الفصل الرابع

في الوصية بالحج

المسألة205: إذا استقر وجوبحجة الإسلامفي ذمة المكلف ، ومات ولم يؤدّها في حياته ، وجب على وليّه قضاء الحجة عنه من أصل تركته ، والمقدار المعلوم وجوبه من ذلك أن يقضى الحج عنه من الميقات لا من بلد الميت ، وإذا اختلفت المواقيت في مقادير الأجرة للنيابة منها ، فالواجب منها هو أقلّها مقداراً ، وان كان أبعدها مسافة عن مكة .

وإذا اتفق أن بعض البلدان التي تقع قبل الميقات والتي يمكن للولي الاستئجار للنيابة عن الميت منها ، أقول: وإذا كان بعض هذه البلاد اقل أجرة من الميقات ، لكثرة من يمكن إستنابته في ذلك البلد وندرته في الميقات ، أو لتوفر وسائل النقل في البلد وهبوط أجرتها بسبب ذلك ، فلا يبعد تعين الاستئجار من ذلك البلد وخصوصاً إذا كان في الورثة صغار وقاصرون.

وهذا هو الحكم فيما إذا علم باستقرار وجوب الحج في ذمة الميت ولم يوصِ بالقضاء عنه بعد موته ، وهو الفرض الثاني من فروض المسألة ، وسيأتي بيان الحكم فيما إذا أوصى بذلك في حياته ثم مات وهو الفرض الثالث في المسألة، وقد سبق منا ذكر الحكم في المكلف المعذور، إذا وجب عليه الحج ومنعه مرض مستمر، أو عذر آخر دائم لا يرجا زواله من أن يقوم بأداء الواجب بنفسه ، فيجب عليه أن يستنيب من يحجّ عنه ، ويكفيه أن تكون الاستنابة عنه من الميقات ، وهذا هو الفرض الأول ، وقد مرّ بيانه في المسالة المائة والثالثة والسبعين.

المسألة206: إذا استقر وجوب حجة الإسلام في ذمة المكلف ، ثم مات ولم يوص بقضاء الحجة عنه ، وجب على الورثة قضاؤها عنه من أصل تركته -كما قلنا في المسالة المتقدمة- مـن غير فرق بين ان يكون الحج الواجب عليه حج تمتع او أن يكون حج قران أو إفراد ، ومثله ما إذا استقرت عليه العمرة لحجّ القران أو الإفراد.

وكذلكالحكم إذا أوصىبان يقضى عنه حج الإسلام أو العمرة لحج الإفراد أو القران ولم يعيّن في وصيته أن القضاء من أصل التركة أو من الثلث ، فيجب على الورثة قضاء ما أوصى به من أصل التركة .

المسألة207 : إذا استقرّ الحج أو العمرة في ذمة المكلف كما تقدّم وأوصى بقضائه عنه من ثلث ماله وجب على الورثة إنفاذ وصيته حسب ما عيّن ، فيقضى الحج أو العمرة عنه من الثلث ، وإذا قصر ثلث ماله عن الوفاء بالواجب أخذ الباقي من أصل التركة ، ويلاحظ ما ذكرناه في أول هذا الفصل فإن الذي يؤخذ من أصل التركة إنما هو نفقة الحج من الميقات.

المسألة208 : إذا أوصى الإنسان بأن يقضى عنه حج الإسلام من البلد الذي يستوطنه، أو من البلد الذي يموت فيه ، وجب على وليه بعد موته ان يعمل بموجب وصيته ، فيقضي عنه الحج من البلد الذي عيّنه ويخرج نفقة ذلك من ثلث ماله ، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بالوصية أخرجت نفقة الحج من الميقات من أصل تركته وأخرج ما زاد عليها من الثلث ، وكذلك إذا أوصى بأن يقضى عنه من بلد خاص غير بلده ، كالنجف وكربلاء مثلاً.

وكذلك الحكم إذا أوصى بأن يقضى عنه حج الإسلام ، وقامت قرائن عامة أو خاصة على أن المقصود له من الوصية أن يقضى الحج عنه من البلد أو من بلد معين -كما إذا كان المال كثيراً- وكان المتعارف المعتاد من أمثاله أن يقضى الحج عنهم من البلد أو من بلد معين ، فيعمل بموجب هذا الظاهر حسب ما ذكرنا في سابقه.

المسألة209: إذا حدّد في وصيته مبلغاً من المال، وأوصى بأن يقضى عنه بذلك المبلغ حج الإسلام ولم يعيّن بلداً خاصاً، صح أن يقضي الولي الحج عنه من أي بلد أراد ، إذا لم يكن دون الميقات والأحوط استحباباً أن يقضي من بلد الميت ، فإن لم يسع المال فمن الأقرب اليه فالأقرب.

المسألة210: إذا مات المكلف وقد استقر في ذمته وجوب حجة الإسلام جاز للورثة قضاء الحج عنه من البلد ولا يتعين عليهم أن يكون القضاء من الميقات، وتخرج نفقة الحج من الميقات من أصل التركة ، كما تقدم ذكره ، ويحتسب الزائد على ذلك من حصص البالغين الراشدين من الورّاث ، ولا يحتسب من حصص غير البالغين منهم ، ولا من حصص غير الراشدين ، أو غير الراضين.

المسألة211: إذا تعدّد من يمكن استئجاره للحج عن الميت ، واختلفوا في مقادير الأجرة تعين على الولي أن يستأجر أقلهم أجرة إذا أحرزت صحة عمله ولو بأصالة الصحة ، إلا إذا كان جميع الورثة بالغين كاملين، ورضي الجميع باستئجار من يكون أكثر أجرة منه ، أو احتسب الراشدون منهم زائد الأجرة من حصصهم.

ويستثنى من ذلك ما إذا كانت استنابة ذلك الأجير توجب مهانة للميت عند الناس ، لضعة في منزلة النائب ، أو لقلة أجرته بالإضافة إلى المقدرة المالية لذلك الميت ، فيتعيّن استئجار غيره ممن لا مهانة فيه ، وتخرج أجرته من أصل التركة ، وان كانت أجرته أكثر من الأول ، بل لا يبعد انصراف الأدلة إلى لزوم استئجار من يناسب الميت في شرفه ومنزلته ممن يمكن استئجارهم لقضاء الحج عنه ، وان كان اكثر أجرة من غيره، ولم تكن في استنابة غيره مذلة ولا نقيصة على الميت ، وقد سبق نظير هذا في كفن الميت ، وواجبات تجهيزه بعد موته.

المسألة212 : إذا تعذر الاستئجار للحج عن الميت إلا من البلد ، لعدم وجود من يصلح للنيابه في الميقات والبلدان التي يكون الاستئجار منها أقل من البلد، أو لسبب آخر ، وجب الاستئجار من البلد وإن كانتالأجرة منه أكثر وأخرجت من أصل التركة، وإن كان في الورثة أطفال وقاصرون ، وكذلك إذا لم يمكن الاستئجار إلا من بلد آخر هو أكثر أجرة من الميقات ، بل وان كان أكثر أجرة من بلد الميت .

المسألة213 : إذا مات الميت بعد أن ثبت وجوب حج الإسلام أو عمرة الإسلام في ذمته وجبت المبادرة إلى الاستئجار عنه في سنة موته ، ولا يجوز التأخير عنها من غير عذر ، ونتيجة لذلك فإذا لم يمكن الاستئجار عنه من الميقات وجبت الاستنابة عنه من البلد، وأخرجت الأجرة من أصل التركة -كما قلنا في المسالة السابقة- ولا يجوز التأخير إلى عام مقبل وان علم بإمكان الحج عنه من الميقات وكان في الورثة صغار وقاصرون.

وكذلك إذا وجد من يمكن استئجاره للحج عنه من الميقات وطلب أكثر من أجرة المثل وتعذر وجود غيره فيجب استئجاره ، وتخرج الأجرة من أصل المال ، ولا يجوز التأخير إلى العام المقبل ، ولا تجب المبالغة في الفحص في الفروض المذكورة ، فيكفي الفحص المتعارف ، فإذا لم يجد رتّب الآثار التي تقدم ذكرها.

المسألة214 : إذا مات الشخص وقد استقرّ في ذمته وجوب الحج أو العمرة ، ووجب عليه خمس أو زكاة ، فإن كان الخمس والزكاة الواجبان عليه متعلّقين بأعيان التركة الموجودة بعده وجب تقديمهما على الحج ، فإذا أخرجا من العين الموجودة ، وبقي من التركة ما يفي بنفقة الحج من الميقات وجب قضاؤه عنه وان استوعبت نفقته بقية التركة ، وإذا قصر الباقي بعد إخراج الخمس والزكاة عن الوفاء بالحج جرى فيه الحكم الآتي عندما تضيق التركة عن الوفاء بالواجبات والدّيون .

المسألة215: إذا مات المكلف وعليه حج الإسلام أو عمرة الإسلام وكان عليه خمس أو زكاة قد اشتغلت بهما ذمته وأصبحا ديناً عليه ، وليسا متعلقين بأعيان التركة كما في الفرض المتقدم ، أو كانت عليه ديون للناس قد اشتغلت بها ذمته كذلك ، فإن وفت التركة بأداء الجميع وجب على الورثة وفاؤها ، وان استوعبت جميع التركة ولم يبق للوارث منها شيء .

وإذا ضاقت التركة عن الوفاء بما عليه من واجبات وديون ، وجب توزيع المال الموجود عليها بالحصص كما توزع أموال المدين المفلس على غرمائه بنسبة ديونهم عندما تضيق أمواله عن الوفاء بالديون، وقد فصّلنا هذا في كتاب الحجر.

فإذا وفت حصة الحج من التركة بأداء الواجب منه وجب صرفها فيه ، كما إذا وفت الحصة بالعمرة والحج معاً في حج التمتع أو وفت بحج القران ، أو حج الإفراد وحده ، أو بالعمرة وحدها في من تكون وظيفته ذلك ، فيجب صرف الحصة في قضائه كما ذكرنا ، وإذا قصرت حصة الحج أو العمرة عن الوفاء بجميع النسك سقط وجوب قضاء ذلك النسك وصرفت حصته في أداء الخمس أو الزكاة أو الديون الأخرى ، وان كانت الحصة وافية ببعض أفعال ذلك النسك كالطواف والسعي ونحوهما .

المسألة216 : قد ذكرنا فيما سبق أن العمرة مع الحج في حج التمتع عمل واحد في حكم الشريعة يرتبط بعضه ببعض ، فلا يمكن التفكيك بين العمرة والحج فيه ، ونتيجة لذلك فـإذا وزعت التركة في المسالة المتقدمة وكانت حصة الحج تكفي لعمرة التمتع وحدها دون الحج ، أو لحج التمتع وحده دون عمرته ، لم يكف ذلك ، فيسقط وجوب قضاء حج التمتع كله، وتصرف حصته من التركة في وفاء الخمس والزكاة والديون .

وذكرنا أن حج القران أو الإفراد مع العمرة لأحدهما عملان يستقل أحدهما عن الآخر في الحكم والآثار ، ونتيجة لذلك فإذا وزعت التركة وكانت حصة الحج تكفي للحج خاصة أو للعمرة خاصة صح ذلك ، ووجب على الولي قضاء النسك الذي تكفي الحصة لقضائه وسقط الآخر ، وإذا كانت الحصة تكفي لواحد من الحج والعمرة ، فلا يترك الاحتياط بتقديم الحج.

المسألة217: إذا مات الشخص وعليه حجة الإسلام فالظاهر أنه لا يجوز للورثة أن يتصرّفوا في التركة قبل الاستئجار للحج عنه ، أو تأدية مقدار الأجرة لولي الميت ، وهذا إذا كان مصرف الحج يستغرق جميع التركة الموجودة ، فإذا كانت نفقة الحج لا تستوعب جميع التركة جاز لهم التصرف فيما زاد على مقدار الأجرة منها مع عزمهم على إخراجها سواء كانت التركة واسعة أم لا .

المسألة218 : إذا مات الشخص وهو مدين للناس، فإن كان الدين الذي اشتغلت به ذمته لا يستوعب جميع التركة جاز للورثة التصرف فيما زاد على مقدار الدين من التركة ، ولا يجوز لهم التصرف فيما يساوي الدين منها ، إلا إذا ضمنوا الدين للغرماء ، ورضي الغرماء بضمانهم ، وكذلك الحكم إذا كان الدين مستغرقاً للتركة ، فإذا ضمنوا الدين للغرماء ورضي هؤلاء بالضمان جاز لهم التصرف في التركة ، وإذا لم يضمنوا الدين أو لم يرض الغرماء بضمانهم لم يجز لهم التصرف فيها.

المسألة219: إذا مات المكلف وقد استقر في ذمته حج الإسلام ، وكانت تركته التي خلّفها من بعده لا تفي بقضاء الحج عنه رجعت التركة ميراثاً لورثته ، ولا يجب عليهم أن يتموّها من اموالهم ويستأجروا بها أحداً للحج عن مورثهم ، وقد تقدم بيان الحكم فيما إذا كان مديناً للناس أو للخمس والزكاة مع وجوب الحج عليه ، وضاقت التركة عن الوفاء .

وإنما تعود التركة ميراثاً لورثته في الفرض الذي ذكرناه ، إذا كانت التركة لا تكفي للحج عنه حتى في المستقبل ، فإذا احتمل عند العقلاء أنها تكفي لقضاء الحج عنه في المستقبل وجب حفظها حتى تتبين الحال ، وكذلك إذا وجد من يتبرّع ببقية النفقة للقضاء عن الميت ، فيجب صرفها في ذلك .

المسألة220 : يصح التبرع بقضاء الحج عن الميت ، سواء كان المتبرع قريباً للميت أم أجنبياً عنه ، وسواء وجدت للميت تركة تفي بقضاء الحج عنه أم لا ، وسواء أوصى الميت بالقضاء عنه من بعده أم لم يوص.

فإذا تبرع أحد عن الميت فقضى الحج عنه برئت ذمة الميت من التكليف بالحج ، وسقط وجوب القضاء عنه من تركته ، وعادت تركته ميراثاً للورثة من بعده ، وإذا استأجر الولي أو الورثة أحداً لقضاء الحج عن الميت ، ثم تبرّع فحج عنه برئت ذمته كما ذكرناه وانفسخت الإجارة ، ورجعت الأجرة ملكاً للورثة ، وإذا كان الميت قد أوصى قبل موته بقضاء حجة الإسلام عنه من ثلثه ، ثم تبرع أحد فحج عنه حجة الاسلام بعد موته ، وجب صرف مقدار الحج عنه من الثلث في وجوه البر والخير عنه.

المسألة221: إذا كان الميت قد أوصى إلى شخص أن يحج عنه بتركته كلها ولم يكن له وارث، وجب على الوصي أن ينفّذ وصيته فيحج عنهبالتركة بالغة ما بلغت ، فإذا قصرت التركة ولم تكف للحج حتى من مكة نفسها ، تصدّق بها عنه ، وإذا وفت بالحج من مكة ، فالأحوط أن يستنيب له أحداً من أهل مكة .

المسألة222: إذا وجب قضاء الحج عن الميت من تركته، فأهمل وليّ الميت أو وارثه ، فلم يستأجر أحداً لذلك حتى تلفت التركة ، أو قلّت قيمتها السوقية حتى أصبحت لا تفي بأداء الواجب عنه كان ضامناً ، فعليه قضاء الحج من ماله ، وكذلك إذا كان الميت قد أوصى بالحج عنه من ثلثه فأهمل الوصي إنجاز الوصية بالحج حتى تلف الثلث أو نقصت قيمته عن الوفاء بها ، فيكون ضامناً -كما ذكرنا في نظيره- فيجب عليه القضاء من ماله .

المسألة223: إذا أوصى المكلف بقضاء الحج عنه من البلد، أو دلّت القرائن على أن ذلك هو المقصود من الوصية بالحج عنه ، تعيّن ذلك على الوصي -كما ذكرناه في المسالة المائتين والثامنة- فإذا تبرّع أحد فحج عن الميت من الميقات برئت ذمة الميت من التكليف بالحج، وسقط وجوب القضاء عنه من البلد ، وكذلك إذا خولفت الوصية فاستؤجر أحد للحج عنه من الميقات ، وأتى النائب بالحج عنه كذلك وهو يجهل الحال فتبرأ ذمة الميت ، ويسقط وجوب القضاء عنه من البلد.

والظاهر أن الولي يكون آثما بمخالفته للوصية إذا كان عالماً مختاراً فيها ، وان عقد الإجارة بينه وبين الأجير يقع باطلاً ، فإذا حج الأجير من الميقات لم يستحق الأجرة المسماة في العقد ، وإذا حج كذلك وهو يجهل الحال صح حجّه ، وبرئت ذمة الميت المنوب عنه كما ذكرنا، واستحق على الولي أجرة المثل لعمله ، وقد يشكل الحكم بصحة حج النائب إذا كان عالماً بوجوب الاستنابة من البلد ، وان حجه من الميقات يكون سبباً لتفويت الواجب.

المسألة224 : ذكرنا في أول هذا الفصل أن قضاء حج الإسلام عن الميت دين من ديونه التي تشتغل بها ذمته اشتغالاً وضعياً ، ويخرج من أصل تركته كما تخرج سائر الديون التي تستقرّ في ذمته ، وان المقدار المعلوم وجوبه من ذلك هو القضاء من الميقات ، وإذا اختلفت المواقيت في مقادير الأجرة للاستنابة منها ، فالواجب أقلها أجرة ، وذكرنا في المسالة المائتين والثالثة عشرة : أن الاستئجار لقضاء الحج من الميقات إذا لم يمكن إلا بأكثر من أجرة المثل وجب ذلك وأخرج من الأصل ، وإذا تعذّر الاستئجار من الميقات مطلقاً ، فلم يمكن الحج عن الميت إلا من بلده ، أو من بلد آخر وجب ذلك، وأخرجت الأجرة من الأصل ، ونتيجة لذلك، فالأجرة لقضاء الحج عن الميت في جميع هذه الفروض المختلفة في المقادير تكون ديناً على الميت تخرج من أصل تركته ، وتُزاحِم سائر الديون التي تشتغل بها ذمته ، فإذا تحقق بعض هذه الفروض ، وكان الميت مديناً أيضاً بخمسٍ أو زكاةٍ أو دينٍ لبعض الناس وضاقت تركته عن الوفاء بالواجبات والديون التي عليه وزّعت التركة عليها بالحصص -كما فصّلناه في المسالة المائتين والخامسة عشرة- ولحقتها أحكامها.

المسألة225: إذا أوصى المكلف أن يقضي الوصي حجة الإسلام عنه من بلده ، أو دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن ذلك هو المقصود من وصيته ، وجب العمل بذلك ، والمنساق من النصوص والمتعارف بين الناس في أمثال ذلك أن المراد الحج عنه من البلد الذي يستوطنه، إلا أن تدل القرائن على انه يريد بلداً آخر، أو أنه يريد الحج عنه من أي بلد يكون قبل الميقات ، وقد سبقت أمثلة من ذلك.

وإذا كان له بلدان يستوطنهما ، فالمتبع ظهور الوصية في تعيين أي البلدين يريد الحج منه، فإذا لم يعين بلداً خاصاً منهما ولم تدل القرائن على شيء فالظاهر تخيير الوصي في الحج من أيهما شاء .

المسألة226: إذا أوصى الشخص بان يحج عنه حج مندوب أخرج الوصي ذلك من ثلثه ، وأتّبع ظهور وصيته في تعيين أن الحج من البلد او من الميقات -على الوجه الذي تقدم في المسالة المائتين والثامنة-، وإذا عيّن مقداراً من ثلثه يحج به عنه ندباً وجب أن يحج عنه من حيث يسع ذلك المال ، وإذا لم يكف للحج عنه حتى من مكة صرف المال في وجوه البر، ولم يعد ميراثاً على الاحوط .

المسألة227 : إذا اختلف المكلف الميت مع وارثه أو وليه في الحكم ، فكان الميت يرى -بحسب اجتهاده أو تقليده- وجوب القضاء عنه من البلد مثلا ، وكان الولي يرى كفاية القضاء من الميقات أو بالعكس ، فالمدار على اعتقاد الوارث أو الولي الذي يباشر الحج عن الميت أو الاستئجار له ، فإذا كان يرى كفاية القضاء من الميقات جاز له ذلك وان كان الميت ممن يرى وجوب البلدية .

المسألة228 : إذا تبرع أحد بقضاء الحج عن الميت من الميقات وكان المتبرع ممن يرى كفاية ذلك في القضاء عن الميت -بحسب اجتهاده أو تقليده- برئت ذمة الميت من الفرض الواجب عليه وسقط وجوب القضاء عنه ، وان كان الميت نفسه والوارث من بعده يعتقدان -بحسب اجتهادهما أو تقليدهما - بوجوب الحج من البلد .

المسألة229 : إذا أوصى مكلف قد استقرت في ذمته حجة الإسلام بأن تقضى الحجة عنه من ثلثه بعد موته ، ثم تبرع عنه أحد بعد الموت فحج عنه من البلد أو من الميقات ، برئت ذمة الميت من الحج الواجب عليه وسقط وجوب العمل بالوصية به ، ووجب صرف مقدار أجرة الحج من ثلثه في وجوه البر على الأحوط ، ولم يرجع إلى الورثة.

المسألة230: إذا اختلف الورثة فيما بينهم في الحكم ، فكان بعضهم يرى وجوب القضاء عن الميت من الميقات -بحسب تقليده- وبعضهم يذهب إلى وجوب الحج عنه من البلد، عمل كل واحد منهم وفق تقليده فيؤخذ من حصته بمقدار ما يصيبها من الأجرة بمقتضى رأي الفقيه الذي يرجع إليه ، فإذا لم يف مجموع ذلك بقضاء الحج من البلد ، حج به من الأقرب فالأقرب إلى البلد .

وإذا أدى ذلك إلى التنازع والخصام فيما بينهم ، أو إلى التنازع والخصام بينهم وبين الوصي الذي اعتمد عليه مورثهم ، تعيّن الرجوع إلى الحاكم الشرعي، فيفصل الخصومة ما بينهم بمقتضى ما يذهب إليه في المسالة.

المسألة231: قد ذكرنا مراراً أن حجة الإسلام متى استقرت في ذمة المكلف أصبحت عليه دينا من الديون يقضى من أصل تركته إذا مات ، ولا فرق في ذلك بين أن يوصي بقضائها من بعده أو لا يوصي ، نعم يجوز له أن يوصي بإخراجها من ثلث تركته بعد موته فيصرّح بذلك في وصيته أو يدل عليه بقرينة مفهمة ، فإذا أوصى بها كذلك ووفى الثلث بها نفذت الوصية ولزم العمل بها ، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بها أخرج ما زاد عن الثلث من اصل التركة.

وإذا أوصى بأن يستأجر له أحد ليقضي عنه حجة الإسلام بعد موته ، وعيّن لذلك مبلغاً محدوداً ، وجب على الوصي أن يعمل بوصيته كذلك ، فإذا كانت الأجرة التي عيّنها بمقدار أجرة المثل للحج من الميقات، أو أقل منها ، أخرجت من أصل التركة ، وإذا زادت على ذلك اخرج الزائد من الثلث .

المسألة232: إذا أوصى المكلف بان يحج عنه بعد الموت ، وعين لذلك مالاً مخصوصاً من التركة ، وعلم الوصي أن المال الذي عيّنه الموصي للحج قد تعلّق به الخمس، أو تعلّقت به الزكاة ولم يؤدهما المالك في حياته ، وجب على الوصي إخراج الحق الواجب من المال أولاً، ثم صرف الباقي منه في إنجاز الوصية بالحج ، وإذا قصر الباقي عن نفقة الحج ، وكان الحج الذي أوصى به هو حج الإسلام أو حج واجب بالنذر، وجب إتمام الناقص من اصل التركة ، وإذا كان الحج الذي أوصى به غيرهما صرف الباقي من المال بعد إخراج الحق منه في وجوه البرّ على الاحوط بل الأقوى.

المسألة233: الحج الذي يجب على الإنسان بالنذر إذا تمت شروط انعقاد النذر ووجب عليه الوفاء به يكون من الديون التي تشتغل بها ذمة الناذر اشتغالاً وضعياً ، فإذا مات الناذر بعد أن استقر عليه الوجوب، وجب قضاؤه من أصل تركته على الأقوى ، فهو في ذلك نظير حج الإسلام ، وقد أشرنا إلى هذا في المسالة المتقدمة.

وإذا أوصى بقضاء حج النذر عنه ، وصرح في وصيته بإخراج أجرته من الثلث ، او دلت القرائن على ذلك ، وجب العمل بموجب وصيته ، وجرت فيه الفروض التي سبق ذكرها في الوصية بحج الإسلام، وطبقت عليها أحكامها المتقدمة ، ويشكل جريان الحكم في الحج الذي يجب على المكلف بسبب إفساده لحجّ سابق، وفي الحج الذي يجب عليه بالعهد أو اليمين.

المسألة234: إذا أوصى المكلف بالحج عنه بعد موته، ولم يعيّن مقداراً مخصوصاً للأجرة التي تصرف في الحج عنه ، وجب أن يقتصر على أجرة المثل لذلك ولا يزاد عليها ، وإذا وجد في الأشخاص الذين يمكن استئجارهم للحج من يرضى بأقل من أجرة المثل وجب استئجاره.

وإذا أوصى بالحج عنه ، ولم يعيّن مقداراً للأجرة كما ذكرناه ، واحتمل في الأشخاص الذين وصفناهم من يرضى بأقل من أجرة المثل وجب الفحص عنه على الأقوى، الا إذا رضي الورثة كلهم باستئجار غيره ، وكانوا جميعا بالغين غير قاصرين.

المسألة235: إذا مات المكلف وقد استقر في ذمته وجوب حج الإسلام، ووجد من يريد التبرع بالحج عنه لم تجب المبادرة على الولي أو الورثة إلى الاستئجار عن الميت ، فإذا حج المتبرع عنه وكان عمله صحيحا، ولو بأصالة الصحة أجزأ ذلك عن الميت كمابيناه في المسألة المائتين والعشرين ، وإذا لم يتبرع أو لم يكن حجه صحيحا وجب الاستئجار عن الميت.

المسألة236: إذا أوصى الإنسان بأن يحج عنه بعد الموت ، وعين في وصيته أجيراً خاصا يستأجره الوصي للحج عنه ، وجب على الوصي أن يعمل بوصيته ، فيستأجر ذلك الأجير بذاته بأجرة المثل ويخرجها من أصل تركة الميت، إذا كان الحج الذي أوصى به حج الإسلام ، أو كان حجا واجبا عليه بالنذر كما ذكرنا فيما سبق ، وإذا لم يقبل الأجير بأجرة المثل ، وطلب أكثر منها وكانت الزيادة التي يطلبها مما يفي بها ثلث الميت تعين استئجاره أيضا عملاً بالوصية ، وأخرج الزائد عن أجرة المثل من الثلث ، وإذا كان الزائد الذي يطلبه الأجير لا يفي به الثلث، ولم يجزه الورثة ، سقط وجوب العمل بالوصية ، واستأجر الورثة للحج عن الميت شخصاً آخر باجرة المثل ، وهذا إذا كان الحج الموصى به حج الإسلام أو حج النذر.

المسألة237: إذا أوصى بان يُحج عنه بعد موته حجمندوب،وعين أجيراً مخصوصاً لذلك كما قلنا في المسألة السابقة ، ولم يقبل الأجير المعيّن بأصل الإجارة أو لم يقبل إلا بأكثر من الثلث ولم يجز الورثة ذلك استأجر الوصي شخصا آخر واخرج بدل إجارته من الثلث، وإذا كان الموصي قد عيّن ذلك الأجير على وجه التقييد به دون غيره ، ولم يقبل بالإجارة ، أو لم يقبل بمقدار الثلث، سقطت الوصيّة ورجع المال إلى الورثة.

المسألة238: إذا أوصى الإنسان بعد موته بحج مندوب، وعيّن لذلك أجرة لا يرغب فيها أجير حتى من الميقات ، ولا يرجا وجود راغب بها في المستقبل، سقط وجوب الحج ، وصرف المال الذي عيّنه في الوصية في وجوه البرّ ، وإذا علم من القرائن أن الموصي قد أراد الحج بالمال على وجه التقييد بالحج دون غيره من وجوه البرّ بطلت الوصية من أصلها، ورجع المال إلى الورثة.

المسألة239:إذا علم الولي أن وجوب الحج قد استقر في ذمة مورثه في حال حياته ، وشك في انه أدّى ما وجب عليه قبل موته أم لم يؤده ، وجب على الولي قضاء الحج عنه وأخرجه من أصل تركته .

المسألة240: إذا علم الولي بانميته قد وجبعليه الخمس أو الزكاة في حال حياته ولم يعلم بأنه قدأدى الحقالواجب عليهأم لم يؤده، فإن كانت عين المال التي تعلق بها الخمس أو تعلقت بها الزكاة لا تزال موجودة، وجب على الولي قضاء الحق عنه، واحتسبه من أصل تركته.

وإذا علم الولي بان جميع المال الذي تعلق به الحق قد تلف في حياة المورث ، وشك في أن ذمة الميت قد اشتغلت ببدل الحق ، فلعل تلف المال كان بغير تعدّ ولا تفريط منه فلا يكون ضامناً ، والظاهر عدم وجوب القضاء على الولي في هذه الصورة.

وإذاعلم الولي بأن المالقد تلف في حياة المورث وأن ذمة المورث قد اشتغلت بالخمس أو الزكاة، لان تلف المال كان بتعدٍّ منه  أو تفريط، ثم شك في أن المورث الضامن قد أدّى ما اشتغلت به ذمته من الحق بعد تلف المال وجب عليه القضاء .

المسألة241 : إذا علم وليّ الميت بان مورثه قد استطاع الحج في حياته استطاعة مالية، يعلم بان بقية شرائط الاستطاعة والوجوب قد تحققت له فيجب القضاء عنه أو لم تتحقق ، فلا يجب ، فالظاهر عدم وجوب القضاء عنه ، إلا إذا دلّت على حصول الشرط المشكوك إمارة شرعية من بيّنة ونحوها ، أو كان ذلك مقتضى أصل شرعي ، كما إذا كان صحيح البدن مخلى السرب، ثم شك الوليّ هل عرض له بعد ذلك مرض أو مانع فمنعه عن أداء الحج.

المسألة242 : لا يكفي في الحكم ببراءة ذمة الميت وسقوط وجوب القضاء عنه أن يستأجر الوارث أحداً للنيابة في الحج عنه حتى يؤدي الأجير الحج الذي استئجر له ، فإذا علم أن الأجير لم يؤدِّ ما استؤجر له وجب على الوارث أن يستأجر من يؤدي عنه ، وكذلك إذا شك في أنه أدى أو لم يؤد ، فيجب على الوارث الاستئجار.

ويكفى العلم العادي بأنه قد أدّى ما استؤجر له ، والعلم العادي هو المتعارف الذي يكتفي به الناس في معاملاتهم ، ويرتبون الآثار عليه في أعمالهم وشؤونهم.

المسألة243 : إذا أوصى الرجل قبل موته بأن يحج عنه حجة الإسلام من بلده أو من بلد معين أخر ، وخالف الوارث أو الوصي تلك الوصية فاستأجر أحداً للحج عنه من الميقات وكانت إجارته من مال الميت فالظاهر بطلان الإجارة ، وإذا حج الأجير من الميقات برئت ذمة الميت الموصى من الواجب ، وسقط وجوب العمل بالوصية لارتفاع موضوعها ، ولم  يستحق الأجير الأجرة المسماة لبطلان الإجارة - كما قلنا - ولكنه يستحق أجرة المثل لعمله إلا إذا كانت الأجرة المسماة اقل منها.

المسألة244: الوصي أمين شرعي ، فإذا تلف بيده مال الإجارة قبل الاستئجار ، ولم  يكن متعديا ولا مفرّطـًا فلا ضمان عليه، فإذا كان الحج الموصى به هو حج الإسلام ، أو حجّ النذر وجب الاستئجار له من بقية التركة ، وإذا كان حجا مندوبا وجب الاستئجار له من بقية ثلث الميت ، وإذا اقتسم الورثة بقية المال استرد منهم المقدار المذكور من التركة بنسبة حصصهم منها ، وكذلك إذا شك في كونه مقصراً أو لا ، وقد تقدم الإشكال في الحج الواجب بسبب إفساد الحج أو بالعهد أو اليمين ، هل يخرج من ثلث التركة كالحج المندوب ، كما هو غير بعيد أو من أصل التركة ولا يترك الإحتياط في ذلك .

المسألة245 : إذا استأجر الوصي أجيراً ليحج عن الميت الموصي، ودفع إليه مال الإجارة ، ثم مات الأجير قبل أن يحج ، ولم تكن له تركة فيستردّ الوصي أو غيره منها المال ، أو لم يمكن له اخذ المال من ورثة الأجير بعد موته ، فلا ضمان على الوصيّ بذلك ، إذا لم يقع منه تقصير ، بل عليه أن يستأجر شخصاً آخر للحج عن الميت من بقية التركة، أو من بقية الثلث على النهج الذي أوضحناه في المسألة السابقة.

المسالة246 : إذا مات الوصي ، وشكّ ورثة الموصي في أن الوصيّ هل نفّذ الوصية لمّا كان حيّا ، فاستأجر أحداً للحج عن مورّثهم ، أو لم يستأجر له حتى مات ، وجب عليهم أن يستأجروا أحدا من بقية تركة مورّثهم إذا كان الحج الموصى به حج الإسلام أو حجا منذوراً، ومن بقية الثلث إذا كان حجاً مندوباً ، وليس لهم أن يكتفوا بحمل أمر الوصي على الصحة، فيتركوا العمل بالوصية اعتماداً على ذلك، سواء مضت على الوصية مدة يمكن فيها الاستئجار أم لا.

وإذا وجد هؤلاء الورثة في تركة الوصيّ عين المال الذي قبضه منهم ، أو من مورّثهم للاستئجار عنه جاز لهم أخذه ، وإذا لم يجدوا المال فلا ضمان على الوصي لاحتمال أن يكون المال المدفوع إليه قد تلف في يده من غير تقصير.

المسألة247 : لا تنفذ الوصية بالحج المندوب إذا كان المال الذي عيّنه الموصي لها يزيد على ثلث تركته ، أو كان مما تحتمل زيادته على الثلث ، فإذا أوصى بذلك لم يجز صرف ما زاد أو ما تحتمل زيادته في الوصية إلا إذا أجاز الورثة ذلك ، وكانوا بالغين رشيدين . وإذا اختلفوا في البلوغ أو الرشد صح في البالغ الرشيد بمقدار ما ينوب حصته ، وإذا اختلفوا في الإجازة وعدمها صحّ في حصة من أجاز منهم ، وبطل في حصة من لم يجز .

المسألة248: إذا مات الشخص وقد اشتغلت ذمته بوجوب حجة الإسلام عليه ، وكانت له وديعة عند بعض الثقاة تكفيه لنفقة الحج عنه ، أو تزيد عليها ، فإن علم من بيده الوديعة أو اطمأن بأن ورثة الميت صاحب الوديعة لا يؤدّون الحج عن مورّثهم إذا هو رَدّ المال إليهم ، أو ثبت له ذلك بالبينة الشرعية ، وجب عليه أن يحج بالمال عن الميّت أو يستأجر به نائبا يحج عنه ، فإذا فضل من المال شيء بعد نفقة الحج ردّ الزائد على الورثة ، كما دلت عليه صحيحة بُريد بن معاوية، وإذا علم أو اطمأن بأن الورثة يقضون الحج عن الميت إذا قبضوا الوديعة ، فالظاهر وجوب ردّها إليهم ، وإذا لم يثبت له شيء من أمرهم ، فالأقوى أيضاً وجوب قضاء الحجّ عليه عن صاحب الوديعة وردّ الزائد من المال إلى الورثة ، كما هو الحكم في الفرض الأول ، فعلاً بإطلاق الصحيحة الآنف ذكرها ، وخصوصا إذا ظن بأنهم لا يؤدون.

ولا تتوقف صحة حجه بالمال عن الميّت على الآذن له من الحاكم الشرعي في كلتا الصورتين ، وإن كان ذلك هو الأحوط له استحبابا مع الإمكان.

المسألة249: الظاهر أنه لا خصوصية للوديعة في ترتّب الحكم الآنف ذكره وإن كانت الوديعة هي المذكورة في السؤال عن الحكم في الصحيحة ، فإذا كانت للميت عند الشخص عارية ، أو عين مستأجرة ، أو كان له في ذمته دين، أو كان له في يده مال قد استنقذه له من يد غاصب ، جرى فيه الحكم المذكور ، فإذا علم الشخص الذي بيده المال بأن الميت صاحب ذلك المال قد استقرّ في ذمته حج الإسلام ، جرت فيه الفروض التي ذكرناها في المسالة الماضية، وترتبت عليها الأحكام التي بيّناها.

نعم يشكل انطباق الحكم إذا كان للميت في يد الشخص مال مغصوب ، وكان الشخص بذاته هو غاصب المال، وقد عزم على ردّ المال إلى أهله ، فإذا كان الميت صاحب المال ممن استقر الحج عليه ، واحتمل الشخص الغاصب أن ورثة الميت من بعده يؤدون الحج عنه إذا اخذوا المال أو أنهم لا يؤدّون، أشكل الحكم بثبوت الولاية لذلك الغاصب على أن يحج عن الميت بالمال ، أو يستأجر من يحج عنه من غير مراجعة للورثة ، وللحاكم الشرعي في ذلك ، وإذا علم أو اطمأن بأنهم لا يؤدون الحج عن الميت أشكل الحكم بجواز ذلك له من غير استئذان للحاكم الشرعي .

المسألة250 : إذا علم من بيده الوديعة بان الميت صاحب الوديعة قد استقر في ذمته حج منذور ، أو أنه مدين بخمس أو زكاة أو مظالم ، أو أنه مدين لبـعض الناس بمبلغ من المال، وعلم أيضاً بأن ورثة الميت لا يؤدون ما في ذمته من تلك الواجبات أو الديون ، أو اطمأن بذلك أو قامت عليه بينة شرعية ، وجب عليه أن يصرف ما في يده من الوديعة في قضاء ما في ذمة الميت من الأمور المذكورة ، والأحوط لزوما أن يستأذن الحاكم الشرعي في تولّي ذلك ، ويشكل الحكم في غير هذه الصورة من الفروض .

والظاهر أن هذا الحكم لا يختصّ بمن بيده مال وديعة بل يعمّ من كان للميت عنده مال عارية، أو عين مستأجرة أو كان له عليه دين ، أو مال مغصوب قد أخذه للميت من غاصبه ، إذا تم الفرض الذي سبق ذكره في الوديعة ، وتوفّرت الأمور التي اشترطناها في ثبوت الحكم .

المسألة251 : يصح للمكلف أن يوصي إلى وارثه أو غيره بان يقضي الحج عنه ماشياً أو حافياً من أول سفره إلى الحج إلى آخر أعماله مثلا ، أو من ابتداء الإحرام من الميقات إلى نهاية الأعمال ، ويجب على الوصي العمل بما أوصى ، فإذا كان الحج الموصى به حجاً مندوباً أخرج جميع أجرته من الثلث ، وإذا كان حج الإسلام أو حجاً منذوراً أخرج مقدار أجرة المثل للحج منالميقات إلىآخر الأعمال من أصل التركة - كما تقدم مرارا - وأخرج أجرة المشي والحفاء مدة الحج وما زاد على الواجب من الثلث ، وكذلك كل خصوصيّة مشروعة يوصي بها الميت وهي تزيد على أصل الواجب ، فإنها تخرج من الثلث .

المسألة252: إذا نذر الإنسانأنيحجّ البيت ماشياً أو بحجّه حافياً، وكان قادراً على ذلك ، وجب عليه الوفاء بنذره ، فإذا لم يفِ به حتى مات وجب على ورثته قضاؤه عنه وأخرجت الأجرة من أصل تركته.

المسألة253 : إذا أقرّ المكلف بأن عليه حجة الإسلام وحجة منذورة قد اشتغلت بهما ذمته صدّق إقراره ، ووجب على الورثة قضاؤهما عنه وإخراجهما من أصل تركته ، وكذلك إذا اقرّ بوجوب حجتين منذورتين أو أكثر .

وإذا أقر بشيء من ذلك وهو في مرض الموت، وكان متهماً في إقراره أخرج ما أقر به من ثلثه خاصّة، لا من أصل تركته ، وقد ذكرنا في فصل منجّزات المريض من آخر كتاب الحجر : أن المراد بكونه متهماً في إقراره أن توجد إمارات تدلّ على أن المريض يريد بإقراره تخصيص بعض الورثة ، أو غيرهم ، بشيء من ماله ، أو انه يريد حرمان بقية الورثة منه .

المسألة254: إذا أوصى الرجل بأن يحج عنه بعد موته ، ولم يذكر في وصيته انه يريد الحج عنه مرة واحدة أو مكرراً ، كفى في العمل بوصيته أن يحج الوصي عنه مرة واحدة بنفسه، أو يستأجر من يحج عنه مرة واحدة كذلك ، ولا يجب تكرار الحج ، إلا إذا علم ، أو دلت القرائن على أنه يريد التكرار ، وإذا أوصى وعيّن أنه يريد الحج عنه مرة واحدة أو مرتين أو أكثر، اتـّبع ظهور وصيته في العدد الذي ذكره ، فيحج عنه بمقدار ما عيّن ، وإذا أوصى بأن يحج عنه مكرّرا كفى أن يحجّ عنه مرّتين ، إلا إذا علم أو دلـّت القرائن على انه يريد الحج عنه أكثر من ذلك، ومثاله أن يقول: حجوا عني مرارا متعددة ، أو مرارا كثيرة ، أو يقول: حجوا عني ما وسع ثلث التركة .

المسألة255: إذا أوصى الرجلبأن يحج عنهسنين متعددة معينة العدد أو غير معينة ، وجعل لكل سنة مقداراً معلوماً من المال يحج به ، فقال مثلا: حجوا عنيخـمس سنين ، كل سنة بمائة دينار ، ولم يكف المقدار الذي ذكره للحج عنه في كل سنة كما أراد، صرف ذلك المقدار المعيّن على حسب ما يكفي له من السنين فيجعل نصيب سنتين لسنة واحدة أو نصيب ثلاث سنين لسنتين،وهكذا .

وإذا علم أن مقصودة في وصيته أن يحج عنه بالمائة دينار حسب ما تكفى ، فإن وفت للحج عنه من البلد حج عنه بها من البلد ، وان لم تكف إلا للحج من الميقات حج بها من الميقات.

وإذا صرف المقدار الذي عيّنه للحج على أحد الوجهين المذكورين ، وبقيت منه زيادة لا تفي بالحج صرفت في وجوه البرّ.

المسألة256: الطواف بالبيت الحرام عبادة مستقلة بنفسه ، وإن لم يكن في ضمن حج أو عمرة ، فهو مستحب نفسي في ذاته ، وتصحّ النيابة فيه عن الميت ، وتصح النيابة فيه عن الحي أيضاً إذا كان غائبا عن مكة ، وتصح النيابة فيه عن الحي إذا كان حاضرا لا يتمكن أن يتولـّى الطواف بنفسه ، وإذا أوصى المكلف أن يطاف عنه بالبيت بعد موته طوافاً مستحباً، وجب العمل بوصيته ، وإذا نذر أن يطوف بالبيت انعقد نذره ، ووجب عليه الوفاء به مع القدرة ، فإذا مات ولم يف بنذره وجب القضاء عنه على الأحوط .

ولم يثبت استحباب الإتيان ببقية أعمال الحج استحبابامستقلا، كالوقوف بعرفات، أو عند المشعر الحرام ، وكالمبيت بمنى في ليالي التشريق ، ورمي الجمرات في أيامها، بل وحتى السعي بين الصفا والمروة ، إذا أتي بهذه الأعمال مستقلةوليستفي ضمن أعمال الحج، ولذلك فلا تثبت لها الأحكام المذكورة.

المسألة257: إذا أوصى الرجل بأن يحج عنه بعد موته حجتين جاز للوصي من بعده أن يستأجر عنه أجيرين ليأتيا بالحجتين الموصى بهما في عام واحد ، سواء كانت الحجّتان واجبتين أم مندوبتين، أم كانت إحداهما واجبة والأخرى مندوبة، وكذلك إذا أوصى بحجات متعددة ، فيصح للوصي أن يستأجر جماعة ينوبون عنه في الحجات كلها في عام واحد ، وسنتعرض إن شاء الله تعالى لهذه المسالة في فصل الحج بالنيابة بوجه أكثر تفصيلا .

المسألة258: إذا أتم الأجير حجه عن الشخص المنوب عنه ، وفرغ من أعماله جاز له أن يطوف لنفسه ، وأن يطوف عن غيره تبرّعا أو بإجارة ، وصح له كذلك أن يعتمر عمرة مفردة لنفسه، أو بالنيابة عن غيره، تبرّعا أو بالإجارة ، وكذلك إذا كان أجيرا للعمرة المفردة ، فإذا أتم أعمالها جاز له الطواف والإعتمار لنفسه ولغيره ، بل ويجوز له الحج لنفسه أو لغيره إذا اتفق ذلك في أوانه ، وتمكن من الإتيان به وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان الحكم في الفصل ما بين العمرتين ، في الطواف له أو لغيره بعد عمرة التمتع وقبل الحج .

المسألة259 : إذا دفع الوصيّ أو الوارث إلى أحد مقداراً من المال ووكّله في أن يستأجر به أجيرا يحجّ عن الميت ، فإن علم الوكيل بأن المعطي يريد استئجار الوكيل نفسه ، أو علم بأنه يريد استئجار أحد يختاره الوكيل لذلك ، وان كان هو الوكيل نفسه ، صحّ له أن يحج بنفسه ، والاحوط استحبابا له أن يوكّل غيره في قبول الإجارة لذلك ، فلا يكون هو الموجب لعقد الإجارة وهو القابل ، وإذا علم أنه يريد استئجار غيره ، أو شك في شمول وكالته ، لاستئجار نفسه لم يجز له أن يستأجر نفسه .

وإذا وكّله في أن يستأجر شخصاً معيّناً تعيّن استئجار ذلك الشخص ، إلاّ إذا علم الوكيل بأن الموكـّل إنما ذكره لأنه أحد الأفراد الذين يمكن استئجارهم ، فيجوز له أن يستأجر غيره ، أو علم الوكيل بأن ذلك الشخص ليس أهلا لذلك فلا يستأجره ، ويستأمر الموكل في استئجار غيره .

المسألة260: إذا كان المكلف يملك داراً أو بستاناً ، وملّك رجلاً غيره داره أو بستانه بالمصالحة معه على ذلك ، واشترط على الرجل في عقد المصالحة معه أن يحج عنه بعد موته ، وقبل الرجل الصلح والشرط ، ملك الرجل الدار أو البستان بالصلح ، وملك المكلف على الرجل أن يحجّ عنه بعد موته ، وأصبح ذلك دينا على الرجل يجب عليه وفاؤه ، ولا يكون ذلك من الوصية بالحج ، سواء كان الحج الذي اشترطه عليه حجاً واجباً أم مندوباً ، ولا تترتـّب عليه أحكام الوصية ، ليعتبر أن لا يزيد على الثلث ، ولتتوقف صحته على إجازة الورثة إذا زاد على الثلث، كما يراه المحقق القمي (قدّس الله سرّه).

ومن نظائر الفرض الآنف ذكره في المسالة ومشاركاته في الحكم أن يملّك المكلف داره أو بستانه ذلك الرجل بالمصالحة -كما قلنا- ويشترط عليه في ضمن العقد أن يبيع الدار أو البستان الذي صالحه عليه بعد موت المكلف ، ويصرف ثمنه في الحج عنه ، فإذا تمتّ المصالحة وقبل الرجل الشرط ملك الدار أو البستان ، ولم يبق فيها أي حق لورثة المكلف من بعده ، وملك المكلف عليه الشرط ، فيجب عليه أن يبيع الدار أو البستان بعد موت المكلف ، وأن يصرف الثمن في الحج ، ولم يكن ذلك من الوصية فتجري فيه أحكامها كما قلنا في الفرض المتقدم.

وإذا لم يف الرجل بالشرط كان الخيار للحاكم الشرعي لا للورثة ، فإذا فسخ الدار أو البستان باعهما ، وصرف ثمنهما في الحج عن الميت ، وإذا زاد من الثمن شيء صرفه في وجوه البرّ للميت.

المسألة261 : إذا باع الرجل داره أو بستانه على أحد بثمن معيّن ، واشترط البايع على المشتري في ضمن العقد أن يصرف الثمن المذكور في الحج عنه إذا مات ، وقَبِل المشتري بالشرط ، ولا ينبغي الاشكال في أن هذا من الوصية بعد الموت فتلزمه أحكامها ، فإذا كان الحج المشروط على المشتري أن يأتي به هو حج الإسلام ، أو كان حجاً منذورا لزم العمل بالشرط، وأخرج مقدار أجرة المثل له من اصل التركة ، وأخرج ما زاد على ذلك من الثلث، وإذا كان الحج المشروط عليه حجاً مندوباً ، وكانت نفقته لا تزيد على الثلث لزم العمل بالشرط ، وأخرجت نفقته من الثلث ، وإذا زادت الأجرة على الثلث لم يلزم العمل بالشرط فيما زاد عليه ، بل لم يجز ذلك الا إذا اجاز الورثة ، وإذا لم يوفِ المشتري بما شُرط عليه ثبت للورثة خيار تخلّفالشرط، والأحوط أن يكون فسخ الوارث للمعاملة بالاستئذان من الحاكم الشرعي .

المسألة262: إذا وجدت شروط وجوب الحج على المكلف ، وتحققت له جهات الإستطاعة التي اعتبرتها الشريعة وجب عليه أن يبادر لحج البيت فورا ، ولم يجز له أن يتأخّر فيه أو يتهاون من غير عذر يبيح له ذلك ، وكذلك الحكم في من استقر وجوب الحج في ذمته ، فتجب عليه المبادرة في الإمتثال ، ولا يسوغ له التأخير ، وقد تكرر بيان هذا في عدة من المناسبات ، فإذا استقر وجوب حج الإسلام في ذمة المكلف وتمكـّن من أدائه ، أو وجب عليه الحج في عامه . وتمكن من أدائه حرم عليه أن يحج عن غيره متبرعاً أو أجيراً ، وحرم عليه أن يحج لنفسه متطوعاً، لأنه يفوّت الحجالواجب الفوري عليه، وإذا حج كذلك كان عاصيا آثما ، ولا ريب في ذلك ، وكان حجه باطلا على القول المشهور بين الفقهاء، ولكن الاقوى الصحة إذا حج عن غيره ، للنصوص المعتبرة الظاهرة في الدلالة على ذلك ، ولا موجب لتأويلها.

وإذا حرم عليه أن يحج لغيره -كما ذكرنا- لم تصح إجارته لذلك على الأقوى، لعدم قدرته شرعا على الفعل المستأجر عليه ، فإذا استؤجر للحج عن غيره كانت الإجارة باطلة ، ونتيجة لذلك ؛ فإذا حج عن الميت المنوب عنه صح حجه وإن كان آثما فتبرأ ذمة الميت من التكليف لصحة الحج، ولم يستحقّ الأجرة المسماة لبطلان عقد الإجارة، ولكنه يستحق أجرة المثل بفعله ما تبرأ به ذمة الميت إلا إذا كانت الأجرة المسماة أقل منها.

الفصل الخامس

في النيابة للحج أو العمرة

المسألة263: تصح النيابة في الحج عن الإنسان بعد موته . سواء كان الحج المنوب فيه واجبًا عليه أم مندوبًا ، وسواء أكان الحج الواجب عليه هو حج الإسلام أم حجّاً منذوراً ، أم حجّاً وجب عليه بإجارة ، أو شرط في ضمن العقد ، أو بسبب إفساد حج سابق ، فإذا وجب الحج على الإنسان واستقر في ذمته ولم يؤدّه حتى مات ، صحت النيابة فيه عن الميت إذا كان ذلك الحج مما يقضى بعد الموت ، وتصح النيابة عنه في العمرة الواجبة والمندوبة ، ومن أي أقسام العمرة الواجبة إذا كانت مما تقضى ، وتصحّ النيابة عن الإنسان الحي في الحجّ المندوب ، وفي حج الإسلام إذا استطاع إليه سبيلاً ، أو استقر في ذمته ثم عرض له مرض أو عذر مستمرّ لا يرجا زواله فمنعه عن مباشرة الحج بنفسه ، وقد مرّ تفصيل أحكامه في الفصل الثالث ، ولا تصحّ النيابة عن الحي في الحج الواجب في غير هذه الصورة .

وتصح النيابة عن الحي في الطواف إذا كان المنوب عنه غائبا عن مكة ، او كان حاضرا فيها ولا يمكنه أن يطوف بنفسه لبعض الأعذار ، وقد ذكرنا هذا في المسالة المائتين والسادسة والخمسين .

المسألة264: يشترط في النائب أن يكون بالغاً، فلا تصح نيابة الصبي عن غيره وإن كان مميزاً، وهذا هو القول المشهور بين الأصحاب (قدّس الله أنفسهم)، وللمناقشة فيما أقاموه من الأدلة لإثبات هذا القول مجال واسع ، ولكنّ في هذا القول احتياطاً لايترك ، فلا يجتزى بحجه ولا بعمرته عن غيره على الأحوط، سواء حج او اعتمر عنه متبرعاً أم أجيراً، وسواء أذن له وليّه بذلك أم لا ، وسواء كان الحج والعمرة واجبين أم مندوبين .

المسألة265: يشترط في النائب أن يكون عاقلاً ، فلا تصحّ نيابة المجنون المطبق ، ولا الذي يعترضه الجنون أدواراً إذا كانت نيابته فى دور جنونه ، وتصحّ نيابته إذا وقعت في دور إفاقته من الجنون ، وكان دور الإفاقة يفي بجميع الأعمال ، ويصح للوليّ أو الوصي أن يستأجره لذلك إذا اطمأن بأن دور إفاقته يفي بالأعمال جميعاً.

المسألة266 : يشكل الحكم بصحة نيابة المجنون إذا كان مميزاً، ولا يترك الاحتياط بعدم الإجتزاء بفعله ، إلا إذا كان تامّ التمييز ، بحيث يلحق بالعقلاء عرفاً، وتصح نيابة السفيه ، ولكنّ إجارته للنيابة لا تصح إلا بإذن وليّه .

المسألة267 : يشترط في النائب أن يكون مؤمناً، فلا تصحّ نيابة غير المؤمن وإن اعتقد بوجوب الحج ، وأتى بالأعمال موافقة للمذهب الحق ، وأتى بجميع ذلك بقصد القربة .

المسألة268: يشترط في النائب أن يكون ممن يوثق به وبمعرفته،وبصحة أدائه للأعمال ليحرز بذلك أنه قد أتى بالعمل المستناب فيه على الوجه الصحيح ، ولا يعتبر فيه أن يكون عادلاً، ويكفي في معرفته للأعمال والأحكام أن تكون له مصادر صحيحة يرجع إليها إذا شكّ أو احتاج إلى التعلّم ، أو يكون له مرشد موثوق يوجهه إلى الفعل الصحيح والحكم الصحيح متى احتاج ، وإذا علم المستنيب أن النائب قد أتى بالعمل ، وشك في صحة فعله بنى على أصالة الصحة فيه ، فإذا أحرزت -بجميع ما ذكرناه- صحة عمل النائب حكم ببراءة ذمة المنوب عنه من التكليف الواجب عليه.

المسألة269 : يشترط في صحة استئجار النائب للحج ، وفي مطلق استنابته فيه -ولو بنحو الصلح أو الشرط في ضمن العقد - أن يكون النائب غير مشغول الذمة بحج واجب في عام الإستنابة ، فلا تصح استنابته إذا كان ممن وجب عليه الحج في ذلك العام مع تمكّنه من أدائه، أو كان قد استقرّ وجوب الحج في ذمته مع تمكنه من الأداء ، فإذا استؤجر للنيابة في هذا الحال كانت اجارته باطلة ، وإذا خالف وحج عن المنوب عنه كان آثماً ، وإن كان حجه صحيحاً على الأقوى ، فتبرأ بفعله ذمة المنوب عنه ، ولا يستحقّ الأجرة المسماة له بالعقد ولكنه يستحق أجرة المثل ، وقد سبق بيان هذا في آخر الفصل المتقدم.

ولا فرق -في جريان هذه الأحكام- بين أن يكون الحج الفوري الذي وجب على النائب في ذلك العام حج إسلام ، أو حج نذر معيّن ، أو حجاً معيناً آخر وجب عليه في ذلك العام بإجارة أو عهد او يمين، أو شرط في ضمن العقد ، أو وجب عليه بإفساد حج سابق.

ويستثنى من ذلك ما إذا آجر الشخص نفسه لحجّ في ذمّته ، يوقعه في ذلك العام ولم يقيّد إجارته بأن يتولّى الحج بنفسه ، فيجوز له في هذه الصورة أن يؤجر نفسه لحج آخر يتولاه بالمباشرة ، ويستأجر شخصاً آخر للنيابة في الحجّ الأول.

المسألة270 : إذا كان النائب ممن وجب عليه الحج في ذلك العام ، أو ممن استقرّ وجوب الحج في ذمته، وتمكن من أدائه، وكان جاهلا أو غافلا عن وجوب الحج عليه ، فاجر نفسه للحج عن غيره في ذلك العام صحّت إجارته إذا كان قاصرا معذورا في جهله أو غفلته ، وبطلت إجارته إذا كان مقصرا غير معذور ، وتصح إجارته واستنابته أيضا إذا لم يتمكن من أداء الواجب لنفسه لبعض الأعذار .

المسألة271: تصح نيابة العبد المملوك في الحج والعمرة عن غيره إذا أذن له مولاه بذلك ، وإذا أذن له بأن يؤجر نفسه لهما صحت إجارته وصح حجه اجيراً وإذا لم يأذن له لم يصح.

المسألة272 : تصح النيابة عن الصبي المميز في قضاء الحج أو العمرة عنه كما تصح النيابة عن البالغ ، فقد ثبت أن عبادات الصبي المميز شرعية تامة، وأنها بذاتها هي العبادات التي يأتي بها المكلف بعد البلوغ ، فصلاته وصومه وحجه وعمرته هي نفس الحقائق التى يأتي بها البالغ ، وإن لم تجب عليه إلا بعد البلوغ لحديث رفع القلم، فإذا أتى بها النائب وقصد بها امتثال الأمر المتوجه إلى الصبي فقد ناب عنه في فعلها وشملتها أدلة النيابة ، وترتبت عليها آثارها وأحكامها.

المسألة273: يشكل الحكم بصحة النيابة عن المجنون فيما يفوته حال جنونه من الحج او العمرة ، وإذا استقرّ وجوب الحج او العمرة عليه في حال عقله ثم عرض له الجنون ، ومات وهو مجنون صحّت النيابة عنه فيهما ووجب الاستئجار عنه ، وعلى هذا فإذا أفاق المجنون ذو الادوار من جنونه في دور يسع الحج ولم يحج ثم مات صحّت النيابة عنه ، فإن كان قد اجتمعت له شروط الوجوب حج عنه وجوباً ، وإن لم يجب عليه حُجّ بالنيابة عنه ندباً .

المسألة274 : يشترط في المنوب عنه أن يكون مسلماً ، فلا تصح النيابة في الحج او العمرة عن الكافر ، سواء كان ملحداً أم مشركا أم غير مشرك ، وكتابياً أم غير كتابي ، وإن كان وارثه مسلماً وأراد النيابة عنه أو الاستئجار له من تركته.

المسألة275: تصح نيابة الولد المؤمن في الحجعن أبيه إذا كان ناصباً، وتمنع إذا كان خارجياً أو مغالياً .

المسألة276: لايعتبر في صحة النيابة أن يكون النائب مماثلا للمنوب عنه في الذكورة والأنوثة ، فتصح نيابة الرجل عن المرأة وتصح نيابة المرأة عن الرجل ، وتصح كذلك أن يكون أحدهما خنثى ، أو يكون كلاهما خنثيين.

المسألة277: لا يمنع من استنابة الصّرورة، سواء أكانرجلاً أم امرأة، وسواء أكان المنوب عنه رجلاً أم امرأة ، والصرورة هو الذي لم يحج من قبل ، ولعل المراد من النهي عن استنابة الصّرورة الوارد في الادلة: أن الصرورة في الغالب يكون غير عارف بأحكام الحج ، فيكون المدار على المعرفة بالأحكام، وعلى هذا فلا تكون الروايات دالة على كراهة استنابة الصّرورة ، وقد تقدم في حكم المكلف المستطيع الذي يطرأ له مرض ملازم، أو عذر آخر دائم فيمنعه عن امتثال الحج أن الاحوط له أن يستنيب عنه في الحج رجلاً وصرورة إذا كان المكلف المعذور نفسه رجلاً ، وتلاحظ المسالة المائة والحادية والسبعون.

المسألة278 : لا تتحقق النيابة من النائب حتى يعين الشخص الذي ينوب عنه، وينوي العمل المعيّن الذي ينوب عن ذلك الشخص فيه ، ويقصد بفعله امتثال الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه بذلك الفعل ، فإذا حصل ذلك من النائب تحققت منه النيابة وأغناه ذلك عن قصد مفهوم النيابة نفسها ، ويكفي في تعيين المنوب عنه أن يستخصه بقصده على سبيل الإجمال ، فيقصد الرجل الذي استاجرني فلان للحج عنه مثلاً ، أو المكلف الذي تبرعتُ عنه بالعمرة ، ولا يشترط أن يذكر اسمه واسم أبيه ومشخصاته الخاصة ، وإن كان ذلك أحوط، ويستحب ذكره في كل عمل، وفي كل موطن .

المسألة279 : إذا أجر الرجل نفسه ليصحب بعض الحجاج في الطريق ويخدمهم فيه بحيث كان مسيره في الطريق مملوكاً لهم ومستحقاً عليه بعقد الإجارة ، لم يصح له ان يؤجر نفسه للحج عن غيره من البلد أو من الميقات ، فإن القصد من الميقات إلى البيت الحرام أحد الواجبات كما دلّت عليه آية الحج الكريمة، فإذا ملكه لغيره بالإجارة لم يكن له عليه سلطان ليؤجر نفسه للحج ، فلا تصحّ إجارته للحج ، ولا يكفي تبرّعه بالحج عن غيره ، فإذا تبرّع به في الفرض المذكور لم تبرأ بفعله ذمة المنوب عنه ، وقد تقدّم ذكر هذا، وذكر بعض الفروض والأحكام التي تتعلق به في المسالة المائة والسادسة وما بعدها فلتراجع.

المسألة280: إذا أجر الرجل نفسه للنيابة عن غيره بحجة من البلد أو من الميقات فلا مانع له من أن يؤجر نفسه للخدمة أو لغيرها وهو في طريق الحج.

المسألة281 : يشترط في النائب ان يكون قادرا على ان ياتي بالاعمال الاختيارية للحج غير مضطرّ إلى الاتيان بوظيفة المعذور فيها ، فلا تصح نيابته إذا كان -في حال الاستنابة- عاجزا يضطر إلى ترك بعض الاعمال في الحج ، أو إلى الإتيان بابدال اضطرارية لها تصح من العاجز ولا تكفي القادر.

فإذا كان المكلف المنوب عنه ممن يجب عليه حج التمتع ، فلا يصح له أو لوليه بعد موته أن يستاجر نائبا لا يقدر على ذلك لضيق الوقت مثلا فلا يمكنه أن ياتي بعمرة التمتع قبل الحج ويضطر إلى العدول إلى حج الإفراد ، أو يستاجر امراة يعلم أنها لا تستطيع الاتيان بعمرة التمتع، لان حيضها أو نفاسها لا ينقطع عنها قبل الوقوف بعرفات ، أو يستاجر نائبا يعلم أنه لا يدرك الوقوف بعرفات أو الوقوف عند المشعر الحرام إلا في وقته الاضطراري ، أو يستأجر أحداً لا يمكنه المبيت في منى في ليالي التشريق ، أو يستنيب رجلاً لا يمكنه الطواف أو السعي إلا محمولاً. أو لا يؤدي صلاة الطواف إلا جالساً أو متيّمماً ، ونحو ذلك من ذوي الأعذار ، وإذا تبرع هذا الرجل المعذور فحجّ عن المكلف بعد موته أشكل الحكم ببراءة ذمته وسقوط الفرض عنه.

المسألة282 : إذا استأجر ولي الميت أو وصيه أجيراً للحج عن الميت وكان الأجير بحسب الظاهر قادراً على الاتيان بأعمال الحج الاختيارية غير عاجز عنها ، ثم طرأ له العجز عن بعض الأعمال ، واضطر إلى الإتيان بالبدل الاضطراري الذي جعله الشارع للعمل الذي عجز عنه ، صحت نيابته على الأقوى ، وجاز له بعد طروء العجز أن يعدل إلى وظيفة المعذور فيأتي بالبدل الاضطراري لذلك العمل الذي عجز عنه ويصح بذلك حجه ، وتبرأ بإتمامه ذمة المكلف المنوب عنه على الأصح ، ويستحق عليه الأجرة المسماة إذا كانت الإجارة قد أوقعت بينه وبين الولي على الإتيان بالعمل المبرىء للذمة.

ومن أمثلة ذلك أن يستاجر الولي نائبا قادرا على حج التمتع في سعة من الوقت ، ثم يتفق للنائب لبعض الأمور غير المقصودة أن يضيق عليه الوقت عن إتمام عمرة التمتع ، فيضطر إلى أن يعدل إلى حج الافراد ليدرك الحج ، فيجوز له العدول ويتم حجه ، ويأتي بعد إتمامه بعمرة مفردة ، ويكفيه ذلك في تصحيح حجه عن الميت المنوب عنه ، وإسقاط الفرض عنه ، وفي استحقاق الاجرة المسماة له في العقد .

وكذلك الحكم في المرأة إذا استنابها ولي الميت وهي قادرة على حج التمتع ، ثم طرأ لها الحيض أو النفاس من غير علم سابق بالامر، واضطرت بسببه إلى العدول إلى حج الافراد، فتعمل مثل ذلك ، وفي الاجير إذا اضطر بعد الاستنابة فلم يدرك الوقوف إلا في وقته الاضطراري ، او حدث له مرض فاضطرّه الى الطواف محمولا ، أو إلى الصلاة جالسا أو متيمّما أو بوضوء الجبيرة ، وهكذا في بقية الاعمال والاعذار التى قد تحدث للمكلف من غير علم سابق ، وإنما يستحق الاجرة على عمله في هذه الفروض إذا كانت الإجارة على العمل الذي تحصل به براءة الذمة للمنوب عنه.

المسألة283 : إذا استاجر الولي أو الوصي النائب على أن ياتي بالحج التام ، بأعماله الاختيارية التامة ، وكان النائب قادراً على ذلك ، ثم حصل له العجز عن بعض الاعمال ، واضطرّ إلى أن ياتي بوظيفة الحاج المعذور، وهي أبدالها الاضطرارية، واتى بها كما ذكرناه في المسالة المتقدمة ، بطلت الاجارة التى وقعت بينه وبين المستاجر ، وان كان عمل النائب الذي أتى به صحيحا على الاقوى ، ومبرئا لذمة الميت الذي ناب عنه ، ولذلك فهو لا يستحق على عمله الاجرة المسماة له في عقد الاجارة ، ويستحق عليه اجرة المثل الا إذا كانت الاجرة المسماة اقل منها.

وإذا كانت الإجارة قد وقعت بينهما على الإتيان بالاعمال الاختيارية للحج على نحو تعدد المطلوب ، قسّمت الاجرة المسماة على الاعمال كلها ، واستحق النائب من الاجرة بمقدار ما أتى به من الأعمال ، وسقط نصيب الباقي الذي إضطر إلى تركه من الأعمال وإن جاء ببدله.

المسألة284: إذا كان العمل الذي عجز النائب عنه في المسالة المتقدمة مما ليس له بدل اضطراري ، فاضطر إلى تركه لا إلى بدل ، بطلت الإجارة ، وبطل العمل ولم يستحق عليه شيئاً، ومثال هذا أن يعجز النائب عن إدراك الوقوفين معا في الحج فيتركه ولا بدل لهما فيبطل بذلك حجه ، وتبطل إجارته ، ولا يستحق على عمله شيئا.

المسألة285: تصح نيابة المعذور في ارتكاب بعض محرمات الاحرام، كالرجل الذي لا يقدر أبداً على المشي في الشمس وفي الحر والبرد والمطر ، ولا يستطيع المكوث فيها في أثناء المسيـر لبعض العوارض الموجبة-، ولذلك فهو يضطر إلى التظليل في أثناء إحرامه للحج أو للعمرة ، وكالمعذور الذي يضطر إلى تغطية رأسه ، أو إلى ارتكاب بعض ممنوعات الاحرام الاخرى ، فتصح نيابته واستئجاره.

المسألة286 : إذا كان الأجير عارفا بالأحكام الشرعية التي تقتضيها التقيّة عند إختلاف الحكم في الأهلّة ومواعيد أعمال الحج ، وقادراً على الاتيان بالعمل المبرئ للذمة فيها ، صحت نيابته وصح استئجاره لذلك ، فيستاجره وليّ الميت أو وصيه للاتيان بالحج المبرء للذمة، حسب ما يقتضيه الحكم الشرعي في المواقف والاعمال ، فإذا أتى النائب بالحج كذلك صح عمله وأبرأ ذمة الميت المنوب عنه من التكليف الذي استقر فيها ، واستحق النائب الاجرة المسماة لقيامه بالعمل المستأجر عليه.

المسألة287 : إذا استاجره الولي للحج عن الميت على وفق مذهب الشيعة وإن خالف ما تقتضيه أحكام التقيّه ، ولم يستطع النائب أن ياتي بالعمل كذلك ، وأتى بالحج عن الميت طبقا لما يقتضيه الحكم الشرعي في حال التقيّة بطلت الإجارة لعدم إتيانه بالعمل المستاجر عليه ، فلا يستحق الاجرة المسماة وصح حجه الذي أتى به ، وبرئت بذلك ذمة الميت المنوب عنه من التكليف ، والاحوط للولي أن يدفع له أجرة المثل ، أو يرجع معه إلى المصالحة ، إذا لم يقصد التبرع .

المسألة288: إذا مات الشخص وقد استقر في ذمنه حج الإسلام أو عمرة الإسلام أو كلاهما وجب على وليه أو وارثه ان يبادر بعد موته الى الإستنابة للقضاء عنه ، واذا أخّر ولم يبادر في السنة الأولى لعذر أو لغير عذر وجبت عليه المبادرة بعدها ، وهكذا.

وكذلك الحكم إذا وجب عليه الحج أو العمرة أو كلاهما بالنذر ولم يف بنذره حتى مات، فتجب المبادرة إلى الاستنابة عنه ما أمكن ، بل وكذلك إذا أوصى الميت بالحج والعمرة عنه بعد موته أو بكليهما فعلى الوصى بعد الموت ان يبادر ما أمكن الى الإستنابة عنه ، على الاحوط لزوما .

المسألة289 : لا يصح استئجار النائب عن الميت للحج حتى يعيّن المستأجر في عقد الإجارة معه نوع الحج الخاص الذي اشتغلت به ذمة الميت من أنواع الحج ، والذي يستاجر النائب لقضائه من تمتع أو قران أو إفراد ، او النوع الذي يختار المستاجر نفسه عقد الاجارة عليه من الأنواع المذكورة ، فيما إذا كان الحج عن الميت مندوبا أو منذوراً مطلقا ، فإذا أوقع الولي أو الوصي عقد الإجارة مع النائب على أحد أنواع الحج الثلاثة مردّداً بينها من غير تعيين لأحدها كانت الإجارة باطلة.

ويصح له أن يستأجر النائب على أن يأتي بأحد أفراد الحج المذكورة على وجه التخيير ما بينها فيكون النائب مخيّراً في وفائه بالإجارة بأي الأنواع الثلاثة أراد، وأيّها أتى به أجزأه فيصحة عمله واستحق عليه الأجرة المسماة في العقد ، ولا يتعيّن عليه أن يأتي بالنوع الأفضل منها ، وهذا فيما إذا لم يتعيّن على الميت المنوب عنه واحد منها على الخصوص ، كما إذا كان الحج عنه مندوباً او منذوراً على سبيل الإطلاق ، أو كان الميت ذا منزلين تتساوى إقامته فيهما أحدهما في مكة والأخر في بلد ثان يبعد عنها بثمانية وأربعين ميلاً.

وإذا عيّن المستأجر نوعاً خاصاً منها في عقد الإجارة تعين على النائب أن يأتي به، ولم يجز له العدول عنه إلى غيره ، إلا إذا كان الحج مندوباً ، أو حجاً منذوراً على وجه الإطلاق ، أو كان الميت ذا منزلين تتساوى إقامته فيهما في مكة وفي خارجها -كما ذكرنا في الفرض المتقدم- فإذا استأجر الولي أو الوصي أجيراً في إحدى هذه الصور ليحج عن الميت حج إفراد جاز للنائب فيها أن يعدل إلى ما هو أفضل كحجّ التمتع أو حج القران ، وإذا عدل إليه وأتم حجه استحق الأجرة المسماة ، والأحوط استحباباً أن يكون ذلك برضى المستأجر.

المسألة290 : لا يعتبر في صحة الإجارة للحج أن يعين المستاجر الطريق الذي يسلكه الاجير ، حتى إذا كان الحج المستاجر عليه من البلد ، وإذا عيّن له طريقاً مخصوصاً جاز للأجير أن يعدل عنه إلى غيره إلا إذا علم أن للمستأجر غرضاً خاصاً في سلوك الطريق الذي عيّنه ، وهذا الحكم هو ما دلت عليه صحيحة حريز بن عبد الله ، وهي ظاهرة في الحكم بالجواز ، وبصحة الحج في مورد السؤال ، وهو الحج المستأجر عليه مع عدول الأجير عن البلد والطريق الذي عيّنه المستأجر ، ولا موجب للحمل والتأويل فيها .

وأما صورة العلم بوجود غرض للمستأجر في سلوك الطريق المعيّن ، فالصحيحة منصرفة عنها انصرافاً تاماً.

المسألة291 : إذا استأجر الولي أجيراً للحج عن الميت في سنة معينة وجب على الأجير أن يحج عنه في تلك السنة ، ولم يجز له التقديم عليها ولا التأخير عنها ، إلا إذا رضي المستأجر بذلك ، فإذا تأخر عنها بغير رضى المستأجر ، ولم يكن له عذرٌ يبيح له ذلك كان آثماً، فإن كان المستأجر قد قيّد إجارته بأن يكون الحج في تلك السنة وأخّر الأجير حجه عنها بطلت الإجارة فلا يستحق من الأجرة شيئاً ، وفي الحكم ببراءة ذمة الميت المنوب عنه بحجه إشكال ، وإن كان المستأجر قد اشترط في العقد أن يوقع الحجّ في السنة المعينة ، ولم يقيّد الإجارة بذلك ، ولم يأت الأجير بالشرط فلم يحج عن الميت في تلك السنة ثبت للمستأجر خيار الفسخ بسبب ذلك ، فإن هو أجاز العقد ولم يفسخه ، استحق الأجير الأجرة المسماة له بالعقد إذا أتى بالحج بعد ذلك ، وإن فسخ المستأجر العقد لم يستحق الأجير الأجرة المعيّنة ، وإذا كان قد أتى بالحج بعد السنة فالأحوط الرجوع إلى المصالحة بينهما.

المسألة292: إذا استأجر الولي أحداً للحج أو العمرة عن الميت ، وأطلق إجارته ولم يعين للعمل وقتاً فمقتضى الإطلاق حلول وقت العمل ، فتجب على الأجير المبادرة له ، سواء طالبه المستأجر أم لم يطالب ، إلا إذا وجدت قرينة تدلّ على التأخير ، كما إذا استأجره للحج وهما في موسم الحج أو بعده بقليل ، وكما إذا استاجره للعمرة المفردة وهما في شهر ربيع الأول، وكان التعارف يدل على أن المراد العمرة في شهر رجب ، وكذلك إذا دلّت قرينة على رضى المستأجر بالتأخير ، وإذا تباطأ الأجير ولم يبادر لم تبطل الإجارة ، وفي ثبوت خيار الفسخ للمستأجر لذلك إشكال .

المسألة293 : إذا آجر الرجل نفسه للحج عن أحد في سنة معينة على أن يتولّى أعمال الحج عنه بنفسه لم يصح له أن يؤجر نفسه للحج عن شخص آخر في تلك السنة المعينة على أن يتولى الحج بنحو المباشرة أيضا، لعدم قدرته على الثانية ، وإذا آجر نفسه لحجتين في سنة واحدة يقوم بأعمالهما بنفسه ، لم يصح ذلك ، وان كانت الحجتان عن شخص واحد ، فإذا تقارنت الإجارتان في الوقت بطلتا معاً ، وإذا تقدّمت إحداهما على الثانية في الوقت صحت الأولى وبطلت الثانية.

المسألة294 : يصح للرجل أن يؤجر نفسه لحجتين عن شخصين أو عن شخص واحد في سنة واحدة إذا هو لم يشترط على نفسه المباشرة في كلتا الحجتين ، فيستأجر لكل واحدة منهما أجيراً يأتي بها ، أو يحج بنفسه إحداهما ويستأجر غيره للثانية ، ويصح له ان يؤجر نفسه لحجتين في سنة واحدة إذا شرط على نفسه المباشرة في إحدى الحجتين ولم يشترط ذلك في الاخرى.

ويصح أن يؤجر نفسه لحجة في سنة معينة ، ويؤجر نفسه لحجة ثانية في سنة معينة أخرى، وإن اشترط على نفسه المباشرة في كلتيهما ، ويصح له أن يؤجر نفسه لحجتين موسعتين في الوقت فيأتي بإحداهما في عام ويأتي بالثانية في عام آخر ، ويصح له ان يؤجر نفسه لحجتين ويعيّن السنة لإحداهما ويوسّع الوقت في الحجة الأخرى ، فتصح الإجارة والنيابة منه في جميع هذه الفروض ، لعدم التنافي ، وقدرته على الوفاء بالإجارتين .

المسألة295: ذكرنا في المسالة المائتين والثانية والتسعين أن إطلاق عقد الإجارة للحج يقتضي حلول وقت الحج المستأجر عليه ، ووجوب مبادرة الأجير إلى الإتيان به ، ونتيجة لهذا الحكم ، فلا يصح للرجل أن يؤجر نفسه لحجتين مطلقتين ، لعدم القدرة على المبادرة إليهما في عام واحد.

إلا إذا دلّت القرائن على رضى المستأجر بالتأخير في الحجتين أو في إحداهما ، ولا يصح له أن يؤجر نفسه لحجة مطلقة ثم يؤجر نفسه بعدها لحجة ثانية مقيّدة بالتعجيل ، إلا مع القرينة الدالة على الرضا -كما قلنا-.

المسألة296 : إذا آجر الرجل نفسه للحج عن أحد في سنة معينة على أن يأتي بالحج بنفسه ، وآجره وكيله لحجة ثانية في تلك السنة نفسها على أن يأتي بها بنحو المباشرة أيضا ، صحت السابقة من الإجارتين وإن كانت هي إجارة الوكيل وبطلت اللاحقة ، وإذا وقعت الإجارتان في وقت واحد بطلتا معاً ، وقد تقدّم هذا الفرض في المسألة المائتين والثالثة والتسعين، ونظير ذلك في الحكم إذا آجره وكيلان مفوّضان عنه لحجتين في سنة واحدة كذلك.

المسألة297 : تجري الفضولية في الإجارة للحج كما تجري في سائر الإجارات والعقود، فإذا آجر الفضولي أجيراً للحج عن ميت كان الأمر في تصحيح تلك الإجارة إلى الأجير الأصيل نفسه ، فإن أجاز إجارة الفضولي صحت، ووجب عليه الوفاء بها ، وإن ردّها كانت باطلة لا أثر لها .

وإذا آجره فضوليّان للحج عن شخصين ، صح له أن يجيز إجارة أحدهما ويلغي الأخرى، وإن وقعت الإجارتان في زمان واحد ، وكانتا للحج في سنة واحدة.

وإذا آجر الرجل نفسه للحج عن أحد ، ئم علم أن فضولياً قد آجره للحج عن ميت آخر، لم يجز له أن يجيز إجارة ذلك الفضولي، وإن كانت سابقة في وقتها على إجارته لنفسه ، ولا يكون لإجازته أثر لو أنه خالف فأجازها.

المسألة298 : إذا صدّ الأجير عدوّ أو ظالم قاسٍ فمنعه عن الحج أو عن العمرة ، أو أحصره مرض فعاقه عنهما ثبت له حكم المصدود والمحصَر -وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى-، وانفسخت بذلك إجارته إذا كانت مقيدة بالحج في ذلك العام، وبقيت ذمته مشغولة بالحجة أو العمرة إذا كانت الإجارة مطلقة غير مقيدة ، وإذا كان المستأجر قد اشترط على الأجير في ضمن العقد أن يأتي بالحج في تلك السنة ولم يكن ذلك على وجه التقييد في الإجارة ثبت للمستأجر خيار تخلّف الشرط ، فإذا هو فسخ إجارته بطلت ، وإذا هو أمضى الإجارة ولم يفسخ بقيت ذمة الاجير مشغولة بالحجة ، فإذا أتى بها في القابل برئت ذمته وذمة المنوب عنه ، واستحق الاجرة المسماة .

المسألة299: إذا أتى الأجير في أثناء إحرامه بالحج أو بالعمرة بما يوجب الكفارة وجب ذلك عليه في ماله لا في مال الميت أو المستاجر ، وكذلك إذا كان حجه أو عمرته عن الغير بجعالة أو بصلح ، أو بغيرهما من المعاوضات أو الشرط في ضمن العقد أو كان متبرعا.

المسألة300: يجب في الحج إذا كان من البلد - كما إذا أوصى به الميت - أن ينوب فيه شخص واحد يسافر من البلد بقصد الحج عن الميت حتى يحرم من الميقات ويتم الاعمال ، ولا يكفي أن يتقاسم السفر من البلد أجراء متعددون فيقطع كل واحد منهم بعضاً من الطريق الى الميقات حتى يتموه ، وينوب الاخير من أول الإحرام الى أن يتم الاعمال ، فلا يكفي ذلك وإن استوعبوا الطريق كله وترتبوا في السفر واحداً بعد واحد .

المسألة301: إذا نقصت الأجرة المعينة للأجير عن الوفاء بنفقته في الحج لم يجب على المستاجر أن يتمّها له ، ويستحب له إتمامها إذا استبان له قصور الاجرة عن الوفاء بها قبل العمل أو في أثنائه وكان في الدفع اليه إعانة له على البر والتقوى ، وإذا زادت الأجرة على النفقة لم يجز للمستأجر أن يسترد الزائد منها .

المسالة302 : إذا تم العقد ملك الاجير مال الاجارة فعلاً، وإذا شرط الأجير تعجيل دفع المال إليه وجب على المستأجر دفعه اليه عملاً بالشرط، ومثله ما إذا دلّت على التعجيل قرينة عامة أو خاصة من انصراف أو عادة متبعة بين الناس فيلزم التعجيل لتلك القرينة ، وإذا لم يشترط الاجير تعجيل الدفع ولم تدل عليه قرينة ظاهرة لم يجب على المستاجر تسليم الاجرة إلا بعد إتمام العمل.

المسألة303 : إذا ملك الاجير الاجرة بالعقد وكانت عيناً خارجية ملك جميع نمائها الذي يتجدد لها بعد العقد وإن لم يجب على المستاجر تسليمها كما ذكرنا ، فإذا أتم الأجير العمل المسـتأجر عليه وجب على المستأجر دفع العين ودفع نمائها للأجير ، وقد فصّلنا ذكر هذا في كتاب الإجارة.

المسألة304 : إذا كان المكلف ممن تجب عليه الإستنابة للحج عنه في حياته لبعض الاعذار التى ذكرناها في المسالة المائة والستين وما بعدها ، فوكّل أحداً يستأجر من يحج عنه ، لم يجز للوكيل أن يسلّم الاجرة للأجير إلا بإذن موكله ، وإذا أذن له في أصل التسليم لم يجز له تعجيل التسليم إليه قبل أن يتم العمل المستأجر عليه ، إلا إذا تعذّر استئجار الأجير بغير ذلك او أذن له الموّكل به ، وإذا لم يتعذر الاستئجار ولم يأذن له الموكـّل ، وسلّم الأجرة قبل إتمام العمل كان ضامناً للأجرة إذا لم يأتِ الأجير بالعمل أو أتى به باطلاً .

ومثله الحكم في وكيل الولي أو الوصي إذا وكّله في الإستئجار عن الميت ، فليس له أن يدفع الأجرة أو يعجّل تسليمها للأجير قبل ان يتم العمل إلا بإذن موكله كما سبق في نظيره.

وإذا أوصى الميت الى أحدٍ بأن يستأجر بعد موته أجيراً يحج عنه ، صح للوصي أن يستأجر الأجير ويسلمه الأجرة بعد اتمام عمله عملاً بالوصية ، ولا يجوز له ان يدفعها إليه قبل العمل إلا إذا تعذّر استئجار الأجير بغير ذلك او كان الميت قد أوصى به ، وإذا عجّل له التسليم بدون ذلك كان ضامناً كما في الوكيل.

المسألة 305: لا يصح للوكيل أن يشترط في عقد الإجارة تعجيل تسليم الاجرة للأجير أو يقبل من الأجير هذا الشرط إلا بإذن الموكل له في ذلك .

وكذلك الحال في وصي الميت ، فإذا استأجر أحداً للحج عن الميت لم يجز له أن يشترط تعجيل تسليم الاجرة للأجير او يقبل منه هذا الشرط إلا إذا كان الميت قد أوصاه بذلك ، وإذا كان الحج واجبا تخرج نفقته من أصل التركة، وكانت التركة ضعف أجرة الحج أو أكثر ، لم يجز للوصي أن يشترط ذلك الشرط إلا بإذن الوارث له ، فلعلّ الأجير لا يؤدي الحج، ولا يمكن استرجاع الأجرة منه،ويحتاج إلى اخراج أجرة الحج من التركة مرة ثانية ، ويوجب ذلك نقصاً على الوارث ، ومن اجل وجود هذا الاحتمال فلا يصح اشتراط التعجيل في هذه الصورة إلا بإذن الوارث.

المسألة306: إذا استأجر الرجل الأجير ولم يدفع اليه الاجرة المسماة ، فتعذّر على الاجير أن ياتي بالحج لعدم قدرته المالية ، كان الامر في ذلك الى المستاجر ، فيجوز له أن يدفع الاجرة للأجير فيمكّنه من العمل وتتم الإجارة، ويجوز له أن لا يدفعها إليه، فيعجز عن الوفاء وينفسخ بذلك عقد الاجارة لانعدام المنفعة ، فان الإجارة لا تقع ولا تصح إلا مع وجودها .

المسألة307: الظاهر ثبوت عادة مستقرة بين الناس على دفع أجرة الحج للاجير قبل السفر إلى الحج ، أو دفع قسط منها على الاقل ، فيكون ذلك عرفا متبعا ينصرف اليه عقد الإجارة ، ويكون دليلاً على المقصود منه عند الاطلاق وعدم التبيين ، ولذلك فيجوز للأجير بعد العقد أن يطالب المستأجر بتسليم الأجرة أو بقسط منها حسب ما يتعارف بين أهل البلد.

واذا وكّل المستاجر وكيلاً في الاستئجار ، أو أوصى الرجل إلى وصيّ به ، اتّبع الوكيل أو الوصي ذلك لهذه القرينة الدالة على المراد ، وجاز لهما دفع الاجرة اعتماداً على ذلك.

المسألة308: إذا استاجر الشخص أجيراً للحج عن ميت أو عن حي ، وأطلق عقد الإجارة معه اقتضى إطلاق الإجارة أن يتولّى الأجير بنفسه الحج عن المنوب عنه ، فلا يصحّ له أن يستأجر غيره للنيابة ، ولا يكفيه ذلك في الوفاء بالعقد ، إلا ان يدلّ على ذلك قول صريح من المستاجر أو قرينة ظاهرة الدلالة عليه ، أو يأذن المستأجر له بذلك بعد العقد معه ، أو يجيز اجارته لمن استنابه .

المسألة309: إذا مات النائب بعد أن احرم بحجّ النيابة ، وبعد أن دخل الحرم أجزأ ذلك عن النائب، فتبرأ به ذمته من حج الإجارة ، وان لم يأت بعد بشيء من الأعمال ، وأجزأ عن المنوب عنه ، فتبرأ به ذمته من الحج إذا كان واجبا عليه سواء كان حج الاسلام أم غيره من الحج الذي يجب قضاؤه عنه ، وكفاه أيضاً إذا كان حجا مندوبا عنه ، ولا فرق في جميع ذلك بين أن يكون النائب أجيراً أو متبرعاً.

المسألة310 : إذا مات الأجير بعد ما أحرم بالحج ودخل الحرم ، وكان قد آجر نفسه للعمل الذي تبرأ به ذمة المنوب عنه استحق جميع الأجرة المسمّاة بحصول العمل المستأجر عليه كما قلنا ، فلا يستردّ المستأجر من الأجرة شيئاً إذا كان قد دفعها إليه من قبل ، ويجب عليه ان يدفعها إلى وارثه إذا لم يكن قد دفعها إليه.

واذا كان الأجير قد أجر نفسه للمجيء بأعمال الحج المخصوصة ، وكانت الاجارة على نحو التقييد ووحدة المطلوب لم يستحق من الاجرة شيئا لعدم حصول المقصود ، وإذا كانت الاجارة للإتيان بالاعمال على وجه تعدّد المطلوب ، استحق من الاجرة بنسبة ما أتى به من الأعمال المستأجر عليها ، ومنها السفر وقطع المسافة إذا كان قد لاحظه جزءاً من العمل المستاجر عليه ، وستاتي الإشارة اليه .

المسألة311 : إذا مات النائب بعد إحرامه بحج النيابة وقبل أن يدخل في الحرم ، ففى إجزاء ذلك عن المنوب عنه اشكال ، والاحوط عدم الإكتفاء به ، فلابد من الإستنابة عنه مرة ثانية على الاحوط، ولذلك فيشكل الحكم باستحقاق النائب الأول الأجرة إذا كان قد أجر نفسه للعمل الذي تبرأ به ذمة المنوب عنه -كما في المسالة المتقدمة-، وإذا كان قد آجر نفسه للإتيان بأعمال الحج المخصوصة استحق من الأجرة بنسبة ما أتى به من الإحرام وحده إلى مجموع الاعمال ، وهذا إذا لاحظ الأعمال في الإجارة بنحو تعدد المطلوب ، وبنسبة الإحرام ومعه السفر إذا كان قد لاحظ السفر جزءاً من الأعمال المستأجر عليها، وإذا كان قد لاحظ الاعمال بنحو وحدة المطلوب لم يستحق من الأجرة شيئا على إحرامه ولا على سفره.

المسألة312 : إذا مات النائب قبل أن يأتي بشيء من مناسك حجه ، فالاحوط بل الأقوى- عدم إجزاء ذلك عن المكلف المنوب عنه ، فلا تبرأ ذمته من الحج إذا كان واجبا عليه ، وما ورد من الاخبار الدالة على أن الأجير ضامن للحج ، فلعل المراد منه ان الله –سبحانه- يتفضل على المنوب عنه بثواب الحج إذا مات الأجير ، أو قصّر فلم يأت بالعمل المستأجر عليه ، ولذلك فلابد من الحج عن المنوب عنه.

المسألة313 : إذا مات الأجير قبل أن يبدأ بشيء من أعمال الحج المستأجر عليه ، لم يستحق من الأجرة شيئا ، سواء كان المستأجر عليه هو العمل المبرىء لذمة المنوب عنه ، أم كانت هي الأعمال كلها على نحو وحدة المطلوب ، أو على سبيل تعدد المطلوب ، فإن المفروض أن الأجير لم يأت بشيء من ذلك.

وإذا كان قد سافر ليحج وقطع بعضا من الطريق وكان السفر بعضا من الأعمال المستأجر عليها ، استحق من الأجرة بنسبة سفره إلى مجموعة الأعمال إذا كانت ملحوظة في عقد الاستئجار بنحو تعدد المطلوب.

المسألة314 : الظاهر - ولو بمعونة القرائن العامة التي توضح المراد – أن الحج المستأجر عليه إذا كان هو الحج من البلد فالسفر منه إلى الحج وقطع المسافة داخل في  الأعمال المستأجر عليها على نحو الجزئية، فإذا مات الأجير قبل الإحرام من الميقات استحق من الأجرة ما يقابل سفره من البلد إلى حين موته ، وإذا كان المستأجر عليه هو الحج من الميقات ، فالسفر إليه قبل الميقات غير داخل فيه فلا يستحق عليه شيئا.

المسألة315: إذا جامع الأجير زوجته في أثناء حجه عن المنوب عنه وقبل وقوفه في المشعر الحرام، لزمه ما يلزم الحاج عن نفسه إذا ارتكب مثل هذا المحرّم ، فيجب عليه أن يتمّ الحج الذي بيده ، ويلزمه التكفير عن فعله الذي ارتكبه بنحر بدنة ، ويجب عليه الحج من قابل على التفصيل الآتي بيانه في مبحث محرمات الإحرام والأقوى -كما دلت عليه النصوص الواردة هنا في حج النائب وفي حج المكلف عن نفسه- أن الحجة التي ارتكب فيها ذلك الفعل هي الحجة الواجبة عليه، وأن الحج الثاني الذي يأتي به في القابل إنما يجب عليه عقوبة له على ما فعل، ونتيجة لهذا فيكون حجه الأول مجزياً للمنوب عنه، وموجباً لبراءة ذمته من التكليف ، وبإتمامه يستحقّ الأجير الأجرة المسماة له في العقد ، سواء أتى بالحج من قابل أم عصى هذا التكليف ولم يأت به ، وسواء كانت إجارته للحج في سنة معينة أم كانت مطلقة غير معينة في الوقت، وسواء كان الحج المستأجر عليه واجباً أم مندوباً، بل وإن كان النائب متبرعاً بالحج عن المنوب عنه ، والفارق أن المتبرع لا يستحق على عمله اجرة.

المسألة316 : يجوز للمكلف أن يتبرّع عن الميت فيحج عنه بنفسه ، من غير فرق بين أن يكون الحج الذي يتبرع به واجباً على الميت أو مندوباً، وسواء كان الحج الواجب هو حج الإسلام أم غيره من الواجب الذي يجب قضاؤه ، ويجوز له أن يتبرع عن الميت بحج مندوب وإن كان الميت ممن استقرّ في ذمته حج واجب ، ويجوز له أن يتبرّع من ماله فيستأجر أجيراً ينوب عن الميت في حج واجب أو حج مندوب، في كل الفروض التي تقدّم ذكرها.

ويجوز للمكلف أن يتبرّع عن إنسان حي، فيحج عنه بنفسه حجاً مندوباً ، وإن كان على المنوب عنه حج واجب قد اشتغلت به ذمته ، سواء كان متمكّناً من أداء الواجب أم لا ، فيصح التبرّع عنه بالحج المندوب في كل أولئك على الأقوى ، ويجوز له أن يتبرع من ماله فيستأجر من يحج عن ذلك الإنسان الحي حجاً مندوباً في الفروض الآنف ذكرها .

ولا يصح التبرّع عن إنسان حي في حج واجب عليه ، حتى إذا كان معذوراً لا يستطيع الإتيان بالحج لمرض أو هرم أو لعذر آخر لا يرجا زواله -على الأحوط لزوماً في المعذور، وعلى الأقوى في غيره- وتلاحظ المسالة المائة والحادية والسبعون.

المسألة317 : إذا استأجر ولي الميت أو وصيّه أجيراً ليؤدي الحج عن الميت إن شاء بنفسه وإن شاء بغيره ، جاز للأجير أن يستأجر شخصاً آخر للنيابة فيه ، سواء كانت إجارة المستأجر الأول له على عمله الخارجي أم على الحج في ذمته ، فإذا استأجر شخصاً آخر للنيابة في الحج كان هذا الشخص نائباً عن النائب ، ويكفي في صحة عمله أن يقصد الحج عن الميت المنوب عنه امتثالاً للأمر المتوجه إليه ، فإذا أتم حجه كذلك برئت ذمة الميت من التكليف بالحج إذا كان واجبا عليه ، وبرئت ذمة الأجير الأول والأجير الثاني من الحج الذي وجب عليهما بالإجارة ، واستحق كل منهما الأجرة المسماة له بالعقد معه.

المسألة318:  إذا استأجر الإنسان أجيراً للحج أو العمرة عن شخص ثم مات الأجير قبل أن يأتي بالعمل الذي استؤجر عليه ، فللمسألة صور تختلف باختلاف الفروض التي تقع عليها مضامين الإجارة بين المتعاقدين ، ولكل صورة منها أحكام تجري فيها.

الصورة الأولى : أن يكون مضمون العقد الذي وقع بينهما تمليك نفس العمل الذي يعمله الأجير في الخارج وهو الحج أو العمرة للمستأجر ، فيكون العمل المستأجر عليه هو أن يحج أويعتمر بنفسهفي الخارج عن الشخصالمنوب عنه ، وتكون هذه المنفعة الخاصة من منافع الأجير مملوكة للمستأجر بالعقد ، فإذا مات الأجير قبل أن يأتي بالحج أو العمرة انفسخت الإجارة بموته ، فإن عمل الإنسان بنفسه لا يمكن أن يقع من غيره ، ولذلك فلا يستحق الأجير من الأجرة المسماة شيئا، إذا كانت الإجارة على العمل الذي تبرأ به ذمة المنوب عنه ، وقد تقدّم بيان الحكم فيما إذا مات بعد أن سافر وقطع بعض الطريق ، وكان السفر جزءاً من العمل المستأجر عليه ، وتلاحظ المسألة الثلاثمائة والثالثة عشرة .

وكذلك الحكم إذا كان الأجير معذوراً لا يستطيع أن يؤدي العمل الذي استؤجر عليه لبعض الأحداث التي أوجبت له عدم القدرة على ذلك .

المسألة319: الصورة الثانية: أن يكون مضمون عقد الإجارة مع الأجير هو أن يصبح الحج أو الاعتمار عن المنوب عنهديناً للمستأجر علىالأجير يستقر في ذمته ، ويجب عليه وفاؤه في الوقت المعين ، سواء أتى بالعمل بنفسه أم استأجر له شخصا آخر يأتي به بالنيابة عنه ، فإذا مات الأجير في هذه الصورة أو تعذّر عليه الإتيان بالعمل المستأجر عليه لم تنفسخ الإجارة الواقعة بينه وبين المستأجر ، لإمكان صدور العمل من غيره بحسب الفرض ، فيجب على وارث الأجير بعد موته أن يستأجر أحداً ينوب عن مورثه في العمل المستأجر عليه ، ويكون هذا الأجير الثاني نائباً عن الأجير الأول، ويأتي بالحج أو العمرة عن المنوبعنه الأول، فإذا أتم العمل وقام بالنيابة كما هو المطلوب صح عمله وبرئت ذمم الجميع، واستحق كل واحد من الأجيرين أجرته التي سميت له في العقد الخاص معه .

وإذا كان الأجير الأول لا يزال موجوداً، وتعذّر عليه العمل وجب عليه أن يستأجر غيره ممن يقوم بالنيابة عنه، فتصح نيابته وتجري أحكامها الآنف ذكرها .

المسألة320: الصورة الثالثة: أن يكون مضمون الإجارة مع الأجير هو أن يصبح مديناً للمستأجر بالحج أو العمرة المستأجر عليهما -كما فصّلنا في المسالة المتقدمة-، ثم يشترط المستأجر على الأجير في ضمن العقد أن يأتي بالحج أو العمرة بنفسه ، فإذا مات الأجير في هذه الصورة أو تعذر عليه أن يأتي بالعمل المستأجر عليه، لم تنفسخ الإجارة بين المتعاقدين بذلك ، وثبت للمستأجر خيار الفسخ لتخلّف الشرط، فإذا اختار فسخ العقد استردّ الأجرة من الأجير إذا كان موجوداً ، ومن وارثه إذا كان ميتاً، وإذا اختار إمضاء العقد فأمضاه ، وجب على الأجير أو على وارثه إذا كان ميتاً أن يستأجر شخصا ينوب عنه في العمل من ابتدائه ، ولا تكفي الإستنابة من موضع التعذّر ، إذا حدث الموت أو التعذر في الاثناء.

وقد بيّنا في المسالة الثلاثمائة والتاسعة وما بعدها حكم ما إذا مات الأجير بعد أن أحرم بحج النيابة ودخل في الحرم فلتراجع .

المسألة321: إذا وجب الحج على المكلف للاستطاعة أو للنذر أو لسبب آخر وجب عليه أن يأتي بحج تام مستقل في النيّة وفي الأعمال ، ولا يكفيه في الامتثال أن يأتي بحج يشرّك فيه مكّلفاً غيره ، فيكون الحج الواحد أصلياً للمكلف نفسه ونيابياً للمكلف الآخر الذي شركه معه ، فلا يصحّ ذلك، سواء كان حج الآخر الذي شركه معه واجباً على ذلك الشخص أم مندوباً، ولا يكفيه في الإمتثال أن يأتي بحج واحد يشرّك فيه مع ذلك الحج الواجب عليه حجاً آخر عن نفسه أيضاً ، فيكون الحج الواحد امتثالاً لكليهما ، فلا يصح ذلك، سواء كان الحج الثاني واجباً أيضاً عليه أم مندوباً .

فإذا مات المكلف وكان الحج مما يجب قضاؤه ، وجب ان يكون القضاء عنه تاماً مستقلاً كذلك ، فلا يجوز أن ينوب شخص واحد عن شخصين أو عن أشخاص في قضاء مثل ذلك الواجب ، إذا كان القضاء في سنة واحدة ، فيأتي بحج النيابة الواحد عنهم جميعا، وسياتي ذكر صورة خاصة تستثنى من عموم هذا الحكم .

المسألة322: يجوز بل يستحبّ للإنسان إذا حج لنفسه حجا مندوباً أن يُشرك معه أباه وأمه ، وأقاربه وغيرهم من الأولياء والصلحاء  والمؤمنين في حجه، فينوي الحج لنفسه والنيابة عنهم في عمله، وقد ورد الحث والتأكيد على ذلك في عديد من النصوص ، ففي الحديث عن هشام بن الحكم عن ابي عبدالله (ع)، في الرجل يشرك أباه أو أخاه أو قرابته في حجه ، فقال (ع):(إذن يكتب لك حجا مثل حجهم ، وتزداد أجراً بما وصلت)، وعن أبي الحسن (ع) قال: قال أبو عبد الله (ع) : (لو أشركت ألفاً في حجتك لكان لكل واحد واحد حجة من غير أن تنقص حجتك شيئاً) ويجوز له أن يأتي بالحج المندوب وهدي الثواب إليهم ، بل يستحب له ذلك أيضاً.

المسألة323: يجوز لشخص واحد ان ينوب عن شخصين أو أشخاص متعددين في الحج المندوب في سنة واحدة ، فيأتي بحج واحدٍ ينوي به النيابة عنهم جميعا ، ويمكن له أن يتبرّع بذلك الحج عنهم ، ويصح لهم أن يستأجروه لذلك ، ويجوز له أن يحجّ ثم يهدي الثواب إليهم.

المسألة324: إذا نذر الرجل ان يحجّ ويشرّك معه أباه أو أمه او غيرهما في حجه انعقد نذره ، ولزمه الوفاء به مع القدرة ، فإذا تمكّن من الوفاء ولم يف به حتى مات وجب قضاء ذلك عنه بعد موته على حسب نذره ، فيأتي النائب بحج واحد يشرّك فيه ما بين الناذر المنوب عنه والاشخاص الذين نذر تشريكهم معه في حجّه.

وإذا نذر رجلان أن يستأجرا احداً يأتي بحج واحد عنهما معاً على نحو التشريك بينهما انعقد نذرهما ووجب عليهما الوفاء به ، فإذا استاجرا أحداً لذلك وجب على الأجير الحج عنهما كما استأجراه له ، وكما عيّنا في نذرهما ، فيأتي بحج واحد ينوب به عنهما معاً على وجه التشريك بينهما.

وهذان الموردان هما الصورة المستثناة التي تصح فيها النيابة من شخص واحد في حج واجب واحد عن أكثر من شخص واحد، وتلاحظ المسالة الثلاثمائة والحادية والعشرون .

المسألة325: يصح أن ينوب أشخاص متعدّدون في الحج عن شخص واحد في عام واحد إذا كان الحج مندوباً، سواء كان الشخص المنوب عنه ميّتا أم حياً ، فياتي كل واحد من اولئك النواب بحجة تامة مستقلة عن ذلك الشخص المنوب عنه ، ويمكن أن يقع ذلك منهم على وجه التبرّع، وعلى نحو الاستئجار ويمكن ان يتبرّع البعض منهم ويستأجر البعض ، ويجوز ذلك أيضاً إذا كان الحج واجباً ، فإذا كانت على الميت حجة إسلام وحجة نذر او اكثر مثلاً ، او كانت عليه حجتان وجبتا عليه بالنذر ، أو اكثر أمكن أن يستاجر أو يتبرع بها أشخاص متعددون، فيأتي كل واحدٍ منهم بحجة تامة عما في ذمة الميت .

وكذلك إذا استقرت في ذمة المكلف حجتان أو أكثر بالإستئجار، وأوصى بأن تقضى عنه من ثلثه ، فيمكن لوصيه بعد موته أن يستاجر نوّاباً متعددين في عام واحد ، فيأتي كل نائب منهم بحجة خاصة منها.

وقد لا يتصور جريان هذا الحكم في النيابة عن الانسان الحي في قضاء الحج الواجب عنه، فقد تقدم ان النيابة في الحج الواجب عنه لا تصح إلا إذا كان معذوراً لا يقدر على الحج بنفسه، لمرض أو هرم أو لعذر مستمر آخر لا يرجا زواله ، وقد ذكرنا أن هذا لا يجري -على الأحوط لزوماً- في غير حجة الاسلام من أقسام الحج الواجب ، وحجة الاسلام إذا وجبت عليه فانما هي حجة واحدة لا تعدّد فيها ، ومن أجل ذلك فلا يتصوّر في الإنسان الحي تعدّد حج واجب يصح قضاؤه بالنيابة عنه ليفرض تعدّد النائب.

ويمكن تصحيح الفرض فيه إذا وجبت عليه حجة الاسلام للاستطاعة وتعذر عليه الاتيان بها كما ذكرنا ، وأراد أن يستنيب عنه أجيرين في عام واحد ليحجا عنه حجتين تامتين للإحتياط، فلعل إحدى الحجتين تقع باطلة فتكفيه الثانية ، فيصح الفرض على هذا الوجه وتجوز له الإستنابة.

المسألة326: يستحب للنائب إذا حج عن غيره متبرّعاً عنه أو اجيراً أن يذكر اسمه فى المواطن والمواقف ، ولا يجب عليه ذلك إذا كان قد عيّنه في نيته حينما قصد النيابة عنه ، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه يكفي في صحة النيابة أن يعين الشخص المنوب عنه على وجه الإجمال.

ويستحب له أن يقول عند إحرامه: (اللّهم ما أصابني من نصب أو شعث أو شدة فآجر فلانا فيه وآجرني في قضائي عنه ).