها في أصل هذه الكلمة فلا تعدو أن تكون تخرّصاً، قد لا يثمر الظن فضلاً عن العلم .

المسألة602: الأولى للمحرم أن يقول في تلبيته: (إن الحمد والنعمة لك) بكسر الهمزة في إنّ لا بفتحها، بل لا ينبغى له ترك ذلك ، وإن صح له أن يقرأها بالفتح أيضاً، إلا أن المعنى في التلبية مع كسر الهمزة يكون أعم وأتم .

المسألة603 : لا يشترط في صحة الإحرام أن يقرن المكلف نية إحرامه بالتلبية، ولا تجب عليه المبادرة إليها ، فإذا أخّر التلبية عن نية الإحرام ولبس الثوبين عامداً لم يبطل إحرامه ولم يأثم بذلك ، وان كان الأحوط له أن لا يؤخرها ، نعم يجب عليه أن يكون عقد إحرامه بالتلبية في الميقات، فلا يجوز له أن يؤخر تلبيته حتى يتجاوز الميقات ، أو الموضع الذي يجب عليه الإحرام منه بالنذر أو غيره .

المسألة604: لا يحرم على الإنسان شيء من محرمات الإحرام حتى يعقد إحرامه بالتلبية،  أو بالإشعار أو التقليد -إذا كان قارنا-، وان نوى الإحرام ولبس ثيابه ، وقد ذكرنا من قبل: إن كفارات الإحرام لا تجب عليه إذا فعل شيئا من المنهيات قبل ذلك ، وكما لا تلزمه الكفارة فلا يكون آثما بفعله ، وهل يجوز له أن يبطل إحرامه عامداً فيعدل عن نيته قبل التلبية وما هو بمنزلتها، فيرجع إلى أهله أو يحرم إحراما آخر ؟، فيه إشكال .

المسألة605 : إذا نسي المحرم التلبية الواجبة عليه حتى تجاوز الميقات وجب عليه الرجوح والتلبية من الميقات على الاحوط لزوماً بل على الأقوى، فإذا تعذّر عليه العود إلى الميقات رجع في طريقه ما أمكنه الرجوع، ولبّى من الموضع الذي يستطيع الوصول إليه ، فان تعذّر عليه ذلك لبّى في موضعه ، وإذا أتى بشيء من محرمات الإحرام قبل أن يلبّي فلا كفارة عليه –كما تقدم- .

المسألة606: إذا أتى المكلّف بالتلبيات الأربع بعد إحرامه مرة واحدة انعقد إحرامه وتأدّى بها الواجب، ولم تجب عليه الزيادة على ذلك، ويستحب تكرارها والإكثار منها ما استطاع، وان يأتي بها في دبر كل صلاة مكتوبة ونافلة ، وحين تنهض به راحلته ، وإذا علا شرفاً أو هبط وادياً، أو لقي راكباً أو استيقظ من منامه ، وبالأسحار ، وكلما ركب، وكلما نزل ، ويستحبّ أن يجهر بها، ويرفع صوته ويعجّ، ويستحب له أن يلبّي في إحرامه سبعين مرة ، ففي الحديث عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): (من لبى في إحرامه سبعين مرة إيماناً واحتساباً أشهد الله له ألف ألف ملك ببراءة من النار، وبراءة من النفاق)، وعنه (ص): (ما من حاج يضحى ملبياً حتى تزول الشمس إلا غابت ذنوبه معها) ، وفي الحديث: (أن رسول الله (ص) لما أحرم أتاه جبرئيل (ع) فقال له: مر أصحابك بالعجّ والثجّ)، والعج رفع الصوت بالتلبية، والثج نحر البدن، قال : وقال جابر بن عبدالله: (ما بلغنا الروحا حتى بُحّت أصواتنا).

المسألة607: يستحب أن يقول -في التلبية- ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال : التلبية أن تقول: (لبيّك اللّهم لبيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، لبّيك ذا المعارج لبّيك، لبّيك داعياً إلى دار السلام لبّيك، لبّيك غفّار الذنوب لبّيك، لبّيك أهل التلبية لبيك، لبّيك ذا الجلال والإكرام لبّيك، لبّيك تبدىء والمعاد إليك لبّيك ، لبّيك تستغني ويفتقر إليك لبّيك، لبّيك مرهوباً ومرغوباً إليك لبّيك، لبّيك إله الحق لبّيك، لبّيك ذا النعماء والفضل الحَسَن الجميل لبّيك، لبّيك كشّاف الكُرَب العِظام لبّيك، لبّيك عبدُك وابنُ عبديك لبّيك، لبّيك يا كريم لبّيك)، وورد في الصحيحة نفسها: (وأكثر من (ذي المعارج) فان رسول الله (ص) كان يكثر منها).

ويستحب أن يقول: (لبّيك أتقرّب اليك بمحمد وآل محمد لبّيك، لبّيك بحجةٍ أو عمرة لبّيك، لبّيك وهذه عمرة متعة الى الحج لبيك، لبّيك أهل التلبية لبّيك، لبّيك تلبيةً تمامُها وبلاغُها عليك).

المسألة608: إذا نوى المكلف الإحرام بالعمرة أو بالحج في مسجد الشجرة ولبس الثوبين جاز له أن يأتي بالتلبية الواجبة من وقته ، وجاز له أن يؤخرها ويأتي بها بعد ذلك قبل أن يخرج من حدود الميقات، وإذا أتى بها تخيّر بين أن يأتي بها سرّاً وأن يأتي بها جهراً، والأفضل أن يؤخر الجهر بها وبالتلبية المستحبة حتى يصل البيداء ، والبيداء أرض مستوية تقع على بعد ميل واحد من ذي الحليفة.

وإذا نوى الإحرام في ميقات أهلِ العراق أو غيره من المواقيت الخمسة جاز له كذلك أن يعجّل بالتلبية فيأتي بها في موضعه سراً أو جهراً، وجاز له أن يؤخّرها على أن يأتي بها قبل خروجه عن حدود  الميقات ، والأفضل له أن يؤخر الإتيان بالتلبية سراً وجهراً إلى أن يمشي قليلا قبل أن يتجاوز الميقات .

وإذا نوى الإحرام لحج التمتع في المسجد الحرام ولبـس ثوبـي الإحرام جاز له أن يلبّي في موضعه من المسجـد وأن يجهر بها إذا شاء ، وجاز له أن يؤخّر تلبيته مادام في مكة ، والأفضل له أن يؤخرها إلى الرقـطاء في خروجه إلى منى ، فيلبـى فيـها قبل أن يصل إلى الردم ، فإذا انتهى إلى الردم وأشرف على الأبطح رفع صوته بالتلبية ، وكذلك إذا أحرم في غير المسجد من مكة .

والأبطح أو المحصب سيل متسع يقع بين مكة ومنى ، والرّدم حاجز يكون في آخر الابطح من جهة مكة يمنع وصول السيل إلى المسجد الحرام ، والرقطاء موضع في مكة يكون قبل الردم المذكور.

المسألة609 : يختص استحباب الجهر بالتلبية بالرجال ، فلا جهر فيها على النساء.

المسألة610 : تتأدّى وظيفة الاستحباب في تكرار التلبية بأن يقول: ( لبّيك اللهم لبّيك)، ويكرر ذلك وان لم يأت بها بصورة التلبية الواجبة، أو بصورة التلبيات المستحبة ، وتتأدّى أيضا بأن يكرّر بعض الفقرات المأثورة فيقول مثلاً: (لبّيك ذا المعارج لبّيك)، أو (لبّيك ياكريم لبّيك) ، وتتأدّى بأن ينشئ كلمات صحيحة المعنى في التلبية ويكرّرها، ولا يكفي جميع ذلك عن التلبية الواجبة .

المسألة611 : يجب على المحرم بعمرة التمتع أن يقطع تلبيته إذا شاهد بيوت مكة القديمة، فلا تشرع له التلبية بعد ذلك، ولا اعتبار بمشاهدة بيوت مكة في المحلات والشوارع المستجدة فيها . وحدّ مكة القديمة - على ما عينته النصوص المعتبرة -هو عقبة المدنيين لمن دخل من أعلى مكة كما في بعض النصوص، وعقبة ذي طوى لمن دخل من أسفلها، وهي قريبة من عقبة المدنيين- على ما يذكره الأزرقي في كتابه (أخبار مكة) ويضبطه محقق الكتاب -وهما يسميان الموضعين ثنية المدنيين وثنية ذي طوى، ويقول محقق الكتاب: ثنية المدنيين هي التي تسمى اليوم ثنية الحجون، ويقول أيضا: وادي ذي طوى بين مقبرة الحجون بالمعلاة وربع الكحل المسمى بالثنية الخضراء. وكان وادي طوى يسمى وادي ضبع أما اليوم فيعرف ببير الهندي ، ونحن ننقل ذلك للتقريب.

والمدار في الحكم على مشاهدة بيوت مكة القديمة كما قلنا من  أية جهة يدخلها المحرم ، ولا فرق في الحكم بين عمرة التمتع الواجبة والمندوبة .

ويجب على المحرم بالعمرة المفردة أن يقطع التلبية إذا دخل حدود الحرم، سواء كانت عمرته واجبة أم مندوبة، وهذا إذا كان إحرامه بالعمرة من الميقات، أو من دويرة أهله -إذا كانت دون الميقات وقبل حدود الحرم-، وإذا كان قد خرج من مكة فأحرم بعمرته من أدنى الحلّ لم يقطع التلبية حتى يشاهد الكعبة المعظمة، وكذلك النائي عن مكة إذا مرّ بالميقات، وهو لا يريد النسك ولا الدّخول إلى مكة فلم يحرم حتى وصل أدنى الحلّ ثم أراد العمرة المفردة ، فقد سبق أن حكمه أن يحرم بالعمرة من ادنى الحلّ -كما فعل الرسول (ص) في عمرته بعد غزوة حنين-، فإذا أحرم بها لم يقطع تلبيته حتى يشاهد الكعبة .

وإذا أحرم المتمتع من مكة بحج التمتع قطع تلبيته عند زوال الشمس من يوم عرفة ، وكذلك المحرم بحج القران أو بحج الإفراد فعليه أن يقطع التلبية عند الزوال في عرفة .

المسألة612: إذا نوى الشخص الإحرام بالحج أو العمرة ولبس ثوبي الإحرام وشك هل أنه أتى بالتلبية بعدهما فانعقد إحرامه ووجب عليه ترك محرمات الإحرام ، أو لم يلبّ –بعد- فلم يجب عليه تركها، بنى على عدم الإتيان بالتلبية، ولذلك فلا يحرم عليه فعلها، ولا تجب عليه الكفارة بفعل شيء منها حتى يلبّي بعد ذلك.

المسألة613 : إذا أتى المكلف بالتلبية بعد النية ولبس الثوبين وشك –بعد الفراغ منها- هل كانت تلبيته صحيحة أم لا ؟ بنى على الصحة، ولذلك فيجب عليه ترك المحرمات وتلزمه الكفارة بفعل شيء منها.

المسألة614: إذا أراد الإنسان أن يُحرم من الميقات بحج القران وساق معه هدياً، تخيّر -بعد أن ينوي الإحرام ويلبس الثوبين- بين أن يعقد إحرامه بالتلبية كغيره من المحرمين، وأن يعقده بإشعار الهدي إذا كان من الإبل، وتقليده إذا كان من الإبل أو البقر أو الغنم، فإذا لبّى أولاً انعقد إحرامه بتلبيته، ولم يجب عليه إشعار الهدي ولا تقليده واستحبّ له الإتيان بهما، واذا سبق فأشعر البدنة انعقد إحرامه بالإشعار واستحبت له التلبية والتقليد، وإذا قدّم التقليد انعقد احرامه به ولم تجب عليه التلبية ولا الإشعار واستحبت له التلبية ، واستحب له إشعار الهدي إذا كان من الإبل.

المسألة615: يستحب للقارن أن يجمع بين التلبية والإشعار والتقليد إذا كان هديه من الإبل ، وأيّها قدمه كان هو الواجب وكان ما بعده مستحباً، ويستحب له أن يجمع بين التلبية والتقليد إذا كان الهدي من البقر أو الغنم، وأيّهما بدأ به كان هو الواجب، وكان الثاني مستحباً –كما قلنا-.

المسألة616: لا يختص الحكم الذي تقدم بيانه بالمكلف القريب الذي يكون أهله حاضري المسجد الحرام ، بل يشمل البعيد عنه من أهل الأمصار إذا أراد أن يحج حجاً مندوباً ، فيتخيّر بين حج التمتع والقران والإفراد ، فإذا أراد حج القران جرى فيه الحكم المذكور ، وقد سبق في فصل أقسام الحج أن من يكون أهله حاضري المسجد الحرام إنما يتعيّن عليه حج القران أو الإفراد في الحج الواجب عليه بالاستطاعة أو البذل ، فلا يعمّ حجه المندوب ولا المنذور إذا كان نذره مطلقاً، ولا الحج الذي يجب عليه بالاستنابة إذا استؤجر على حج مطلق ، وكذلك البعيد من أهل الأمصار، فانما يتعيّن عليه أن يحج متمتعاً إذا كان الحج واجباً عليه بالاستطاعة أو بالبذل، فإذا أراد أحد هؤلاء حج القران، وكان ممن يصح منه، جرى فيه الحكم الآنف ذكره .

المسألة617: إشعار البدنة هو أن يشقّ جانب سنامها بسكين أو خنجر أو نحوهما، ويلطّخ صفحة السنام بدمه ، ويستحب أن يُشعرها وهي معقولة ، وأن يشق السنام من جانبها الأيمن ، ويقف الرجل عن جانبها الأيسر ، وإذا تعددت البدن وقف بين كل اثنتين منها واشعر هذه من جانب الأيمن ، وهذه من جانبها الأيسر حتى يأتي عليها ، وفي موثقة يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبدالله (ع) : اني قد اشتريت بدنة فكيف أصنع بها ؟ قال : (انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة فأفِضْ عليك من الماء، والبس ثوبك، ثم أنِخها مستقبل القبلة ثم ادخل المسجد فصلّ ، ثم افـرض بعد صلاتك ، ثم اخرج إليها فأشعِـرْها من الجانب الأيمن من سنامها ثم قل: (بسم الله اللّهم مـنك ولك ، اللّهم تقبّل منـي ثم انطلق حتى تأتي البيداء فلبّه) ، وقد ذكرنا أن التلبية بعد الإشعار الواجب مستحبة ، وتقليـد الهدي أن يعلّق في رقبته نعلاً خَلِقاً قد صلى فيه ، ولا يكفـي أن يقلّده بخيط أو سير أو بنعل لم يصلّ فيه ، وإذا فعل كذلك لم ينعقِد به إحرامه .

المسألة618 : لا يشترط في صحة الإحرام أن يكون المكلف طاهراً من الحدث الأكبر أو الأصغر، فيصحّ إحرامه إذا كان جنباً ، ويصح إحرام المرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء أو مستحاضة ولم تؤدّ وظائفها ، ويصح إحرام الرجل أو المرأة وهو على غير وضوء ، وتصح تلبيته بعد الإحرام وان كان محدثا كذلك ، ولكنه مع الطهارة أفضل ، ومع الطهارة التامة أتمّ فضلاً، ومع الاتيان بجميع الوظائف والآداب المسنونة أرقى في مرتبة الفضيلة وأوجب للمزيد من القرب الإلهي والعطاء غير المحدود منه –سبحانه- .

المسألة619 : يستحب أن يكون الثوبان اللذان يحرم المحرم فيهما من القطن ، ففي الخبر عن بعضهم (ع) قال : ( أحرم رسول الله (ص) في ثوبي كرسف)، (والكرسف هو القطن) ، ويستحب أن يقول عند لبس ثياب الإحرام : ( الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي، وأؤدّي فيه فرضي، وأعبد فيه ربي، وأنتهي فيه إلى ما أمرني، الحمد لله الذي قصدته فبلّغني ، وأردته فأعانني وقبلني ولم يقطع بي، ووجهَه أردت فسلّمني،  فهو حصني وكهفي وحرزي وظهري وملاذي ، ورجائي ومنجاي وذخري وعدّتي في شدّتي ورخائي)، وقد تقدم في مبحث لباس المصلي أن الأفضل أن يكون أبيض اللون.

المسألة620: يصح للمرأة الحائض والنفساء أن تغتسل غسل الإحرام . ويستحب لها ذلك وان لم ينقطع حدثها ولا دمها ، فإذا أرادت الإحرام بالحج أو العمرة اغتسلت غسل الإحرام ، واحتشت بالكرسف، واستثفرت ولبست ثوباً تحت ثياب إحرامها ، واستقبلت القبلة ولم تدخل المسجد ، وأهلّت بالحج أو بالعمرة كما تصنع سائر النساء من غير صلاة ، ولبّت تلبيتها الواجبة والمستحبة.

المسألة621 : يستحب للمحرم أن يجهر بالتلبية ، ويكثر منها في أثناء الليل والنهار وإن كان مُحدثاً أو مجنباً، ولا يقطع تلبيته إلا إذا وجب عليه قطعها -كما ذكرنا في المسالة الستمائة والحادية عشرة- ، ويستحب ذلك للمرأة أيضا، ولكنها لا تجهر بالتلبية .

المسألة622: ورد في موثقة الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبدالله (ع): يحرم الرجل بالثوب الاسود ؟ قال (ع): (لا يحرم في الثوب الأسود ولا يكفّن به الميت)، والظاهر منها تحريم ذلك، وقد قامت القرينة القطعية في مسألة التكفين على كراهته بالثوب الأسود، ومن أجل ذلك فقد ذهب المشهور إلى كراهة الإحرام به أيضاً، وهر مشكل ، فلا يترك الاحتياط باجتناب لبس الثوب الأسود في الإحرام.

المسألة623: يكره الإحرام في الثوب الوسخ، وإذا غسل قبل الإحرام به وزالت الأوساخ عنه زالت الكراهة عن الإحرام فيه ، وإذا توسّخ الثوب النظيف بعد الإحرام فيه، فالأولى أن لا يغسله من الأوساخ التي أصابته في أثناء الإحرام حتى يحلّ، ويجوز له إبداله بثوب آخر، وإذا أصابته جنابة أو نجاسة أخرى طهّره.

المسألة624 : يكره للرجل أن يحرم في الثياب المعلّمة، ويراد بها المخططة بعلم وتطريز ونحوه، ولا كراهة عل المرأة ان تحرم بذلك أو تلبسه بعد إحرامها.

المسألة625: يكره للمحرم أن ينام على فراش أصفر ، وأن يتوسّد على مرفقة صفراء.

المسألة626 : ذكرنا في المسألة الخمسمائة والستين وما بعدها حكم الخضاب بالحناء وغيرها قبل الإحرام، فإذا كان الأثر مما يبقى إلى حال الإحرام ، وكان مما يعد زينة فالأحوط لزوماً -لكلٍ من الرجل والمرأة- ترك ذلك ، ولابد لهما من إزالة الأثر بعد الإحرام إذا كانت إزالته ممكنة.

وإذا اضطر الرجل أو المرأة لاستعمال الحناء لعلاج تشقق الأصابع أو الكفين أو القدمين جاز لهما استعمالها قبل الإحرام للضرورة وإن بقي الأثر بعد الإحرام ، وإذا لم يصل ذلك إلى حدّ الضرورة كره ذلك للمرأة، وأشكل الحكم بالكراهة للرجل، وإذا كان الأثر الباقي إلى ما بعد الإحرام مما يعدّ زينة ، فقد ذكرنا أن الأحوط لزوماً للرجل والمرأة ترك ذلك، وعليهما إزالة الأثر مع الإمكان.

المسألة627: يكره للمحرم أن يدخل الحمّام بعد إحرامه ، ولا يكره له أن يغتسل في غير الحمّام، ويكره له أن يدلك جسده في الحمّام وغيره ، ولا فرق في جميع ذلك بين الرّجل والمرأة.

المسألة628 : الأحوط للمحرم –إذا ناداه أحد من الناس- أن لا يجيبه بالتلبية حتى يحلّ من إحرامه، فإذا دعاه داعٍ قال له: يا سعد، أو قال له: نعم ، أو أجابه بغيرها من الأجوبة المتعارفة غير التلبية.

المسألة629: يكره للمحرم أن يحتبي ، والإحتباء هو أن يجمع ساقيه وفخذيه إلى بطنه ويشدّها جميعاً إلى ظهره بثوب وشبهه أو بحمائل أو بيديه ، ويكره له إنشاد الشعر وروايته.