|
الفصل الثالث في الاستطاعة وجهاتها وأحكامها المسألة37 : يشترط في جميع الواجبات الشرعية ، و في جميع التكاليف أن يكون العمل المكلف به مقدوراً للإنسان ، فلا يصح التكليف بغير المقدور المستطاع ، وهذا الحكم معلوم بالبداهة في الشريعة الإسلامية . وينفرد حج الإسلام عن سائر الواجبات قي الدين بأنه يشترط في وجوبه أن يكون الإنسان مستطيعا لحج البيت استطاعة شرعية ، وهذا هو الشرط الرابع من شروط وجوبه . ويراد بالاستطاعة الشرعية : أن يكون الشخص قادراً على حج البيت قدرة مالية ، فيكون له من الزاد والراحلة ما يبلغه ذلك ، أو يكون له من المال والمملوكات الأخرى ما يحصل له الزاد والراحلة ، وأن يكون قادراً على بلوغ ذلك من حيث صحة بدنه وقوته على السفر وتحصيل المقصود ، وأن يكون آمن السرب والطريق إلى الميقات وإلى نهاية الاعمال ، فلا مانع له من الوصول والقيام بالواجب ، وأن يكون له من الوقت ما يتمكن فيه من تحقيق جميع ذلك ، والوفاء به على الوجه المطلوب ، وعلى ما سنوضحه في المسائل الآتية من بيان ، فلا يجب عليه الحج إذا قصرت استطاعته في بعض هذه المجالات . المسألة 38 : الظاهر انه لا فرق في اشتراط الراحلة بين القريب من الناس إلى البيت والبعيد عنه ، فإن الحاج من أهل مكة ومن قرب منها يحتاج إلى الخروج إلى عرفة وبقية المشاعر لتأدية المناسك بها ، والعود منها إلى البيت للطواف والسعي ، ومثل ذلك يحتاج فيه إلى الراحلة بحسب العادة بين الناس، فتعمه أدلة اشتراط الراحلة . المسألة 39 : المعتبر في الاستطاعة أن يكون الشخص ممن له زاد وراحلة يبلغ بهما المقصود ، سواء كان مالكا لعين الزاد والراحلة بالفعل ، أم كان له منالنقود والأموال الأخرى ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة في جميع رحلته إلى البيت الحرام متى احتاج إليهما ، فلا يشترط في الاستطاعة حمل الزاد معه إذا أمكن له الحصول عليه في منازل سفره، وفي مواضع إقامته حتى يبلغ غايته، ولا يشترط فيها ملك الراحلة إذا أمكن له استئجارها، ولا يشترط وحدة الراحلة إذا أمكن له استبدالها بغيرها في مراحل سفرهحتى يتمّه،ولاوحدةنوعها، فله أن يقطع بعض المسافة على راحلة ، ويقطع بعضها ني سفينة أو في سيارة أو غيرها من وسائل النقل ، وإذا لم يوجد الزاد في بعض مراحل السفر اشترط -في استطاعة الحاج - إمكان حمل الزاد معه، ووجب عليه حمله -مع الإمكان-، ولو بأن يستأجر دابة أو سيارة لحمل ما يحتاج إليه في سفره من طعام وشراب ومتاع ، فإذا لم يوجد الزاد في بعض مراحل سفره ، ولم يمكن له حمله معه ، أو كان في حمله حرج ومشقة لا تتحمل عادة، سقط عنه الوجوب لأنه غير مستطيع . - المسألة40: كلمة الزاد-حين تقال مطلقة-، يراد منها الطعام وما يتقوّت به الإنسان خاصة ، وحين تقال بالإضافة إلى المسافر مع الراحلة، وحين تذكران لبيان معنى الاستطاعة لحج البيت، يكون المراد بها ما يحتاج إليه الإنسان في سفره من مطعوم ومشروب ، ومن أمتعة وأوعية وغير ذلك في أثناء حلّه وترحاله أيام سفره ، مما يناسب حاله من قوة وضعف، ويناسب زمانه من صيف وشتاء، وحر وبرد ، وما يناسب شأنه ومكانته الاجتماعية من شرف وضِعة، فتشمل حتى الخادم إذا كان من شأنه أن يكون له خادم في سفره ، وتعم جميع المذكورات لنفسه ولخدمه وضيوفه إذا كان من شأنه أن يستضاف في حال سفره، ولدابّته أو سيارته حين يكون ذلك من شؤونه التي لا يمكن سفره إلا بها، أو التي يكون سفره حرجاً وشاقّـاً إذا سافر بدونها. ولابد وأن يكون له من المال والمكنة – زائداً على ذلك – ما يكفيه لنفقة أهله وعياله ومؤنتهم مدة سفره عنهم حتى يعود إليهم ، والراحلة: هي وسيلة النقل التي يركبها في ذهابه وفي تنقله بين المشاعر ، وفي عودته إلى وطنه بعد الحج ، من دابة أو سفينة أو سيارة أو طائرة أو قاطرة ، ويراعى في جميع ذلك ما يليق بشأنه وشرفه ويقوم بحاجته من حيث النوع والمقدار ، فقد يكتفي بعض المسافرين باستئجار مقعد واحد من سيارة متعارفة ، وقد يحتاج إلى سيارة كاملة من نوع مخصوص ، وقد يحتاج إلى أكثر من ذلك ، فإذا وفت قدرته المالية بما يحتاج إليه من الامور والشؤون كان مستطيعاً من حيث المال ، ووجب عليه حج البيت إذا تمّت له النواحي الاخرى من الاستطاعة ، وإذا قصرت مكنته ، فلم تف له ببعض المجالات ، التي يحتاج اليها من ذلك لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة . المسألة41 : يعتبر في الاستطاعة المالية أن يكون المكلف مالكا بالفعل للزاد والراحلة ، أو لمالٍ ومملوكاتٍ يقدر بها على تحصيل الزاد والراحلة -على الوجه الذي ذكرناه في المسائل المتقدمة - ولا يكفى في تحقق الاستطاعة أن تكون له صنعة أو حرفة يقدر بواسطتها على أن يوفر لنفسه في أثناء سفره إلى الحج جميع ما يحتاج إليه من زاد ونفقة حتى يعود إلى وطنه . ولو أنه احتاط وحج على هذه الصورة لم يكفه حجه هذا عن حج الإسلام ، فإذا حصلت له الاستطاعة بعد ذلك وجب عليه الحج . المسألة42 : الاستطاعة الشرعية التي يجب معها الحج على المكلف هي: أن تتحقق له نواحي الاستطاعة التي بيّناها من المكان الذي هو فيه ، وإن لم يكن مستطيعا للحج من وطنه الذي يسكنه ، فإذا خرج الرجل من بلده إلى يلد آخر زائراً أو عاملاً، أو لبعض غايات أخرى وهو غير مستطيع للحج ، واتفق أن توفرت له جهات الاستطاعة للحج في ذلك البلد فحصل لديه من المال ما يكفيه للسفر من ذلك الموضع ذهاباً ورجوعاً ولنفقات حجه ، ونفقات عياله حتى يعود إلى وطنه ، وجب عليه الحج ، وإن كان ما حصل له من المال لا يحقق له الاستطاعة لو كان في وطنه ، أو كانت النواحي الأخرى للاستطاعة لا تتم له لو كان في وطنه . وكذلك الحكم إذا كان غير مستطيع قي بلده ، وخرج إلى حج البيت متسكعاً، ثم حصلت له الاستطاعة بالتكسّب ، أو ببذل باذل قبل أن يحرم من الميقات، فيجب عليه حج الإسلام ، ويجب عليه الإحرام له من الميقات. المسألة43 : إذا كان المكلف غير مستطيع ، وخرج إلى الحج متسكعا حتى بلغ الميقات، وأحرم بالحج بنية الندب لعدم استطاعته ، ثم اتفق أن حصلت له الاستطاعة بعد الإحرام بالتكسب أو ببذل باذل ، لم يجب عليه الحج فلا يجب عليه الرجوع إلى الميقات ، أو المضي إلى ميقات آخر ليحرم بحج الإسلام بعد إحرامه الأول ، بل لا يجوز له ذلك ، ولا يجوز له العدول بنيته إلى حج الإسلام ولا إلى عمرة مفردة فيتمها ثم يستأنف بعدها حج الإسلام في عامه . بل يجب عليه أن يستمر في نسكه الذي احرم له حتى يتمه ، فإن بقيت استطاعته إلى العام المقبل وجب عليه حج الإسلام فيه ، وإن لم تبق استطاعته سقط عنه وجوب الحج . المسألة44 : إذا غلت الأسعار فاحتاج ، المكلف أن يشتري الأشياء التي يحتاج إليها في سفره إلى الحج من الطعام أو الأوعية والادوات بأكثر من ثمن المثل، أو احتاج إلى استئجار ما يحتاج إلى استئجاره بأكثر من أجرة المثل ، وجب عليه الشراء والاستئجار بذلك مع التمكن من القيمة، ولم يسقط عته وجوب الحج في تلك السنة بسبب ذلك ، وكذا إذا توقف تحصيل القيمة على أن يبيع أملاكه بأقل من ثمن المثل فيجب عليه ذلك ، إلا إذا كان البيع والشراء والاستئجار كذلكموجبا للضرر له بأكثر من المتعارف ، أو كان موجباً للحرج الذي يرفع التكليف ، فيسقط عنه الوجوب حين ذلك . المسألة 45: إذا كان المكلف ممن تضطره العلاقات والملابسات وجهات المعيشة وأشباه ذلك إلى العود إلى وطنه بعد الحج ، ولو للحرج الشديد عليه في البقاء في غير وطنه والمعيشة بعيداً عن أهله - كما هو الحال الغالب في الناس - أعتبر في استطاعته المالية للحج وجود نفقة العود إلى بلده بعد الحج ، فتكون نفقة العود لمثل هذا جزءاً من استطاعته في المال . ولا يعمّ هذا من كان سائحاً في البلاد ليس له وطن يستقر فيه ، والمكلف الذى لا يريد العود إلى وطنه بعد الحج لجهات أوجبت له ذلك ، والشخص الذى لاعسر ولا حرج عليه في أن يبقى في مكة ، فلا يعتبر - في استطاعة هؤلاء - أن تكون لديهم نفقة العود إلى الوطن بعد الحج . المسألة46 : إذا أراد المكلف السفر إلى الحج ، وعزم على التوطن بعد انتهاء حجه في بلد آخر غير وطنه الأول ، لوحظ حاله ، فإن كان مضطراً إلى ذلك بحيث لا يتمكن من العود إلى وطنه الاول، اعتبر في استطاعته الماليةأن تكون عنده نفقة الذهاب إلى الحج ونفقة الذهاب بعد الحج إلى البلد الذي عزم على التوطن فيه ، سواء كانت نفقته مساوية لنفقة العود إلى وطنه أم أقل منها أم أكثر ، وإن كان مختاراً في استبدال بلده من غير ضرورة تلجئه إلى تركه ، اعتبر - في استطاعته المالية - أن تكون هذه نفقة الذهاب إلى الحج وأقل الامرين من نفقة العود إلى وطنه الاول ونفقة الذهاب إلى وطنه الجديد ، فإذا كان مالكا لذلك كان مستطيعاً، ووجب عليه الحج. المسألة47 : الاستطاعة للحج هي أن يكون المكلف مالكاً لأعيان الزاد والراحلة التي يحتاج إليها في سفره إلى الحج ، أو يكون واجداً للنقود التي ينفقها في تحصيل ما يحتاج إليه منها، أو يكون مالكا لأموال أخرى يمكنه بيعها وصرف أثمانها في شراء تلك الأعيان أو استئجارها وقد سبق بيان جميع هذا مفصلا ، وذكرنا أن الأدلة المعتبرة قد أوضحت كذلك أن الاستطاعة للحج هي السعة قي المال أو القوة واليسار فيه ، ومقتضى وصف الاستطاعة بذلك: أن المملوكات والأموال التي يجب بيعها وصرف أثمانها في الحج ، لا تشمل الأشياء الضرورية للمكلف ، والتي يحتاج إليها قي إدارة معيشته ، وتدبير شؤونه في حياته . فلا تباع في ذلك الدار التي يحتاج إليها لسكناه وسكنى عياله ، والتي تليق به - بحسب شرفه ومنـزلته قي المجتمع - بنوعها وعددها ، فإن كثيرا من الناس يحتاج في إسكان أهله إلى أكثر من دار واحدة ، ولا يباع أثاث منـزله ولوازم بيته من فرش وأدوات وأوان وآلات ، وأرائك وأسرّة ، ووسائل يحتاج إليها في تنظيم أموره وترتيب مسكنه وراحته وراحة أهله وضيوفه ، ولا تباع ثيابه التي يتجمل بـها بين الناس، أو التي يلبسها في أوقات راحته أو أوقات عمله ، ولا تباع كتب العلم الديني - إذا كان من أهل ذلك وكانت الكتب موضع حاجته -، ولا تباع آلات صنعته التي يفتقر إليها في معاشه ، ومنها كتب العلم التي تتعلق بصناعته ،ككتب الطب للطبيب ، وكتب الهندسة للمهندس ، ونحوها ، ولا تباع دابته أو فرسه أو سيارته التي لابد له منها في تنقلاته وحركاته ، وغير ذلك من الأمور التي يقع في الضيق والحرج والعسر في حياته بدونها . ويراعى - في جميع ذلك - ما يليق به وبمنزلته من حيث النوع والعدد ، ولاتباع حلي المرأة ، ولا ثياب زينتها ، ووسائلها الخاصة التي يحتاج إليه أمثالها في زمانها وفي بلدها ، والتي تليق بها بحسب شرفها ومنزلتها وسنها ، وقد ذكرنا نظائر هذا في كتاب الدين عند ذكر المستثنيات فيه. المسألة48 :إنما استثنيت هذه الأمور من وجوب البيع للحج من حيث أن وجودها ضروري للمكلف في حياته ولابد له منها ، وإذا باعها وقع في الضيق والعسر في أموره ، فلا يكون مستطيعا للحج بمقتضى الأدلة الآنف ذ كرها . فإذا زادت الأعيان الموجودة لدى المكلف من هذه الأمور علـى مقدار حاجته وجب عليه بيع الزائد منها إذا توقف عليه الحج ، وكذلك إذا استغنى عن بعض الأشياء بعدما كان محـتاجا إليه ، فيجب بيعه إذا توقف عليه أداء الحج ، ولا تقصر أدلة الاستطاعة للحج عن شموله ، ومن ذلك حلي المرأة وثياب زينتها بعد أن يكبر سنها ، وتكون غير محتاجة إلى استعمالها ولبسها. المسألة 49 : إذا كانت للمكلف دار يملكها-بالفعل - صالحة لسكناه ، وقيمتها وافية بمقدار استطاعته للحج ، وكانت بيده دار أخرى موقوفة أو مستأجرة أو مستعارة ، مما يصح انطباقه عليه ، وهي صالحة لسكناه أيضا ، ووافية بحاجته ، ولا غضاضة ولا منقصة عليه إذا سكن قيها ، فالظاهر ثبوت الاستطاعة الشرعية له بملك الدار الاولى ، ووجوب الحج عليه بها ، فيجوز له أن يسكن الدار الموقوفة - ونحوها من المذكورات - ويبيع الدار المملوكة ويحج بثمنها، ويجوز له أن يستبقي الدار المملوكة فلا يبيعها . ويحج متسكّعا أو يقترض ما يحج به ، وإذا حج كذلك سقط عنه حج الإسلام بذلك ، وسيأتي ذكر هذا . وكذلك الحكم في المستثنيات الأخرى التي لاتباع في الحج، كما لاتباع في الـّدين، فإذا كانت لديه من كتب العلم أو من المستثنيات الأخرى المملوكة ما يكون مستطيعا بقيمته، وكان بيده منها من الموقوفات أو من المستأجرات والمستعارات ، أو من الموصى بها في سبل الخير ، أو من المتبرع به لهذه الوجوه ما يسد حاجته فيها ويتعارف لمثله ، ولا يوجب له مذلة ولا مهانة، تحققت له الاستطاعة بذلك ، ووجب عليه الحج – كما تقدم - . المسألة 50 : إذا كانت للمكلف دار مملوكة تكفيه لسكناه - كما تقدم -، وثمنها يفي باستطاعته للحج لو أنه باعها ، ولم تكن بيده دار أخرى موقوفة أو موصى بها للخيرات تصلح لسكتاه - كما في الفرض السابق -، ولكن وجود هذه الدار ممكن له ، بحيث إذا طلبها حصل عليها ، فالظاهر عدم ثبوت الاستطاعة له بذلك ، فلا يجب عليه الحج ، وكذلك الحكم قي نظائر الدار من المستثنيات إذا وجد فيها نظير هذا الفرض . المسألة51: إذا كانت للشخص دار مملوكة تصلح لسكناه ولا تزيد على حاجته في نوعها ، ولكتها تزيد على حاجته في قيمتها ، وإذا استبدل عنها داراً أخرى تصلح لسكناه وتليق بشأنه ايضاً كان التفاوت ما بين الدارين في القيمة وافيا باستطاعته للحج، ومثال ذلك، أنتكونله دار مملوكة تقع في الشارع المهم من البلد ، وقيمة الدار -من أجل ذلك- تبلغ عشرة آلاف دينار ، وإذا باعها بهذه القيمة أمكن له أن يشتري لنفسه مثل تلك الدار - في نوعها وفي كفايتها له ، ولياقتها بشأنه ، تقع في شارع آخر من البلد وقيمتها-من أجل ذلك -خمسة آلاف دينار ، والتفاوت ما بين الدارين في القيمة - وهو خمسة آلاف دينار - يفي باستطاعته للحج، فإذا كان بيع الدار الأولى وإبدالها بالثانية ممكناً للمكلف ولا عسر فيه ، فالظاهر صدق الاستطاعة بذلك ووجوب الحج عليه ، وإذا لم يمكن له ذلك ، أو كان عسراً حرجا لا تصدق الاستطاعة ولم يجب الحج . المسألة52: إذا ملك الشخص ما يكفيه لنفقة الحج من النقود والدراهممثلا، وكان محتاجا إلى صرف جميع ما لديه ، أو صرف بعضه في شراء دار يسكنها ، أو شراء بعض المستثنيات الأخرىالتي لابدّ له في حياته منها ، والتي يقع في العسر والضيق قي المعيشة بدونها، لم تصدق عليه الاستطاعة بذلك ، فقد تقدم ان الاستطاعة - كما دلت عليه الأدلة المعتبرة - هي السعة في المال والقوة واليسار فيه ، فلا يجب عليه الحج بما لديه من النفقة ، ويجوز له شراء الأعيان التي يحتاج إليها بذلك الحال. وإذا كانت لديه دار للسكنى ، أو كانت له بعض المستثنيات التي ذكرناها ، وباع تلك المستثنيات الموجودة عنده لم تصدق عليه الاستطاعة الحج بوجود أثمانها عنده ما دام محتاجا في حياته إلى مثل تلك المستثنيات ، سواء باعها بقصد أن يبدلها باعيان غيرها من تلك المستثنيات، فباع الدار ليشتري بثمنها دارا أو كتبًا ، وباع الكتب ليشتري بها داراً أو كتبا اخرى ، أم لم يقصد التبديل بسواها . المسألة53: إذا ملك الرجل مبلغاً من المال يكفيه لنفقة الحج ذهاباً وإياباً، وكان محتاجاً إلى الزواج ، فان هو صرف المبلغ الذي ملكه في الحج لم يتمكن من الزواج، وان صرفه في النكاح لم يستطع الحج، فإذا كانت حاجته إلى الزواج شديدة ، بحيث يقع في العسر أو في المرض بتركه ، فهو غير مستطيع للحج ، ويجب عليه صرف المال في التزويج ، وإذا كانت حاجته إلى الزواج لاتبلغ العسر أو الوقوع في المرض ، وجب عليه الحج وقدمه على النكاح . المسألة54: ذكر بعض الفقهاء (رضوان الله عليهم) الوقوع في الزنا، وعدّه من المحاذير التي توجب تقديم الزواج على الحج ، إذا دار الأمر بينهما في الفرض الآنف ذكره ، ولعل المراد خشية الوقوع في الزنا إذا هو قدّم الحج على الزواج وصرف المال فيه، فإن الزنا إذا ترك الزواج إنما يقع الشخص فيه باختياره وإرادته ، وهو غير مجبر ولا مقسور في فعله -كما هو واضح- وهو تامّ المسؤولية عن وقوعه - اذا وقع - وليس الحجّ من أسباب وقوعه ، ولا صرف المال فيه لتكون استطاعته للحج سببا لهذا الشيء الممنوع شرعا ، والممنوع شرعا كالممنوع عقلا-كما قال بعضهم -. نعم، قد يكون تقديم الحج على الزواج وصرف المال فيه سببا لخوف المكلف من الوقوع في الزنا ، وقد يشتد هذا الخوف ويتعقد ، فيكون موجباً للعسر والمشقة الشديدة ، أو للقلق والكبت وبعض الأمراض النفسانية الأخرى ، فالمدار في تقديم الزواج في الفرض المذكور على ذلك - كما بيّناه - . المسألة55: الظاهر من النصوص انه يعتبر في تحقق الاستطاعة الشرعية للحج أن يكون المكلف قادراً على الزاد والراحلة - بما بيّتا لهما من المعنى - أو على المال الذي يحصل به ذلك أو يحصّله بثمنه، وأن تكون قدرته على ما ذكر قدرة تامة فعليّة ، والمفهوم من ذلك : انه لابدّ من أن يكون المكلف مالكاً له ملكا فعليا ، ولابد من أن يكون متمكناً من إنفاقه في الحج تمكناً فعلياً ، فلا مانع له من صرفه وانفاقه فيه، ونتيجة لذلك ، فلا يكون المكلف مستطيعا للحج استطاعة شرعية إذا لم يكن مالكا له بالفعل ، وان كان قادرا على أن يتملكه بكسب ونحوه ، ولا يكون مستطيعا للحج استطاعة شرعية إذا كان له مانع عرفي أو شرعيمنأن يصرف المال الذي يملكه في الحج ، وان كان قادرا على رفع المانع ، فان ذلك من القدرة على أن يكون مستطيعا، وليس من الاستطاعة الفعلية التي دلت عليها النصوص، وجعلتها شرطا لوجوب الحج. المسألة56 : إذا لم يكن للمكلف ما يكفيه لنفقة الحج من أعيان ومنافع ، وكان له دين على أحد يكفيه لذلك لو أنه استوفاه من المدين ، أو هو يتم له نفقة الحج ، فللمسألة صور يختلف حكمها باختلاف فروضها.. الصورة الأولى: أن يكون دينه على الشخص حالاًّ قد حضر وقت وفائه، وأن يكون المدين عازماً على وفاء ما في ذمته غير مماطل فيه ، ولا ريب في وجوب قبضه على المكلف الدائن إذا دفعه المدين إليه ، ووجوب اقتضائه منه ومطالبته به إذا كان دفع الدين له محتاجاً إلى المطالبة به فقط، فهو مالك للمال، وقادر على التصرف فيه بالفعل، واستطاعته لذلك فعلّية. الصورة الثانية: أن يكون قد حضر وقت وفاء الديّن ويكون المدين مماطلاً في دفع الدين له ، أو يكون منكرًا له من أصله ، والظاهر عدم تحقق الاستطاعة الفعلية التي تقدّم ذكرها، وإن كان الدائن قادراً على إجبار الغريم على دفع الدين إذا كان مماطلاً، وقادراً على إثبات الدين عليه عند الحاكم إذا كان منكرا ، فان ذلك من القدرة على تحصيل الاستطاعة ، وليس من الاستطاعة الفعلية التي اعتبرتها النصوص في وجوب الحج . الصورة الثالثة: أن يكون الدين مؤجلا لم يحضر وقت الوفاء به ، ويكون الغريم غير عازم على وفاء الدين قبل حضور أجله ، ولا ريب في عدم تحقق الاستطاعة الفعلية بذلك ، فلا يجب عليه الحج. الصورة الرابعة: أن يكون دينه على الغريم مؤجلاً لم يحضر أجله ، ويكون المدين باذلاً للدين قبل أن يحل الأجل وإن لم يطلب الدائن منه الوفاء بالدين ، والظاهر تحقق الاستطاعة الفعلية بذلك للمكلف ، فيجب عليه الحج ، ولا يجوز له أن يمتنع عن قبض الدين إذا دفعه إليه على الاقوى، وان كان الدائن المكلف نفسه هو الذي اشترط على الغريم تأجيل الدين . الصورة الخامسة: أن يكون الدين مؤجلاً لم يحضر أجله، ويكون المدين عازماً على وفاء الدين قبل حضور أجله بشرط ان يطالبه الدائن به ، وإذا لم يطالبه به لم يدفعه إليه ، والظاهر عدم تحقق الاستطاعة الفعلية بذلك ، فلا تجب عليه المطالبة به ، فان ذلك من تحصيل الاستطاعة ، ولا يجب الحج عليه . المسألة57: لا تتحقق الاستطاعة الفعلية للحج في فروض المسألة المتقدمة إذا كان الشخص الذي عليه الدين مُعسِراً ، أو كان مماطلا ، لا يتمكّن الدائن المكلف من إجباره على دفع الدين ، أو كان منكراً لأصل الدين ، ولا يقدر الدائن على إثبات الحق عليه ، أو كان التخاصم معه يستلزم الحرج على الدائن . المسألة58: لا يكون الإنسان مستطيعا للحج إذا كان قادرا على أن يقترض ما يحج به، وان كان قادرا أيضا على وفاء القرض بسهولة ويسر ، فلا يجب عليه الاقتراض لذلك ، فإنه من تحصيل الاستطاعة وليس من الاستطاعة الفعلية ، ولا يجب عليه الاقتراض كذلك إذا كان له مال يكفيه لنفقة الحج ، ولكنه غائب عنه فلا يتمكن من صرفه بالفعل ، ولا يجب عليه الاقتراض إذا كان له مال حاضر لا راغب في شرائه ، فالمال الغائب لا يحقق له الاستطاعة بالفعل ، فإن المفروض عدم قدرة المكلف على إنفاقه في الحج ، وكذلك المال الحاضر في الصورة الاخيرة ، فان المفروض عدم راغبٍ فيه فالمال نفسه لا يمكنه من الحج به ولا ببدله ، والاقتراض في الصورتين إنما هو تملك مال آخر بعوض في الذمة وليس استبدالاً للمال الغائب أو الحاضر ، فهو -كما ذكرنا- تحصيل استطاعة ، فلا يكون واجباً على المكلف غير المستطيع. المسألة59: إذا اقترض المكلف مالاً يكفيه لنفقته في الحج ، أو يتمم له النفقة الموجودة عنده ، وكان قادرا ، على وفاء المبلغ الذي اقترضه إذا حلّ أجله ، ولا عسر عليه في ذلك تحققت له الإستطاعة الفعلية ووجب عليه الحج ، وكذلك إذا اشترى مالاً يكفيه لنفقة الحج وبقي الثمن في ذمته ، فإذا كان قادرا على وفاء الثمن عند حلول أجله بسهولة ويسر ، كان مستطيعا ، ووجب عليه الحج . المسألة60 : إذا كان الدين - الذي يملكه المكلف في ذمة غريمه - مما يصح بيعه، وكان ثمنه كافيا لنفقة الحج ، أو متمّماً لما عنده من نفقته ، ولا عسر عليه في ذلك ولا حرج ، وجب عليه بيع الدين والحج به ، وقد ذكرنا صور بيع الدين في المسألة الحادية عشرة من كتاب الَّدين ، وفي المسألة المائتين والتاسعة من كتاب التجارة ، وذكرنا ما يصح بيعه وما لا يصح من المال الذي اشتراه في بيع السلف في المسألة الأربعمائة والواحدة وما قبلها من كتاب التجارة. المسألة61: اذا ملك الشخص مقداراً من المال يكفيه لنفقة الحج ، وكان عليه دين لأحد من الناس ، فان كان الدين الذي في ذمته قد حل وقته وطالب الدائن بوفائه ، ولم يكن لدى المكلف المدين ما يفي به الدين غير ذلك المال ، كان الدين مانعاً من تحقق الاستطاعة ، فلا يجب عليه الحج . وكذلك إذا كان صرف المال الموجود لديه في الحج يوجب له العسر والضيق في تسديد الدين ، وان كان مؤجلاً لم يحضر ميعاد وفائه ، فلا يجب عليه الحج ايضاً ، وإذا كان صرف المال الموجود في الحج لا يسبّب له ضيقا في تسديد الدين ، لم يمنع وجود الدين المذكور عليه من تحقق الاستطاعة ووجوب الحج عليه ، سواء كان الدين حالاّ أم مؤجلاً. المسألة62: لا يختلف الحكم في الدين المانع عن تحقق الاستطاعة للمكلّف وعن وجوب الحج عليه في الفرضين الأولين من المسألة المتقدمة بين أن يكون الدين سابقاً على تملّكه لنفقة الحج وان يكون متأخراً عنه ، فلا يجب عليه الحج في الصورتين ، ويستثنى من ذلك ما إذا ملك النفقة حتى حضر أوان الحج ، ثم استدان بعد ذلك فان هذا الدين لا يمنع وجوب الحج عليه ، فيجب عليه أن يحج وان كان متسكعا . المسألة63: إذا ملك الانسان ما يكفيه لنفقة الحج ، واشتغلت ذمته بخمس أو بزكاة أو بغيرهما من الحقوق الشرعية جرى فيها حكم الدين الذي حل أجله وطالب به دائنه ،فتكون مانعة من وجوب الحج على المكلف إذا لم يكن له ما يفي به الحق الشرعي الذي اشتغلت به ذمته غير المال المذكور . وكذلك إذا كان الخمس أو الزكاة قد تعلق بعين المال الذي ملكه ، بحيث إذا أخرج الحق الشرعي منه لم يكفِه الباقي لنفقة الحج ، فيكونان مقدمين على الحج . وإذا كان الحج قد استقر وجوبه في ذمة المكلف من سنة سابقة ، وملك ما يكفيه لنفقة الحج في هذه السنة ، واشتغلت ذمته بالخمس أو الزكاة على النحو المتقدم ، ودار الأمر بين أن يحج بالمال فيؤدي الفرض الذي استقر في ذمته من الحج ، أو أن يصرفه في الخمس أو الزكاة فيؤدي الحق الذي اشتغلت به ذمته ، وجب عليه الأمران معا ، فيصرف المال في اداء الحق الشرعي، ويحجّ ولو ماشياً متسكعاً ، فإذا لم يمكنه القيام الا بأحد التكليفين ، احتمل التخيير بين الأمرين. واحتمل تقديم الدين . المسألة64: الظاهر أنه لا فرق في الحكم الذي بيّنّاه في المسألة الحادية والستين بين أن يكون الدين الذي في ذمة المكلف قصير المـدة وطويلها ، ولا بين أن يكون الدائن قد وعده بإبراء ذمته من الدين أو لم يعِدْه بذلك ، فالمدار في الحكم هو ما ذكرناه من وجود العسر والضيق على المكلف في إنفاق المال الموجود لديه في الحج وعدمه . نعم قد يمتد أجل الدين أعواماً كثيرة فيكون طولُ المدة موجباً لعدم الاهتمام بالدين عرفاً، فلا يكون صرفُ المالِ الحاضر في الحج سبباً لوقوع المكلف في عسرٍ أو ضيق ، وقد يكون وعد الدائن بإبراء ذمة الغريم من الدّين موجبا للوثوق بوعده ، فلا يقع الغريم في العسر إذا صرف ماله في الحج ، ولم يف به الدين . المسألة65: إذا اكتسب الانسان مقداراً من المال ، وشكّ في أنّ ما كسبه هل بلغ إلى حد الاستطاعة للحج أم لا ، ومثال ذلك: أن يعلم أن استطاعة مثله للحج تحصل بمبلغ خمسمائة دينار، ويشك في أن ما كسبه من المال هل يبلغ هذا المقدار أم لا؟، والاحوط لزوم الفحص عن ذلك. ومثله ما إذا اكتسب مبلغاً معلوماً من المال – وهو أربعمائة دينار مثلاً- وشك في أن هذا المبلغ المعين الذي اكتسبه هل تحصل به الاستطاعة المالية لمثله أم لا ، فلا يترك الاحتياط بلزوم الفحص. المسألة66: إذا استطاع المكلف الحج ووجب عليه ، وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الشرعية الواجبة ، وجب عليه إخراجها ولم يجز له تأخيرها مع الإمكان ، ويأثم إذا هو أخرها من غير عذر ، ولا يجوز له التصرف في المال الذي تعلق به الحق الشرعي في سفر الحج ولا غيره ، وإذا كانت ثياب إحرامه وطوافه وثمن هديه من ذلك المال لم يصح حجه، وسيأتي للمسألة مزيد بيان وتفصيل . المسألة67 : المال الغائب عن مالكه إذا كان المالك قادراً على التصرف فيه والإنفاق منه أو من ثمنه، بواسطة وكيله أو بواسطة مكالماته السلكيةأو اللاسلكية يكون بمنزلةالحاضر، فتتحقق به الاستطاعة الفعلية للحج ، وتحصل به الشروط المعتبرة في الاستطاعة من الإنفاق على من يعول به في مدة سفره، ومنالرجوع إلى كفاية بعد الحج، وتحصل به الآثار الأخرى في الحج وغيره،كماإذابذلمنهنفقةالحج لرجلحاضر أو غائب، ونحو ذلك من الآثار المتعلقة بالمال. وإذا كان المالك غير قادر على التصرف في المال والإنفاق منه لم تتحقق به الاستطاعة الفعلية للحج إذا لم يكن مستطيعا من وجه آخر، أو يصل المال إلى يده. المسألة68: إذا كان للمكلف مال غائب عنه يكفيه لنفقة الحج ، أو هو يتمم له ما بيده عن نفقة الحج ، وكان قادراً على التصرف فيه والانفاق -كما ذكرناه في المسألة المتقدمة-تحققت له الاستطاعة المالية للحج - كما قلنا - وجرت فيه أحكام مال الاستطاعة للحاضر ، فإذا تمّت له بقية شروط الاستطاعة والوجوب ، وحضر أوان الحج وتمكن من المسير ، ثم تلف المال، فإن كان التلف بتقصير من المالك استقر وجوب الحج في ذمته ، وان كان التلف يغير تقصير من المالك كشف ذلك عن عدم استطاعته ، ولم يستقر وجوب الحج عليه ، وإذا لم يتمكن المالك من التصرف في المال الغائب لم تتحقق به الاستطاعة كما تقدم ، وإذا تلف لم يستقر وجوب الحج على المالك ، سواء كان بتقصير منه أم بغير تقصير. المسألة69: إذا كان المكلف مالكا لأعيان ونقود تكفيه لنفقة الحج ،ونفقة عياله في سفره حتى يعود إليهم ، ولكن أعيان ماله في يد شخص آخر، فإن كان الشخص الآخر الذي بيده أعيان المال باذلاً له ماله متى أراد وغير ممتنع عنه ، فالمالك مستطيع يجب عليه الحج . وإن كان الشخص الذي بيده المال ممتنعا عن دفع المال إليه لم تتحقق له الاستطاعة ، وإن كان قادراً على استيفاء المال منه إذا رفع أمره إلى الحاكم الشرعي أو إلى غيره ، وكان قادراً على إثبات حقه إذا كان الرجل منكراً . المسألة70: إذا ملك المكلف من المال ما يكون به مستطيعاً لحج البيت إذا حضرت أيامه ، فالظاهر انه لا يحرم عليه التصرف في ماله المذكور قبل التمكن من المسير إلى الحج ، فإذا هو أتلف المال أو نقله عن ملكه إلى غيره قبل أن يحل أوان الحج انتفت بذلك استطاعته ، فلا يجب عليه الحج، بل الظاهر أنه يجوز له التصرف في المال حال التمكن من المسير إلى الحج وحلول أوانه ، وإن تحققت له الاستطاعة بذلك ووجب عليه الحج ، فإذا هو أتلف المال أو نقله عن ملكه بناقل شرعي بعد حضور أوان الحج والتمكـّن من المسير وجب عليه أن يحج ولو متسكـّعًا، أو خادما أو أجيراً مثلاً. نعم ، يحرم عليه أن يتصرف بمال الاستطاعة إذا توقّف إتيانه بفريضة الحج على وجود المال ، ولم يتمكن من الحج بغيره . المسألة71 : إذا كان المكلف مستطيعا للحج في الواقع ، وهو يعتقد أنه غير مستطيع فحجّ بنيّة الحج المندوب فإن قصد في حجه امتثال الأمر المتوجه إليه بالحج ، صح حجه وكفاه ما أتى به عن حج الإسلام الواجب عليه ، فانه قد قصد بنيته - على وجه الإجمال - كلا من الأمر المتعلق به بالفعل وهو الأمر الوجوبي ، والمأمور به المتعلق به بالفعل وهو حج الإسلام ، وإن تخيل أن الأمر هو الأمر الندبي ، وأن الحج هو الحج المندوب ، وذلك من الاشتباه في التطبيق ، وهو لا يضرّ بحصول الامتثال ، وان قصد في حجه امتثال الأمر الندبى-على وجه التقييد- صح حجّه ولم يكفِه عمّا في ذمّته من حج الإسلام ، وقد سبق نظير هذا في المسألة الثامنة والعشرين في حج الصبي . المسألة72 : لا يشترط في الاستطاعة المالية للحج أن يكون ملك المكلف للمال الذي يحج به ملكـًا لازمًا ، فيكفى فيها أن يكون مالكا له ملكا شرعياً ، ويمكنه أن يتصرف فيه وينفق منه لحاجته ، حتى يتم حجّه وان كان ملكه للمال متزلزلاً قابلا للفسخ ، فإذا صالح المكلـّف أحد بمالٍ يكفيه لنفقة الحج ، واشترط المصالح لنفسه خيار الفسخ إلى مدة معلومة ، ملك المكلف المال المصالح به وثبتت له الاستطاعة مع وجود الشروط ، نعم ، تبقى الاستطاعة مراعاة بعدم الفسخ من صاحب الخيار ، فإذا فسخ المصالحة كان ذلك كاشفاً عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر ، وكذلك إذا وهبه واهبٌ أجنبيّ عنه مالاً يكفيه للحج وأقبضه المال الموهوب فإنه يكون بذلك مستطيعاً ، وان جاز للواهب أن يرجع بما وهب مادامت العين موجودة ، وتكون استطاعته مراعاة بعدم فسخ الواهب ، كما سبق في نظيره ، فإذا تصرّف المكلف الموهوب له بالمال لزمت الهبة ولم يجز للواهب الفسخ -كما ذكرناه في كتاب الهبة -. ولا يبعد أن يكون التصرف في المال الموهوب واجبـًا على المكلف بعد تحقق الاستطاعة له ووجوب الحج عليه إذا انحصر في ذلك أداء الحج . المسألة73 : يعتبر في الاستطاعة المالية للحج أن يكون المكلف مالكا للمال الذي يحج به ملكاً لازماً أو متزلزلاً -كما قلنافيالمسألةالثانيةوالسبعين المتقدمة - ولاتتحقق الاستطاعة إذا أباح له مالك المال أن يتصرّف فيه كما يشاء ، سواء كانت الإباحة لازمة أم غير لازمة . ومثال الإباحة اللازمة أن يشترط المكلف على المالك في ضمن أحد العقود اللازمة بينهما أن يبيح له التصرّف في مبلغ معلوم من ماله ، فإذا أباح المالك له التصرّف في المبلغ وفاءًا بشرطه، وكان المبلغ يكفيه لنفقة الحجّ لم تثبت له الاستطاعة بذلك ، ولم يجب عليه الحج ما لم يملك ، المبلغ أو ما يعادله من وجهٍ آخر . المسألة74: الاستطاعة المالية هي أن يملك المال الذي يكفيه لنفقات سفره ونفقات حجّه ونفقات عَوده إلى وطنه - على الوجوه التي تقدم ذكرها -، وأن يكون متمكنـًا من التصرف في المال ، وأن يكون مال الاستطاعة باقيـًا في ملكه وفي نفوذ تصرّفه، حتى يتمّ حجّه ويعود إلى وطنه . فإذا تلف المال أو تلف بعضه ، أو سُرِق بعضه ، بحيث قصر الباقي منه عن الوفاء ببعض ما يحتاج إليه في الحجّ أو في العود ، وكان التلف بسبب غير اختياري للمكلف ، كشف ذلك عن عدم استطاعته من أول الأمر . وإذا كان التلف بعد حضور أوان الحجّ والتمكّن من المسير ، وكان المكلف عامداً فيه ، أو كان بقصيرٍ منه ، لم يزل حكم الاستطاعة عنه ، ولم يسقط عنه وجوب الحج واستقر في ذمته ، وسيأتي-إن شاء الله تعالى- ذكر مسائل وفروض تتـّصل بذلك وتتعلـّق به. المسألة75: إذا ملك المكلف ما يكفيه الحج ، وهو لا يعلم أن ما ملكه قد بلغ ذلك المقدار أم لا، ثم تلف المال بعد حضور أوان الحجّ وتمكـّنه من المسير ، فإن كان التلف بتقصير منه لم يسقط عنه وجوب الحج ، فإذا هو لم يحجّ في ذلك العام -ولو متسكعاً- استقرّ الحج في ذمته ، وإذا كان التلف بغير تقصيرٍ منه سقط الوجوب عنه لعدم بقاء الاستطاعة. وكذلك إذا ملك المال وهو غافل عن أنه قد ملك ما يكون به مستطيعًا ، وكانت غفلته مما لا يعذر فيها - لإهماله وعدم تحفظه - ثم تلف المال بعد التمكن من المسير إلى الحج ، فيجري فيه التفصيل المتقدم . ويشكل الحكم في من يملك المال في الواقع ، وهو يعتقد أنّ ماله لا يبلغ مقدار الاستطاعة، فهو لا يشكّ حتى يلزمه الاحتياط بالفحص عن استطاعته ، وفي من يكون غافلاً عن وجوب الاحتياط عند الشك بالفحص عن وجود الاستطاعة وعدمها- الذي ذكرناه في المسألة الخامسة والستين- أو يكون غافلا عن مقدار ما عنده من المال غفلة يعذر فيها، فلا يترك الاحتياط في جميع هذه الفروض ، وخصوصاً إذا كان تلف المال بعد مضيّ موسم الحج . المسألة76: إذا أوصى أحد للمكلف بمبلغ من المال يكفيه لنفقة الحج ثم مات الموصي ملك المكلف المال الموصى به بعد موته، وتحققت له الاستطاعة المالية ووجب عليه الحج ، إذا كانت بقية شروط الوجوب متوفرة ، ولم يتوقف ذلك على قبول الموصى له ولا على قبضه للمال ، وقد بيّنا في كتاب الوصيّة أن الوصية من الإيقاعات على الأقوى لا من العقود ، حتى إذا كانت تمليكية ، فلا تتوقف صحّتها على قبول الموصى له ، بل على قبض المال، وذكرنا هذا في المسألة التاسعة والمسألة السابعة عشرة والمسألة التاسعة عشرة من الكتاب المذكور، وأشرنا إليه في أول كتاب الزكاة وفي مواضع أخرى . المسألة77: قد استبان من مجموع ما تقدم: أن الحج يجب على المكلف إذا حصلت له الاستطاعة بالفعل ، ولا يجب عليه أن يحصّل الاستطاعة وإن كان قادراً على أن يحصّل المال باختياره ، فلا يحب على ذي الصنعة والحرفة أن يعمل في صنعته وحرفته حتى يجد المال ويحج به، وإذا احترف وامتهن فحصل بذلك على المال الكافي له وجب عليه الحج ، ولا يجب على المكلف أن يتـّجر فيربح ويستطيع ليحجّ ، ولكنه إذا فعل ذلك فربح واستطاع وجب عليه الحج ، ولا يجب عليه أن يستدين فيملك المال ويحج به ، وإذا استدان وملك المال الكافي وسهل عليه وفاء الدين استطاع بذلك ووجب عليه الحج ، ولا يجب عليه أن يستوهب من الآخرين مالاً ليحج به ، وإذا استوهب المال فاستطاع وجب عليه الحج ، وكذلك إذا وهب له أحد مبلغاً فلا يجب عليه أن يقبل الهبة ويقبضها، ولكنه إذا قبل الهبة وقبض المال وحصلت له الاستطاعة وجب عليه الحج ، وهكذا ، والفارق بين المعنيين واضح لا خفاء فيه. المسألة78 : وتحصل الاستطاعة المالية أيضا للمكلف إذا بذل له مالك المال من ماله ما يكفيه لنفقة الحجّ، وما يحتاج إليه في السفر ذهابا وعودا حتى يتمّ أعماله ويرجع إلى وطنه ، وما يحتاج إليه في الإنفاق على عياله وأهله حتى يعود إليهم ، فإذا قال له: حُجّ وعليّ جميع هذه النفقات التي تحتاج إليها في حجّك ، أو قال له: بذلت لك جميع نفقاتك لتحج بها ، أو عيّن مبلغاً من المال يكفيه لجميع ذلك ، وقال له: حج بهذا المال ، حصلت للمكلف الاستطاعة بهذا البذل ووجب عليه الحج ، وتسمى هذه بالاستطاعة البذلية ، ويسمى النوع السابق الذي تقدم ذكره في المسائل الماضية - الاستطاعة الملكية . ولا فرق - على الاقوى - في حصول الاستطاعة البذلية بين أن يكون بذل المالك ماله للمكلف على له سبيل التمليك له ليحج به ، وأن يكون على نحو الإباحة لهذه الغاية ، ولا فرق أيضا بين أن يبذل له عين الزاد والراحلة ، وأن يبذل له اثمانها وأعواضها ليشتريها أو يستأجرها ، ولا فرق كذلك بين أن يحصل الوثوق للمكلف ببذل الباذل وأن لا يحصل ، ويستثنى من ذلك ما إذا لم يثق المكلف ببذله للمال حتى أوجب عدم الوثوق خوفا للمكلف على نفسه إذا سافر اعتماداً على مثل هذا البذل ، فلا يجب عليه الحج في هذه الصورة لعدم حصول الاستطاعة في نظر العقلاء ، وكذلك إذا عُدّ السفر -اعتماداً عليه - تفريطاً من المكلف في أمر عياله . وإذا أوجب عدم الوثوق ببذل الباذل شكاً للمكلف في بقاء الاستطاعة البذلية وعدم بقائها ، ولم يوجب له خوفاً على نفسه عوّل على الأصول والطرق التي يتـّبعها العقلاء في أمثال ذلك ، كإصالة بقاء البذل ، وإصالة بقاء المال ، واصالة السّلامة ، واصالة الصحة ، كما يعوّل على هذه الطرق والأصول إذا شك في بقاء استطاعته الملكية سواء بسواء ، وإذا ظهر له خطأ هذه الطـرق التـي عوّل عليها ، فالمدار على الواقع في كلا الموردين ، والنصوص دالـّة -باطلاقها- على وجوب الحج في جميع ذلك، ما لم ينكشف الخلاف فيتبيّن له عدم الإستطاعة. المسألة79 : إذا ملك المكلف بعض نفقة الحج ، وبذل له أحد بقية ما يحتاج إليه لنفسه ولعياله حتى يعود إليهم أو بالعكس ، وجب عليه الحج وكانت استطاعته ملكية في بعضها وبذلية في بعضها الآخر ، وإذا بذل له نفقة الذهاب إلى الحج ، ولم يبذل له نفقة الرجوع، وكان المكلف لا يملك ذلك ، لم تتحقق له الاستطاعة ، ولم يجب عليه الحج ، وكذلك إذا بذل له نفقة الحج ذهاباً ورجوعاً ، ولم يبذل له نفقة عياله واجبي النفقة عليه أو الذين يلزمه الحرج إذا لم ينقق عليهم ، وكان المكلف لا يقدر على الإنفاق عليهم إذا سافر للحج عنهم ، فالظاهر عدم حصول الاستطاعة للمكلف بذلك ، وعدم وجوب الحج عليه . المسألة80: إذا بذل أحد للمكلف نفقة الحج -على الوجه الذي يجب به الحج- وكان المكلف مديناً ، لم يمنع الدّين من وجوب الحج عليه ، وان كان وقت الدين حاضراً ، بل وإن طالب به دائنه ، وإذا أمكن للمكلف أن يجمع بين الحجّ والتكسّب لوفاء الدين في البلد أو في أثناء سفره وجب عليه الجمع بينهما ، وإذا هو لم يقدر على الجمع بينهما ، وأمكن له -إذا هو لم يسافر إلى الحج- أن يتكسّب في البلد لوفاء الدّين ولو تدريجاً تعيّن عليه ذلك ، ولم يجب عليه الحج ببذل الباذل على الأقوى . المسألة81: إذا وهب أحد للمكلف مبلغاً من المال يكفيه لنفقة الحج ، ولم يذكر في هبته أنه إنما يهبه المال ليحج به ، لم يجب على المكلف قبول الهدية ، وقد ذكرنا في المسألة السابعة والسبعين أن هذا من تحصيل الاستطاعة الملكية للحج ، فلا يكون واجباً على المكلف ، وكذلك الحكم إذا وهب الواهب له مبلغاً من المال ، وجعل له الخيار في أن يحج به أو لا يحج ، فلا يجب على المكلف قبول الهبة ، وإذا قبل الهبة وقبض المال الموهوب حصلت له الاستطاعة الملكية ، ووجب عليه الحج عند اجتماع باقي الشروط . وإذا وهب له ما يكفيه للحج ليحجّ بهذا المال الموهوب وجب على المكلف قبول الهبة، وكان ذلك من بذل المال للحج، فيكون بها مستطيعاً للحج استطاعة بذلية ويجب عليه الحج، وقد تقدم أن الاستطاعة البذلية، منها ما يكون على سبيل الإباحة، ومنها ما يكون على وجه التمليك . المسألة82 : قد يقف الرجل بعض أملاكه على أن تدفع منافعه لأحد يحج بها البيت ، وقد يوصي المالك بان يصرف ثلث ماله بعد موته أو يصرف شيء منه في أن يحج به البيت ، وقد ينذر الشخص شيئاً من ماله أن يصرف في هذا السبيل ، فإذا وقف الواقف ماله كذلك وبذل متوليّ الوقف للمكلف من منافع الوقف ما يكفيه للحج ، حصلت له الاستطاعة البذلية بذلك ووجب عليه الحج . وكذلك إذا بذل له الوصيّ من ثلث الموصي في الفرض الثاني ، أو بذل له المالك من ماله المنذور في الفرض الأخير فيجب عليه الحج لتحقق البذل . المسألة83 : إذا أوصى شخص للمكلف من ثلث ماله بما يكفيه من النفقة ليحجّ بها ، ثم مات الموصي بعد الوصيّة وجب على المكلف الحج لتحققّ البذل بذلك . المسألة84 : إذا كان المكلف ممن يستحق الزكاة ، فدفع إليه المالك مقداراً من مال الزكاة يكفيه لنفقة الحج ، ونفقة عياله حتى يعود إليهم واشترط عليه أن يحج بها ، فلا أثر لهذا الشرط على الأقوى إذا كان المبلغ الذي دفعه إليه من سهم الفقراء ، ولا يكون بذلك من الاستطاعة البذلية ، ولا يجب على الفقير قبض المبلغ ، وإذا قبض المكلف الفقير مال الزكاة المذكور ، وأصبح به مستطيعا للحج استطاعة ملكية ، وتحقق له باقي شرائط الاستطاعة وشرائط الوجوب ، وجب عليه الحج. وكذلك الحكم إذا كان المكلف ممن يستحق الخمس ، ودفع إليه المالك ما يكفيه لنفقته ونفقة عياله من مال الخمس ، واشترط عليه أن يحج بالمال الذي دفعه إليه ، فلا ينفذ هذا الشرط ولا تحصل للمكلف الاستطاعة البذلية بذلك ، وإذا قبض المال وملكه وأصبح به مستطيعا استطاعة ملكية وجب عليه -مع اجتماع الشروط -. المسألة85 : ذكرنا في المسألة المائة والتاسعة والثلاثين من كتاب الخمس أنه لا يجوز أن يدفع إلى المستحق من الخمس ما يزيد على مؤنة السنة له ولعياله ، ومن أجل ذلك فقد يتوهم أحد أن هذا الحكم يقتضي المنع من أن يدفع له من الخمس ما يكفيه لنفقة الحج في ذهابه وإيابه مع نفقة عياله حتى يعود إليهم -كما قلنا في المسألة المتقدمة-. ولكننا قد أوضحنا كذلك في المسألة المائة والواحدة من كتاب الخمس : أن مصارف الإنسان في حجّه تعدّ من مؤونته في سنته إذا هو حج فيها ، وكان مجموع تكاليفه ونفقاته في الحج -بمقدار ما يتعارف له بحسب ما يليق بحاله ولا يزيد عليها- فلا تدافع ببن المسألتين. المسألة86 : إذا كان الشخص ممن يستحق الزكاة ، فدفع إليه مالك المال ما يكفيه للحج من سهم سبيل الله من زكاة ماله ، وشرط عليه أن يحج بالمال الذي دفعه إليه ، وقبل المستحق المال والشرط وجب عليه الحج ، ولم يجُز له أن يصرف المال الذي دفعه إليه في غير الحج ، وإن أشكل الحكم بصحة الشرط المذكور من المالك. المسألة87 : إذا بذل أحد نفقة الحج للإنسان فأتى المبذول له بالحج اجزأه ما أتى به عن حج الإسلام ، فإذا وجد الاستطاعة في ماله بعد أن حجّ ببذل غيره لم يجب عليه أن يحج مرة أخرى. المسألة88 : إذا بذلت للشخص نفقته -على الوجه الذي تقدم بيانه -وجب عليه الحج ، سواء كان الباذل للنفقة واحداً أم متعددًا، وسواء اشترك الباذلون في النفقة المبذولة فدفعوا له المبلغ الذي يكفيه وهو خمسمائة دينار مثلا ، أم اختص كل واحد منهم بجانب منها فبذل له أحد منهم نفقة الذهاب والآخر نفقة الرجوع ، أو بذل أحدهم له الزاد ، وبذل الثاني له الراحلة، وبذل الثالث نفقة عياله. ويجب الحج على المكلف ببذل الباذل ، سواء كان الباذل نفسه قد حجّ أم لم يحجّ، بل وان استقر وجوب الحج في ذهنه ولم يؤده بعد ، ولا يجوز له البذل إذا وجب عليه الحجّ وكان بذل المال للغير يوجب عدم قدرته على أداء الحج الواجب ، أو يوجب تأخير قدرته على الحج إلى العام المقبل مثلاً ، وهذا إذا كان قادراً في نفسه على أداء الفرض غير عاجز عنه لمرض أو كبر سنّ ونحو ذلك . المسألة89 : يجوز لمن بذل نفقة الحج لغيره أن يرجع ببذله قبل أن يتلبّس المكلف المبذول له في الإحرام، بل ويجوز له أن يرجع ببذله بعد أن يدخل المكلف في الإحرم - إذا لم يكن البذل واجباً على الباذل بنذر وشبهه -، وإذا رجع الباذل ببذله لم يجز للمكلف المبذول له ان يتصرف في المال بحج أو غيره . المسألة 90: إذا رجع الباذل بماله قبل أن يدخل المكلف المبذول له في الإحرام ، وكان قد سافر اعْتماداً على بذل المالك وأنفق في سفره بعض المال جاز له ان يرجع على الباذل بما أنفق في سفره إلى ذلك الموضع الذي وصل إليه في سفره ، وبما يحتاج إليه من النفقة في عوده من ذلك الموضع إلى وطنه ، فإن السفر والرجوع قد أوقعهما المكلف بأمر الباذل ، فيكون عليه ضمان نفقاتهما . المسألة91 : إذا رجع الباذل ببذله بعد ان أحرم المكلف بنسكه ، وكان المكلف غير مستطيع في ماله ، سقط عنه وجوب الحج ، لعدم الاستطاعة وجاز له العودة الى وطنه من ذلك الموضع ، وكان له أخذ نفقة ذهابه إلى ذلك الموضع ورجوعه منه إلى وطنه من الباذل -كما قلنا-، وإذا هو أتم حجه متسكعا أو أجيراً لم يكفه ذلك عن حج الإسلام . وإذا كان مستطيعا للحج من ذلك الموضع وجب عليه أن يستمر في إحرامه حتى يتّم نسكه ، ويكفيه ذلك عن حج الاسلام ، والظاهر أنه يجوز له أن يرجع بنفقة إتمام حجه وعوده على الباذل . المسألة 92 : إذا وهب أحد للمكلف مبلغا من المال ليحج به وقبل المكلف منه الهبة ، فالظاهر انـّه يجوز للواهب أن يرجع بهبته للمال قبل الاحرام وبعده ما لم تكن الهبة لذي رحم، أو يتصرف الموهوب له في المال تصرفا يغير به عين المال ، بحيث لا يكون معه المال قائما بعينه ، كما هو الحكم في مطلق الهبة . وإذا رجع الواهب بهبته جرت الاحكام التي ذكرناها في رجوع الباذل ببذله . المسألة93 : قد يبذل المالك نفقة الحج لشخص واحد معين، فتحصل له الاستطاعة -كما مر ذكره - ويجب عليه الحج ، وقد يبذل المال لاحد شخصين لا على وجه التعيين ، فيقول لعلي وجعفر مثلاً: بذلت هذا المبلغ لأحدكما يحج به ، وقد يكون بذله لأحد اشخاص ثلاثه أو أربعة أو أكثر على وجه يصدق معه أنه قد عرض الحج على أحدهم ، فإذا بذل المال لاحد الشخصين أو ألاشخاص كذلك وجب عليهم السبق الى قبض المال المبذول ، فإذا سبق أحدهم وقبض المال اختص به ، وتحققت له الاستطاعة البذلية ، ووجب عليه الحج وسقط التكليف عن الاخرين ، وإذا ترك الكل - مع تمكنهم جميعاً من السبق ومن قبض المال- استقر الحج عليهم جميعاً . المسألة94 : إذا كثرت الجماعة الذين بذل المالك نفقة الحج لواحد منهم لا على التعيين ، بحيث ان كثرتهم أوجبت عدم صدق عرض الحج في نظر أهل العرف ، أو أوجبت الشك في صدق ذلك وعدمه ، ومثال ذلك: ان يبذل الرجل نفقة الحج لأحد الأفراد الذين لم يحجّوا من أهل مدينة كربلاء ، أو من بنى تميم في البصرة ، فالظاهر عدم الوجوب ، إلا إذا سبق واحد منهم فقبض المال من الباذل ، فان الاستطاعة تحصل له بذلك ، ويجب عليه الحج . المسألة 95: ذبح الهدي في حج التمتع أو نحره أحد الواجبات الاختيارية في الحج ، ولذلك فلا يتحقق بذل نفقة الحج للمكلف حتى يبذل الباذل له ثمن الهدي -فيما يبذله من النفقة- ونتيجة لذلك فإذا بذل له نفقة الحج غير ثمن الهدي ، ولم يكن المكلف واجداً لثمنه لميجب عليه القبول، ولم يجب عليه الحج ، وان كان قادراً على صوم الأيام العشرة بدل الهدي ، وإذا كان المكلف مالكاً لثمن الهدي وبذل له الباذل باقي نفقات الحج وجب عليه، وكانت استطاعته مركبة من ملك وبذل، وليست بذلية خالصة، وقد أشرنا الى هذا في المسألة الثامنة والسبعين . المسألة96 : إذا وجب على المكلف المبذول له بعض الكفارات في حجه أو في عمرته فهو على المبذول له ، ولا يجب على الباذل منه شيء . المسألة97 : إذا بذل أحد للمكلف نفقه الحج على الوجه الذي تقدم بيانه وجب على المكلف أن يأتي من الحج بما هو وظيفته التي حددت له في شريعة الإسلام ، فإذا كان المبذول له من أهل الآفاق التي تبعد عن مكة بخمسة وأربعين ميلاً أو أكثر، وجب عليه ان يأتي بحج التمتع ، ولا يجب عليه إذا بذل له حج القران أو الإفراد، أو بذل له العمرة المفردة . واذا كان المبذول له من أهل مكة، أو ما يقرب منها- بما لايزيد على المقدار المذكور-وجب عليه أن يأتي بحج القران أو الإفراد ، ولا يجب عليه اذا بذل له حج التمتع، وسنذكر تحديد هذه الوظائف في مبحث أقسام الحج -ان شاء الله تعالى - . المسألة98: إذا كان المكلف قد أتى بالحج الواجب عليه في الاسلام ثم بذل له باذل نفقة الحج لم يجب عليه ان يحج مرة ثانية . المسألة99 : إذا استقر وجوب حجة الإسلام في ذمة المكلف ثم أعسر ، ولم يتمكن من أداء الفرض الذي وجب عليه حتى متسكعاً ، واصبح معذوراً في التأخير بسبب عدم تمكنه ، فإذا بذل له احد نفقة الحج وجب عليه ان يأتي بالحج الواجب عليه من قبل ، وبذل الباذل انما جدد له القدرة على امتثال ذلك الواجب بعد ان كان معذوراً في تأخيره. وكذلك الحكم إذا استقر وجوب الحج في ذمة المكلف بنذر أو عهد أو يمين ثم عجز عن امتثاله - كما تقدم - واصبح معذوراً عنه ، فإذا بذل له احد نفقة الحج وجب عليه ان يقوم بامتثال الأمر السابق لتجدد القدرة له بهذا البذل . المسألة100: إذا بذل أحد للإنسان مبلغا من المال ، وجعل له الخيار بين ان يحج بالمال وان يزور به الحسين (ع) -مثلا-، أو خيره بين الحج به والتزويج ، لم يجب على المبذول له القبول، ولم تحصل له بذلك الاستطاعة البذلية، فلا يجب عليه الحج ، وإذا قبل منه المال المبذول وتملكه- وكان المال وافيا بجميع ما يعتبر في الاستطاعة الملكية- وجب عليه الحج ، وقد تقدم نظير هذا في المسألة الحادية والثمانين. المسألة101: إذا قبض المكلف نفقة الحج من الباذل وسافر ليحج بها ، فسرق المبلغ منه في أثناء سفره ، أو غصب منه ، أو تلف بغير تفريط من المكلف ، زالت استطاعته ، وكشف ذلك عن عدم وجوب الحج عليه من أول الأمر ، إلا إذا تحققت له الاستطاعة بملك مال آخر ، أو ببذل باذل ، وإذا حصلت له الاستطاعة بملك مال آخر فلابد من وجود ما يعتبر فيها من الرجوع الى كفاية بعد الحج . المسألة102 : إذا رجع الباذل ببذله - كما تقدم ذكره في بعض المسائل المتقدمة - وكان المكلف مستطيعاً للحج- ولو من الموضع الذي رجع فيه المالك بالبذل- وكان رجوعه قبل إحرام المكلف ، وجب عليه أن يحرم بالحج ويتم أعماله ، سواء كانت استطاعته بالملك من حين البذل ، أم بمال حصل له قبل الإحرام ، أم ببذل باذل آخر ، فيجب عليه أن يحرم بالحج في جميع هذه الصور ، ويكون حجه هو حج الاسلام ، وإذا كانت استطاعته بالملك فلا بد فيها من الرجوع إلى كفاية - كما سيأتي ذ كره - . وإذا رجع الباذل ببذله بعد إحرام المكلف بالحج ، فإن كانت استطاعته لإتمام الحج موجودة من حين حصول البذل ، أو بمال حصل له قبل الإحرام ، وجب عليه إتمام الحج ، وكفاه عن حج الإسلام ، وإذا حصلت له الاستطاعة لإتمام الحج من ذلك الموضع بمال حصل له بعد الإحرام ، أشكل الحكم بوجوب الإتمام عليه ، وبكفاية ذلك عن حج الإسلام ، وتراجع المسألة التسعون وما بعدها . المسألة103: إذا بذل المالك للمكلف مقداراً من المال ليحج به ، وتخيل أن المقدار المبذول يكفيه للنفقة ، ثم استبان له عدم وفائه بذلك ، فإن كان البذل واجبا على الباذل بنذر وشبهه وجب عليه ان يتم بذل النفقة ، وإذا كان البذل غير واجب عليه لم يجب عليه ان يتم النفقة للمكلف ، فإذا هو لم يتم النفقة له لم تتحقق له الاستطاعة البذلية ، وجرت عليه الأحكام التى ذكرناها في رجوع الباذل ببذله في المسائل السابقة . المسألة104 : إذا بذل الباذل للمكلف مالاً معيناً ليحجّ به ، وبعد ان أتم المكلف حجّه ظهر له أن المال المبذول له كان مغصوبا ، لم يجزه ما اتى به عن حج الاسلام ، وجاز لمالك المال أن يرجع بمثل ماله المغصوب منه أو بقيمته على الشخص الباذل ، وله أن يرجع به على المكلف المبذول له ، فإذا رجع المالك به على الباذل لم يكن للباذل أن يرجع بغرامته على المكلف المبذول له ، وإذا رجع به على المبذول له جاز له - إذا كان جاهلا بالغصب - أن يرجع بغرامته على الباذل ، لانه مغرور من قبله ، ويشكل الحكم بجواز رجوعه على الباذل إذا كان عالماً بأن المال مغصوب . المسألة105: إذا قال الباذل للمكلف: اقترض لنفسك مبلغا من المال وحج به ، وعليّ وفاء القرض ، لم يجب على المكلف ان يقترض ويحج بمال القرض بمجرد هذا القول ، ولا يعد هذا من البذل الذي تحصل به الاستطاعة ، وإذا اقترض المكلف اعتماداً على هذا الوعد من الرجل ، وكان المبلغ الذي استدانه مما تتحقق به الاستطاعة الملكية ، وجب عليه الحج ، واعتبر في استطاعته ان يرجع بعد الحج الى كفاية . إذا قال له : اقترض لي مبلغاً من المال وحج به كان ذلك توكيلا له في الاقتراض، ولم يجب على المكلف ان يقترض المبلغ ، ولكنه إذا عمل بالوكالة قاقترض المال للباذل تحققت له الاستطاعة البذلية ، ووجب عليه ان يحجّ بالمال ، وأجزاه ذلك عن حج الاسلام. المسألة 106: يستفاد من ظاهر قوله -سبحانه -: (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا) ، أن نفس القصد إلى البيت المعظم والسعي اليه واجب على من استطاع اليه سبيلا ، فالآية الكريمة دالة على ان القصد الى البيت واجب نفسي كبقية أعمال الحج ، ولا موجب لرفع اليد عن هذا الظاهر ، ولذلك فلابد من التعبد بنفس القصد الى البيت من حين إحرام المكلف من الميقات ، ولا يكفى ان يقع من المكلف على وجه ينافي التقرّب ، كما إذا أوقعه على وجه الحرام ، أو على نحو الرياء أو السمعة ، بل ولا على نحو الغفلة أو القهر . ولا ينافي ذلك أن ينضم الى داعي التقرب بقصد البيت داع آخر كالتجارة ، واجارة نفسه للخدمة والعمل للتكسب ، على نحو يكون كل من قصد القربة والقصد الآخر داعياً مستقلا بنفسه صالحا للدعوة ، ولا يكون التقرب بقصد البيت تبعيا ، كسائر الضمائم التي لا تنافي القربة ، وقد ذكرناها قي مبحث النية من الوضوء والغسل وغيرهما من العبادات . ولا يستفاد من الآية الكريمة اكثر من وجوب ذلك تكليفاً، فلا يبطل الحج إذا كان القصد من المكلف على غير وجه القربة . المسألة107: إذا آجر المكلف نفسه للخدمة، أو للسياقة، أو للطبخ في طريقالحج ، أو لعمل صحى يقوم به في أثناء السفر أو لغير ذلك ، بأجرة يكون بها مستطيعا للحج ، وكانت إجارته على نحو لا ينافي قصد التقرب في مسيره الى حج البيت -كما بيّنا في المسألة المتقدمة- تحققت له الاستطاعة بذلك ، ووجب عليه الحج وأجزأه فعله عن حج الاسلام . ويجوز للمكلف المستطيع في ماله ان يؤجر نفسه لبعض الأعمال الآنف ذكرها وهو في طريق الحج ،اذا كانت إجارته على الوجه المتقدم ذكره ، ويجزيه ذلك في أداء الفرض. المسألة108: إذا طلب من المكلف غير المستطيع أن يؤجر نفسه للخدمة أو للسياقة أو لأي عمل أخر ، وبذل له من الأجرة ما يكون به مستطيعاً للحج ، لم يجب عليه قبول ذلك ، ولا يكون به مستطيعاً ، وإذا وقعت الإجارة بينه وبين المستأجر على ذلك ، وحصل الايجاب والقبول ، ملك المكلف الأجرة ، وتحققت له بها الاستطاعة -كما بيّناه -واذا كان يملك سيارة أو يملك عبداً أو دابة أو غيرها ، وكانت منفعة الشيء المملوك وافية باستطاعته ، وجب عليه ان يؤجره ويحج بمال اجارته . المسألة 109: يجوز للمكلف غير المستطيع أن يؤجر نفسه ليحج نائبا عن غيره ، ولا يكفيه ذلك عن حج الاسلام لنفسه ، فإذا استطاع بعد ذلك ، بملك أو ببذل وجب عليه الحج ، وكذلك إذا حج عن غيره تبرّعا ، أو حج عن نفسه وهو غير مستطيع ، فلا يجزيه ذلك عن حج الاسلام . المسألة110: إذا آجر الإنسان نفسه ليحج نائباً عن غيره، وكان مال الاجارة المدفوع إليه كافيا فـي استطاعة الحج لنفسه ، حصلت لـه الاستطاعة المالية بذلك ، فإن علم أو ظهر - ولو بواسطة القرائن الحافة - أن المقصود من إجارته ان يحج عن المنوب عنه في السنة الأولى، وجب عليه ان يقدم حج النيابة في تلك السنة ، فإن بقيت استطاعته الى العام المقبل وجب عليه الحج لنفسه ، وإن ذهبت استطاعته سقط عنه وجوب الحج ، وإن علم أو ظهر من القرائن ان المقصود من الإجارة أن يحج عن المنوب عنه، ولو في غيرالسنة الاولى، قدّم حجه لنفسه في السنة الاولى ، واذا كان صرف المال في الحج لنفسه يوجب عجزه عن الإتيان بالحج عن المنوب عنه لم يجز له تقديم حج نفسه . المسألة111 : يشترط في تحقق الاستطاعة للمكلف أن يوجد لديه ما يكفيه لمؤونة عياله في مدة سفره للحج حتى يعود اليهم ، زائداً على نفقته في الذهاب والإياب ، ويراد بالعيال هنا من تكفل الانسان به والتزم بالانفاق عليه ، بحيث أصبح ممن يلزمه العسر والحرج إذا هو لم ينفق عليه ، وان كان غير واجب النفقة عليه في الشريعة ، كالأخ والاخت الصغيرين أو الكبيرين ، والقريب واليتيم ، بل والأجنبي الذي التزم بمؤونته وكان له الشأن الذي تقدم ذكره، فإذا لم يكن لدى المكلف ما يكفيه لمؤونتهم لم تحصل الاستطاعة ولم يجب عليه الحج ، وهذا الشرط يعتبر قي وجود الاستطاعة سواء كانت بملك المال أم ببذل الباذل . المسألة112: قد يعتاد بعض الناس على أن يكون له أضياف قليلون أو كثيرون ينفق من ماله في ضيافتهم وتكريمهم ، ويصبح ذلك له من العادات المستمرة المستقرة التي يقع في العسر والحرج إذا تركها ولم يقم بها ، والظاهر إلحاق هؤلاء الضيوف بالعيال في الحكم المذكور، فيعتبر في استطاعة هذا المكلف أن يكون له ما يفي بنفقات ضيافتهم ، إذا كان تركها يوجب له العسر والحرج كما ذكرنا ، سواء كان الضيوف ممن يفدون عليه في أثناء سفره إلى الحج أم ممن يقصدون منزله في وطنه وهو غائب ، إذا كان ذلك من شأنه وعادته . وكذلك الحكم في مصانعاته وجوائزه التي اعتاد أن يجريها لبعض الناس ، بحيث يلزمه العسر إذا قطعها ولم يقم بها ، ولا يعتبر ذلك في من لم يستقر له مثل هذا الاعتياد من الناس ولم يحصل له الشرط المذكور . المسألة113: يشترط في استطاعة المكلف للحج -زائداً على جميع ما تقدم ذكره- أن تكون له وسيلة مهيأة لتعيشه والإنفاق على نفسه وعلى عياله بعد رجوعه من سفر الحج ، بحيث لا يقع في ضيق أو حرج من أمره ، سواء كانت الوسيلة التي يرجع إليها مالا ، أم تجارة ، أم زراعة ، أم عقاراً يؤجره ، أم أرضا ، أم بستانا يستثمره ، أم صناعة وعملا يحترف به ، أم أي وسيلة أخرى تناسب شأنه وتسد حاجته ، فلا تحصل له الاستطاعة ، ولا يجب عليه الحج إذا ملك نفقة الحج له ونفقة عياله أيام سفره ، ولم تكن له وسيلة يعتمد عليها في معيشته والنفقة على عياله بعد رجوعه من الحج. المسألة114: يعتـبر وجـود الشرط الآنف ذكره في استطاعة الإنسان للحج إذا كانت بالملك ، ولا يعتبر وجوده في الاستطاعة التي تحصل بالبذل ، فإذا كان المكلف غير مستطيع فيما يملك ، وبذل له أحد نفقته للحج في الذهاب والإياب ونفقة عياله حتى يرجع إليهم وجب عليه الحج ، وإن لم يكـن له شيء يعتمد عليه في تعيشه بعد عودته من السفر من مال أو حرفة . ويستثنى من ذلك ما إذا كان سفره -مع عدم رجوعه إلى كفاية- يوجب له العسر والحرج ، فلا يجب عليه الحج ، وان كانت استطاعته ببذل أحد من الناس. وإذا ملك الإنسان بعض نفقة الحج ، وبذل له الباذل باقي النفقة - فكانت استطاعته مركبة من ملك وبذل - فالظاهر اعتبار الشرط المذكور فيها ، فلا تحصل له الاستطاعة ، ولا يجب عليه الحج حتى يكون ممن يرجع بعد سفره إلى كفاية ، وقد أشرنا إلى هذا في المسائل المتقدمة . المسألة 115 : يكفي -في حصول الشرط الآنف ذكره أن تكون للمكلف وجاهة وشرف بين الناس يتمكن بواسطتهما من مزاولة الأعمال وإجراء المعاملات بمضاربة ونحوها ، وتحصيل الرزق بذلك ، وإن لم يكن ذا مال أو حرفة يتكسب بهما بعد رجوعه ، ويكفي لمن يكون من شأنه أن يتعيش من الحقوق الشرعية ، أو من الخيرات والمبرات ، أن يتهيّا له ذلك بعد رجوعه من سفر الحج ، فإذا ملك الرجل مقدار نفقته للحج ونفقة عياله حتى يعود إليهم ، وكان ممن يتهيأ له التعيّش من تلك الأسباب والأبواب بعد عودته ، فقد حصل له شرط الاستطاعة ، ووجب عليه الحج. المسألة116: إذا كان الرجل ذا حرفة يعوّل عليها في كسب رزقه كالبناء والنجار والحلاق والخياط ، وحصل له من منافع حرفته مبلغ من المال يكفيه لنفقة الحج ولنفقة عياله حتى يعود إليهم ، أو حصل له ذلك من ميراث دخل عليه ، أو من بعض الأسباب الأخرى، كان بذلك مستطيعاً ووجب عليه الحج ، وكفته حرفته التي يمتهنها في حصول شرط الاستطاعة الآنف ذكره ، فهو يرجع -بسبب حرفته- إلى كفاية ، وكذلك من تكون وسيلته في المعيشة أن يؤجّر نفسه للنيابة عن الموتى في الصلاة والصيام والحج ، فيكتسب بذلك رزقه ، ومن تكون له حرفة وضيعة كالخادم والحمال وأصحاب الحرف الدنيئة . وإذا علم صاحب الحرفة أنه بعد رجوعه من سفر الحج -يكون عاجزا عن مزاولة حرفته واكتساب الرزق بها ، ولم تكن له وسيلة أخرى يعوّل عليها ، كان فاقداً لشرط الاستطاعة ، فلا يجب عليه الحج إذا ملك النفقة . المسألة117 : إذا ملكت الزوجة نفقة ذهابها إلى الحج ورجوعها وما تحتاج إليه في سفرها كانت مستطيعة للحج ووجب عليها ، ويكفيها في حصول شرط الاستطاعة المتقدم ذكره أن يكون زوجها باذلا لها نفقتها بعد رجوعها من سفر الحج ، فهي بذلك ممن يرجع إلى كفاية ، وإن كان الزوج فقيراً غير موسر ، وكذلك الحكم في الأب الفقير إذا اتفق له نظير هذا الفرض ، وكان ولده باذلا له نفقته بعد الرجوع ، ومثله الولد الفقير إذا جرى له مثل ذلك وكان أبوه باذلا لنفقته. بل وكذلك حكم غير هؤلاء من العيال المكفولين لغيرهم ، إذا اتفق لهم نظير الفرض المتقدم ، فملك أحدهم نفقة الحج للذهاب والإياب وكان يطمئن بأن كافله يقوم بالإنفاق عليه بعد الرجوع من الحج ، وان كان غير واجب النفقة عليه شرعاً . المسألة118 : إذا كان الشخص ممن لا يقدر على الكسب اللائق بحاله وبشرفه ، وعلى اتخاذ الوسيلة لتحصيل رزقه ، إلا إذا كان له رأس مال يتجر به ، أو يشتري به آلات وأدوات يحتاج إليها في حرفته أو صناعته أو زراعته ، اشترط في استطاعته للحج أن يكون مالكـًا لرأس المال المذكور، ليكون ممن يرجع بعد سفر حجه إلى كفاية ، وممن يجد الوسيلة التي يكفل بها تحصيل رزقه . المسألة119: يكفي في وجود الشرط المذكور الاستطاعة المكلف أن تكون له حرفة ووسيلة تكفيه في المعيشة يتـّخذها بعد عوده من سفره ، وان لم تكن مثل حرفته الأولى أو أرفع منها ، بل وان كانت أحط منها ، إذا كانت مما تليق بشأنه ، ولا توجب له عسرا ولا مشقة. المسألة120: إذا وجد الإنسان الاستطاعة المالية للحج ، وتمت له شروطها ونواحيها، وجب عليه حج البيت ، ولا يتعيّن عليه أن يكون حجّه من ماله ، فإذا حجّ بنفقة غيره ، أو حج متسكعًا ، أو متضيّفـًا عند الناس حتى أتّم أعماله ، صحّ حجه وكفاه في أداء الفرض . المسألة121 : . إذا غصب الإنسان المستطيع في ماله مالاً لغيره وحج به ، فإن هو أجرى المعاملات في شراء الزاد والراحلة أو استئجارها ، وفي شراء ما يحتاج إليه من النفقات والأدواتوالآلات بأعواض فيالذمة-كما هو المتعارف في المعاملات الدارجة بين الناس - ثم دفع الأعواض التي جرت عليها المعاملات من المال المغصوب ، صح حجه ظاهراً ، وإن كان آثما في تصرفه بمال الغير ، واشتغلت ذمته بمثل المال أو قيمته للمالك المغصوب منه . وان هو أوقع المعاملات في شراء أعيان النفقة واستئجارها بعين المال المغصوب كانتالمعاملات باطلة ، ولم يصح حجه إذا هو أحرم وطاف بالثوب المشترى بالمال المغصوب ، وذبح في حجه الهدي المشترى به، وأثم وعصى في جميع أعماله وتصرفاته التي أوقعها على المال، وعلى الأعواض التي أخذها من أهلها بدلا عن المال، وفي سفره إلى البيت على الراحلة أو السيارة المشتراة أو المستأجرة بعين المال المغصوب، وفي جميع تنقله عليها، وفي السكنى والإقامة في البيوت والمنازل المستأجرة به، وهكذا ، مع ضمانه للمال الذي أتلفه، والاعواض التي جرت يده عليها . المسألة122 : يشترط في وجوب الحج على الإنسان أن يكون مستطيعا للإتيان بالحجّ استطاعة بدنية ، فإذا كان مريضا لا يقدر لمرضه على السفر إلى الحج، حتى راكبا في سيارة أو طائرة أو نحوها ، لم يجب عليه الحج ، وكذلك إذا كان سفره -وهو مريض- يوجب له الحرج والمشقة التي لا تتحمل عادة ، فلا يجب عليه الحج ، فإذا زال عنه المرض المانع في العام المقبل ، وبقيت له استطاعته المالية وجب عليه الحج ، وكذلك إذا ذهبت استطاعته ثم تجدّدت. وبحكم المرض غيره من العوارض التي تطرأ على الإنسان في بدنه كالضعف الشديد الذي لا يتمكن معه من السفر وأداء المناسك ، أو يكون السفر معه موجبا للعسر والحرج ، فإذا عرض له ذلك في سنة استطاعته المالية لم يجب عليه الحج ، وإذا ارتفع العارض ووجدت الاستطاعة بعد ذلك وجب عليه . المسألة123: إذا استقرّ وجوب الحج في ذمة الإنسان استقراراً تاما - على ما تقدمت الإشارة إليه وسيأتي تفصيله - ، ثم عرض له بعد استقرار الوجوب عليه عارض لا يقدر معه على امتثال الواجب المستقر في ذمته ، ولا يُرجا زواله عنه ، كمرضٍ لازم، أو كِبَر سنّ أو شلل أو زمانة ، أو ضعف شديد لا يرجا البرء منه ، سقط عنه وجوب مباشرة الامتثال بنفسه ، ووجب عليه أن يستنيب من يحج عنه ، وكذلك إذا كان العارض الذي عرض له يوجب له العسر والحرج في مباشرة أداء الحج بنفسه ولا يرجا زواله ، فيسقط عنه وجوب المباشرة وتجب عليه الاستنابة ، وسنتعرض - إن شاء الله تعالى- فيما يأتي لتوضيح هذا المجمل ، وتبيان مسائل تتعلق به وفروض تتفرع عليه ، وتراجع المسالة المائة والثالثة والستون في بيان المراد من وصفنا للعذر بأنه مما لا يرجا زواله . المسألة124 : إذا ملك المكلف نفقة الحج ، وعرض له في عام استطاعته عارض لا يتمكن معه من مباشرة الحج بنفسه ، ولا يرجا زوال ذلك العارض عنه - كما ذكرنا في المسالة المتقدمة - سقط عنه وجوب المباشرة ، ولا يترك الاحتياط بالإستنابة ، وكذلك إذا كان العارض يوجب له العسر والحرج في المباشرة ، فيلزمه الاحتياط بالإستنابة ويسقط عنه وجوب المباشرة. المسألة125 : إذا عرض للمكلف الذي استطاع الحج في عامه عارض في بدنه من مرض أو كبر سن او عذر أخر، واحتاج في سفره إلى الحج من اجل ذلك العارض إلى الركوب في سيارة مريحة من نوع مخصوص ، او في طائرة ونحو ذلك ، وهو لا يجد من المال ما يكفيه لذلك ، لم يجب عليه الحج ، وكذلك إذا احتاج - لمرضه - إلى خادم يصحبه في سفره وهو لا يجد ما يكفيه من المال لذلك ، فلا يجب عليه الحج ، أما للعذر المانع في بدنه -كما في المسالة السابقة- ، وأما لعدم استطاعته مالاً. المسألة126 : يشترط في وجوب الحج على الإنسان أن يكون مستطيعا للإتيان بالحج من حيث الزمان، ويراد من ذلك أن يكون الوقت متّسعا لسفر المكلف إلى الحج ، وللإتيان بجميع أفعاله في مواضعها وأوقاتها المعيّنة لها في الشريعة ، فإذا لم توجد له الاستطاعة المالية إلاّ في وقت يضيق عن ذلك ولا يتّسع له ، لم يجب عليه الحج في ذلك العام ، وكذلك إذا لم تحصل له الاستطاعة المالية إلا في وقت يكون السفر فيه للحج لتضيّقه موجباً للعسر والحرج الذي لا يتحمّل عادة ، فلا يجب عليه في ذلك العام ، فان بقيت استطاعته إلى العام المقبل وجب عليه الحج ، وان ذهبت الاستطاعة لم يجب. المسألة127 : يشترط في وجوب الحج على الإنسان أن يكون مستطيعاً له من حيث تخلية السرب ، وعدم المانع فيه ، والسرب: هو الطريق الذي يسلكه المكلف في سفره إلى البيت، فيعتبر أن لا يكون طريقه ممنوعا لا يمكنه السفر فيه إلى الغاية المقصودة ، سواء كان المنع خاصاً بالمكلـّف أم عاماً له ولغيره ، وكذلك الحكم إذا كان الطريق غير مأمون فيخاف الشخص في سلوكه على نفسه، أو على بدنه، أو على عرضه او على ماله أو على بعض من يتعلّق به ويهمّه أمره ، فإذا لم يمكنه السفر لوجود ما يمنعه من السفر في الطريق أو للخوف وعدم الأمن فيه فهو غير مخلّى السرب ، ولا يجب عليه الحج . وإذا استطاع السفر في طريق آخر لا خوف ولا منع فيه وجب عليه الحج منه ، وإن كان أبعد شقّة وأكثر مؤنة ، إلا إذا قصرت استطاعته المالية عن ذلك ، فلا يجب لعدم الاستطاعة . المسألة128 : الاستطاعة من حيث تخلية السرب والأمن فيه شرط واقعي لوجوب الحج علىالمكلف -كمايظهر منالأدلة المعتبرة في المسالة- وخوف المكلف من سلوك الطريق على ماله أو على عرضه إنَّما هو إمارة على أنه غير مأمون ، وأنّ المكلف غير مخلّى السرب- كما اشترط في الأدلة- فإذا خاف على ماله أو على عرضه من سلوك الطريق، وترك الحج في عامه من أجل ذلك كانمعذوراً في تركه بحسب الظاهر، لوجود الإمارة الدالة وهي الخوف، وإذا تبيّن له بعد ذلك انه لا خوف عليه في السفر ، وأنه مخلّى السرب في الواقع ، استقرّ وجوب الحج في ذمته على الأقوى ، لتحقق شرط الوجرب في الواقع ، ووجب عليه أن يحج ولو متسكـّعا . وكذلك الحكم على الاحوط إذا خاف على نفسه من التلف إذا هو سلك الطريق ، فإذا تبين له بعد ذلك أنه لا خوف عليه استقر وجوب الحج في ذمته –كما تقدم-، وان كان السفر محرما عليه في هذه الصورة ، فإن الحرمة فيها ناشئة من جهل المكلف بالأمر الواقع ، فلا تكون نافية للإستطاعة ، وإن قلنا بان الحرمة تنفي الإستطاعة . المسألة129 : إذا استطاع الشخص أن يحجّ البيت من طريق طويل ، يدور فيه في عدة بلاد أو عدة قارّات ثم يصل منها إلى مكة ويؤدي الفريضة، ووجد الاستطاعة التامة لذلك ، من حيث المال ،ومن حيث صحة البدن ومن حيث اتساع الوقت، ومن حيث الأمانة وتخلية السرب ، ومثال ذلك أن يتوقف حج المسلم التركي للبيت على أن يسافر الى عدة بلاد من الغربويطوففيعدة أقطار أو قارات أخرى يتنقل ما بينها حتى يصل إلى مكة ويحقّق الغاية، فإذا هو استطاع ذلك من حيث المال واجتمعت له نواحي الاستطاعة الأخرى ، وجب عليه الحج وان كان له طريق أخر اقرب منه ولكن السفر فيه ممنوع ، أو غير مأمون لبعض الجهات التي توجب الخطر أو الخوف. المسألة130: إنما يكون خوف الشخص على ذهاب ماله في الطريق مخلاّ بشرط الاستطاعة إذا كان ذهاب ذلك المال مما يضر بحاله ، بحيث يعدّ -مع خوفه وعدم أمنه على ذلك المال- غير مخلّى السرب في نظر العقلاء وان كان غير مال استطاعته ، ولا يضرّ إذا كان المال الذي يخشى ذهابه قليلاً لا يضر تلفه بحاله ، ولا يصدق مع خوفه عليه انه غير مخلى السرب . ولا يضرّ بأمن الطريق أن يتعرض له عدوّ فيه ببعض الحركات والأفعال التي تزعجه أو تزعج بعض متعلّقيه ، إذا كان آمنا من وقوع محاذير ومخاوف لا تتحمل عليه أو على من يعنيه أمره . المسألة131 : إذا كان الإنسان ممن يستطيع الحجّ ، وكان سفره عن بلده الى الحج يستلزم تلف مال له في البلد غير مال استطاعته ، وكان تلف ذلك المال يوجب له عُسراً او حَرجَاً ، او يوجب له ضرراً يعتد به ، أو كان سفره يستلزم حدوث ضرر له في نفس أو بضع ، لم يجب عليه الحج . المسألة132: إذا نذر المكلف أن يزور الحسين (ع) في يوم عرفة من هذه السنة ، وكان غير مستطيع للحج في حال نذره ، ثم وجدت له الاستطاعة المالية للحج بعد النذر وقبل حلول أوان الحج ، انعقد نذره على الأقوى ، ووجب عليه أن يزور الحسين (ع) في اليوم المعيّن، ولم تتحقق له استطاعة الحج بمجرد حصول نفقته ، فلا يجب عليه الحج. وكذلك الحكم إذا نذر أن يزور الحسين (ع) في يوم عرفة من كل سنة ، وكان حين نذره ، غير مستطيع للحج ، فينعقد نذره ويجب عليه الوفاء به فيزور الحسين (ح) في اليوم المعيّن من كل عام ، فإذا اتفق أن وجدت له الاستطاعة المالية للحج في بعض السنين لم تتحقق له الاستطاعة بمجرد ذلك ، ولم يجب عليه الحج ، لسبق النذر واشتغال ذمته بالفعل المنذور . ونظير ذلك في الحكم ما إذا نذر الشخص - وهو غير مستطيع للحج - إن شفى الله ولده من مرضه ، أو إن قدم أخوه من سفره سالما أن يتصدق بمبلغ معين من المال شكراً لله على ذلك ، ثم تحقق له الأمر الذي علق عليه نذره فشفى الله المريض ، أو قَدِم المسافر ، وملك المبلغ المعيّن وكان المبلغ الذي حصل له يكفيه لنفقة الحج وحدها ، أو للوفاء بالنذر وحده ، ولا يفي بهما معاً ، وجب عليه أن يفي بالنذر لسبقه -كما مرّ في نظيره- ولم تتحقق له الاستطاعة للحج بملك ذلك المال ، وإذا سبقت له الاستطاعة المالية للحج فملك نفقته أولاً، ثم نذر بعد حصولها أن يزور الحسين (ع) في يوم عرفة، لم ينعقد نذره ووجب عليه الحج ، ومثله الحكم في الفرض الأخير ، فلا ينعقد نذره ويجب عليه الحج إذا كانت استطاعته للحج سابقة على النذر . المسألة133: إذا حصلت الاستطاعة المالية للحج عند المكلف ، واجتمعت لديه شروطها وجميع ما يعتبر فيها ، وكان ذهابه إلى الحج يستلزم ترك واجبٍ فوري من الواجبات الشرعية ، بحيث لا يتمكن المكلف من أن يجمع بين الحج وذلك الواجب الفوريّ ، وقع التزاحم ما بين الواجبين، فيقدم الأهم منهما وهو ما ثبت في الأدلة الشرعية أنه اكبرمنـزلة عند الشارع وأشدّ تأكدًا في مقام الامتثال، وإذا لم يتّضح من الأدلة ذلك ، قدم ما هو محتمل الأهمية منهما ، وإذا لم يستبن من الأدلة الشرعية شيء من ذلك كان الخيار للمكلف في تقديم أي الواجبين أراد. وكذلك الحكم إذا كان سفر المكلف إلى الحج يستلزم ارتكاب محرّم شرعي، فيقدم من الأمرين ما ثبت من الأدلة أن الاهتمام به أبلغ وأشد ، ثم ما هو محتمل الأهمية ، وإذا لم يتضح من الأدلة شيء تخير المكلف في تقديم أي الأمرين شاء . المسألة134: إذا وجدتالإستطاعة المالية للحج عند المكلف -كما ذكرنا في المسالة المتقدمة- وكان مضيّه إلى الحج ، يستلزم ترك واجب شرعي يكون فعله أهم من الحج أو هو محتمل الأهمية منه ، فأخر الحج عن العام الأولى للعذر الشرعي المذكور ، لم يستقرّ الحج في ذمته بمضي ذلك العام ، فإن بقيت استطاعته المالية إلى العام المقبل وجب عليه الحج فيه، وان ذهبت الاستطاعة لم يجب ، وكذلك إذا استلزم سفره إلى الحج فعل محرم يكون تركه أهم من الحج ، أو هو محتمل الأهمية ، فيجري فيه القول المذكور . المسألة135: إذا استقرّ وجوب الحج على الإنسان ، وثبت في ذمته من عام سابق ، وقد أخر الحج عنه لعذرٍ أو لغير عذر ، ثم أراد السفر في العام اللاحق لأداء الفرض ، وكان مضيّه إلى الحج في العام اللاحق يستلزم ترك واجب فوريّ أو فعل محرّم ، جرى فيه الحكم السابق بعينه، فيجب عليهأن يقدّم منالأمرين ما هو أكثر أهمية عند الشرع ، ثم ما هو محتمل الأهمية منهما ، فإذا هو أخّر الحج -لهذا العذر الشرعي- كان معذوراً في تأخيره عن هذا العام ، ووجب عليه الحج في العام المقبل بعده ولو متسكعاً ، فإن وجوب الحج قد استقر في ذمته بحسب الفرض. المسألة136 : إذا وجدت الاستطاعة المالية لدى المكلف ، وكان في الطريق عدو يمنع من السفر الى الحج ، وتوقّف دفعه على بذل مبلغ من المال يوجب دفعه ضرراً على المكلف ، لم يجب على المكلف دفع المال ، ولم يجب عليه الحج ، وكذا إذا كان دفع المبلغ إليه يوجب للمكلّفعسرا وحرجا،وإذا تحمّل المكلف الضرر أو الحرج فدفع المال للعدو وحجّ ، فالظاهر صحة حجه وإجزاؤه عن فرض الإسلام، إذا كانت استطاعته لا تزال باقية. المسألة137: إذا توقف ارتفاع المانع عن السفر إلى الحج على دفع مال في بعض الوجوه المحرّمة في الإسلام كان المورد من صغريات المسالة المائة والثالثة والثلاثين ، فإذا كان وجوب الحج أهم من حرمة دفع المال في ذلك السبيل وجب الحج على المكلف ، ولزمه دفع المال لرفع المانع ، وإذا كانت حرمة دفع المال في ذلك الوجه أهم من وجوب الحجّ حرم على المكلف دفع المال وسقط عنه وجوب الحج ، وقد تقدم أن المتّبع في إثبات ذلك هو الدليل الشرعي ، وإذا قدّم المكلف الحرام في هذه الصورة فدفع المال في الجهة المحرمة وسافر حتى أتم حجه ، فالظاهر صحة حجه إذا أتى به على الوجه المطلوب وإجزاء ما أتى به عن حج الإسلام إذا كانت استطاعته للحج لا تزال باقية ، وان كان آثما في تقديم الحرام . المسألة138 : إذا آجر الإنسان نفسه لبعض الأعمال التي لا يقدر معها على الإتيان بالحج ، كالسائق يؤجر نفسه للسياقة عند أحد طوال شهر ذي الحجة ، وكالرجل يؤجر نفسه للنيابة في زيارة الحسين (ع) في يوم عرفة ، وكان غير مستطيع للحج في حال إجارة نفسه ، ثم حصلت له الاستطاعة المالية للحج بعد الإجارة المذكورة لم تتحقق له الاستطاعة بذلك ، لسبق الإجارة ولم يجب عليه الحج . المسألة139 : لا فرق في وجوب حج البيت على المكلف إذا استطاع إليه سبيلا بين أن يكون سفره إليه في طريق البر وطريق البحر وطريق الجو ، إذا وجد الاستطاعة التامة له ، وتوفرت لديه شروطها ، فيختار الإنسان منها ما شاء إذا أمكن له السفر عنها جميعا ، ويتعيّن الطريق إذا انحصر إمكان السفر فيه. المسألة140 : إذا انحصر إمكان السفر في طريق البحر مثلاً أو في طريق الجو ، وشك المكلففي حصول الضررله إذا سافر في ذلك الطريق ، كفى في إثبات وجود الضرر أن يحصل له الخوف الذي يعتد به العقلاء في مثله ، فإذا حصل له الخوف الذي يعتنون به ويحذرون بسبب من سلوك ذلك الطريق لم يجب عليه الحج ، وإذا شك في وجود مانع آخر في الطريق غير الضّرر وجب عليه السفر ، ولم يعتن بوجود هذا الاحتمال . المسألة141 : لا يشترط في استطاعة المرأة للحج أن يكون معها من يصحبها في حجها من محارمها ، فإذا ملكت ما تحجّ به من النفقة وكانت آمنة على نفسها وعلى مالها وجميع شؤونها ، وجب عليها الحج وإن كانت منفردة ليس معها قريب ، و إذا هي لم تأمن على بعض ذلك اشترط في وجوب الحج عليها أن تصحب من تأمن بصحبته ، سواء كان قريبا لها أم أجنبياً عنها ، ولو باستئجاره للسفر معها إذا كانت قادرة على ذلك ، فإذا لم تجد من تأمن به ، أو لم تجد المال الذي تستأجره به لصحبتها لم تكن مستطيعة، ولم يجب عليها الحج ، ولا فرق في الحكم بين المرأة ذات الزوج وغيرها . وإذا حجت وهي غير آمنة ، ولم تصحب من تأمن بصحبته ، لم يكفها ما أتت به عن حج الإسلام ، إلا إذا أمنت وزال الخوف عنها قبل الدخول في الإحرام حتى أتمت الأعمال فيكفيها ذلك . المسألة142: لا يشترط في تحقق الاستطاعة للمرأة المتزوجة أن يأذن لها زوجها بالحج، فإذا هي ملكتنفقةالحجتامة تحققت لها الاستطاعة ووجب عليها الحج مع اجتماع الشرائط، وصحّ لها أن تحج وان لم يأذن لها الزوج بذلك ، ولا يجوز للزوج أن يمنعها منه ، بل يصح لها أن تحج وان منعها . ويجوز للزوج أن يمنعها من المبادرة إلى السفر إذا كان وقت الحج موسّعاً ، فيحق له أن يمنعها من السفر مع القوافل السابقة إذا أمكن لها أن تتأخر وتدرك الحج مع القوافل اللاحقة ، وإذا لم يمكن لها أن تسافر مع القافلة اللاحقة -لعدم الأمن معها أو لسبب أخر- لم يجز له أن يمنعها من السفر مع القافلة السابقة . ويجوز له أن يمنعها من السفر مع بعض القوافل إذا كان لا يطمئن على سلامتها من السفر معه ، فتلتحق بالقوافل الأخرى المأمونة. المسألة143 : لا فرق في الأحكام الآنف ذكرها بين الزوجة الدائمة والمتمتع بها ، فلا يشترط في استطاعتها أن يأذن لها الزوج ، ولا يحل له منعها من الحج إذا استطاعت ، ولا تجوز لها إطاعته إذا منعها من تأدية الواجب إلا إذا كان وقته موسعا ، ولا فرق في الزوج بين من يمكن له الاستمتاع بالزوجة ومن لا يمكن له ذلك ، لمرض أو ضعف أو غيبة أو غيرها ، وكذلك الحال في الحج الواجب بالنذر ، أو بسبب آخر إذا كان وقته مضيّقاً ، فتجري فيه الأحكام التي ذكرناها . المسألة144 : يعتبر في صحة الحج المندوب من المرأة المتزوجة أن يأذن لها زوجها به ، فلا يصح حجها ندباً بغير إذنه ، ويحرم عليها إذا منعها من الإتيان به ، ولا فرق بين أن يكون حجها منافيا لحق الاستمتاع بها وعدم منافاته ، ولا بين الزوجة الدائمة والمتعتع بها. المسألة145 : المرأة المطلقة من زوجها طلاقا رجعيا بحكم الزوجة ، فتجري فيها جميع الأحكام الآنف ذكرها في المسائل المتقدمة مادامت في العدة الرجعية من زوجها ، ولا تجري الأحكام في المطلقة منه طلاقا بائنا ، وان كانت حاملا من الزوج . ولا صلة بين الرجل والمرأة وهي في عدة وطء الشبهة منه ، فلا يجري فيها شيء من الأحكام المتقدمة ، ولا تمنع المرأة المعتدة لوفاة زوجها من الحج ، فإذا استطاعت وجب عليها الحج وصح وقوعه منها، وكذلك إذا لزمها الحج بنذر أو عهد أو يمين أو إفساد أو بسبب آخر فلا تمنع بسبب عدة الوفاة من جميع ذلك ، ويجوز لها أن تخرج إلى حج مندوب أو عمرة مندوية وهي في اثناء عدتها . المسألة146 : إذا ملك الولد البالغ العاقل نفقة الحج ووجدت معها شروط الاستطاعة على الوجه الذي تقدم تفصيله وجب عليه حج الإسلام ، ولم تتوقف استطاعته على إذن أبيه له بالحج ، ولا على إذن أمه ، ويصح حجه إذا أتى به على الوجه المطلوب وان لم يأذنا له ، بل وإن منعاه منه وكان نهيهما له عن شفقة ، فلا تجب عليه إطاعتهما في ذلك ، وكذلك الحكم في البنت البالغة العاقلة إذا كملت لها شروط الاستطاعة ، وقد ذكرنا في المسالة السادسة والعشرين حكم استئذان الولد البالغ أباه ني الحج المندوب ، وذكرنا عدم صحة حجه إذا نهاه أحد أبويه أو كلاهما عن الحج المندوب لسبب عقلائي يوجب النهى ، أو كان سفره إلى الحج يشتمل على خطر ونحوه يوجب إيذاءهما وعقوقهما أو عقوق أحدهما ، فلتراجع المسالة المشار اليها وما بعدها. المسألة147 : إذا اعتقد الشخص أنه قد أدرك وبلغ الحلم ، وأن شروط وجوب الحج قد توفرت له فحج بقصد الوجوب ، ثم تبين له بعد أن أتم الحج انه كان في وقت حجه صغيرا لم يبلغ الحلم ، لم يكفه ما أتى به عن حج الإسلام ، فإذا بلغ بعد ذلك واجتمعت له بقية الشروط وجب عليه أن يأتي بالحج وكذلك إذا اعتقد انه حرٌ، وان شروط وجوب الحج قد اجتمعت له فحج بقصد الوجوب ، ثم ظهر له بعد الحج انه عبد مملوك في حال حجه فلا يكفيه ذلك عن حج الإسلام ، فيجب عليه الحج إذا أعتقه مالكه ، ووجدت بقية الشروط . المسألة148: إذا حج الشخص الذي وجدت له الاستطاعة واجتمعت فيه شروطها وهو يعتقد انه لا يزال صغيرا لم يبلغ الحلم ، ثم علمبعد أنأتمالحج انهكانبالغافي حال حجه، فإن كان قد نوي بحجه امتثال الأمر المتوجه اليه بالفعل، كفاه ما أتى به عن فرض الإسلام ولم تجب عليه الإعادة ، وان قصد بحجه امتثال الأمر بالحج المندوب لم يكفه عن الفريضة ووجبت عليه الإعادة ، وقد ذكرنا هذا في المسالة الثامنة والعشرين ، وإذا نوى بحجه امتثال الأمر الوجوبي المتوجه بحج الإسلام أشكل الحكم بصحة ما أتى به ، والاحوط لزوما الإعادة . وكذلك إذا حج وهو يعتقد انه عبد مملوك ثم علم بعد ما أتم حجه انه كان حرا في حال حجه ، فتجري فيه الفروض التي ذكرناها ، ويثبت لكل فرض منها حكمه الذي بيّناه له. المسألة149: إذا وجدت في الشخص شروط وجوب الحج من البلوغ والعقل والحرية، وتحققت له وجوه الاستطاعة التى ذكرناها في المسائل الماضية ، ولكنه كان يعتقد انه صغير السن لم يبلغ الحلم ، أو يحسب انه عبد مملوك لم يتحرر ، فترك الإتيان بالحج لاعتقاده بذلك حتى مضى وقت الحج ، ثم تلف المال أو زالت بعض نواحي الاستطاعة عنه ، وعلم بالحال بعد ذهاب الاستطاعة أو قبله ، فالظاهر ان وجوب الحج قد استقر في ذمته ، فيجب عليه أن يحج ولو متسكعا - وسيأتي ان شاء الله تعالى - بيان الوقت الذي يستقر به الحج في ذمة المكلف إذا مضى والشرائط لديه مجتمعة . المسألة150 : إذا ملك الشخص مقدارا من المال ، وتخيل أن المقدار الذي ملكه يكفيه لنفقة الحج ونفقة عياله في سفره إلى الحج حتى يعود اليهم . فسافر وأتى بالحج بناء منه على ما يعتقد ، ثم تبين له -بعد أن أتم الحج- أن المال لا يكفيه لذلك ولا يحقق له الاستطاعة ، لم يجزه ما أتى به عن حج الإسلام على الأقوى ، فاذا حصلت له الاستطاعة بعد ذلك وجب عليه الحج . المسألة151 : إذا ملك الإنسان مقداراً من المال واعتقد أن المبلغ الذي ملكه لا يكفيه للحج ولا يحقق له الاستطاعة المالية فترك الحج ولم يأت به ، ثم استبان له بعد أن مضى وقت الحج أن ما ملكه يكفيه للحج وانه كان مستطيعا ، فالظاهر أن الحج قد استقر في ذمته ، فيجب عليه أن يحج ولو متسكعا . المسألة152 : إذا وجد المكلف الاستطاعة المالية للحج ، واعتقد أن صرف المال في الحج لا يوجب له ضرراً ولا يوقعه في حرج ، فسافر وأتى بالحج بانيا على صحة اعتقاده ثم ظهر له بعد أن أتم الحج خطؤه في الاعتقاد ، وان صرف ما لديه من المال قد أوقعه في الضرر أو الحرج ، فالظاهر صحة حجه واجزاء ما اتى به عن حج الإسلام المسألة153: إذا ملك الإنسان ما يكفيه من المال لنفقة الحج ، ولكنه اعتقد أن طريقه إلى الحج غير مأمون من الخطر ، أو اعتقد وجود الضرر أو الحرج عليه في مسافرته إلى الحج فترك الحج لذلك ، ثم ظهر له خطؤه في الاعتقاد ، وان طريق الحج كان مامونا لا خوف فيه ولا خطر ، وانه لاضرر عليه في السفر ولا حرج لو انه سافر في تلك الحال ، فالظاهر أن وجوب الحج قد استقر في ذمته بذلك ، فيجب عليه أن يحج ولو متسكعا . المسألة154: إذا وجدت في الشخص شروط وجوب حج الإسلام من بلوغ وعقل وحرية ، وتحققت له وجوه الاستطاعة في المال وصحة البدن واتساع الوقت وتخلية السرب ،ثم ترك الحج متعمدا استقر وجوب الحج في ذمته بلا ريب ، إذا بقيت استطاعته إلى الوقت الذي يستقر بمضيه وجوب الحج في الذمة وسياتي ذكره . المسألة155 : إذا حصلت للغلام جميع نواحي الاستطاعة فحج قبل أن يبلغ الحلم عامدا وقصد بفعله امتثال الامر المتعلق بحج الإسلام لم يكفه ذلك عن الفرض ، وان تحقق له بلوغ الحلم في أثناء حجه وقبل أحد الموقفين على الأقوى ، فيجب عليه الحج إذا بلغ وحصلت له شروط الوجوب والاستطاعة بعد البلوغ وإذا اجتمعت للعبد المملوك نواحى الاستطاعة فحج وهو لايزال مملوكا لم يجزه ذلك عن الحج الواجب ، ويستثنى من ذلك ما إذا انعتق في أثناء الحج فادرك الموقفين أو أدرك أحدهما وهو حر ، فيجزيه ما أتى به عن الفرض ولا تجب عليه الإعادة ، وقد سبق ذكر هذا في المسالة الحادية والثلاثين المسألة156: إذا وجدتفي المكلفشروط وجوب الحج من البلوغ والعقل والحرية وكان غير مستطيع من جهة المال ، وحج بقصد امتثال فرض الإسلام ، لم يكفه ذلك عن حج الفريضة ، فإذا حصلت له الاستطاعة المالية بعد ذلك ووجدت له النواحي الأخرى من الاستطاعة وجب عليه أن ياتي بالفرض. المسألة157: إذا كان في طريق المكلف إلى الحج عدو لا يندفع إلا بالمال ، فإن كان المال الذي يطلبه العدو ما لا يضر دفعه بحال المكلف ولا يوجب له عسراً ولا حرجا ، وجب على المكلف دفع المال اليه ولم يسقط عن المكلف وجوب الحج بذلك ، وان كان دفع المال مما يضر بحال المكلف أو يوجب له العسر أو الحرج لم يجب على المكلف دفع المال وسقط عنه وجب الحج ، ولكنه إذا احتمل الضرر أو الحرج على نفسه ودفـع المال إلى العدو وحج ، اجزأه ذلك عن الفرض إذا كانت استطاعته المالية باقية المسألة158: إذا انحصر طريق الحج في ركوب البحر ، وخاف المكلف على نفسه من الغرق أو من حدوث مرض شديد ، وكان خوفه مما يعتني العقلاء بمثله ويحذرمن عاقبته سقط عنه وجوب الحج كما ذكرناه في المسالة المائة والأربعين ، وكذلك إذا كان خوفه شديداً يوجب له الوقوع في الحرج لشدته وإن لم يكن سببه ما يعتنى به العقلاء ، ويشكل الحكم بسقوط وجوب الحج عنه إذا استلزم سفره في البحر الإخلال بصلاته ، وخصوصا إذا استلزم سفره الإخلال بالصلاة الاختيارية والإتيان بابدالها الاضطرارية ، كالصلاة مع الطهارة الترابية ، أو الصلاة جالسا ، ونحو ذلك مما هو وظيفته شرعا عند العذر ، ويشكل كذلك إذا كان سفره في البحر يستلزم أكل المحرم أو أكل النجس أو شرب النجس ، إلا إذا ثبت أن حرمة هذه الامور على المكلف أشد أهمية وتأكد في نظر الشارع من وجوب الحج عليه ، أو هي محتملة الأهمية منه ، ولم يثبت ذلك من الأدلة ، وقد تعرضنا لهذا في المسالة المائة والثالثة والثلاثين ، فلتراجع . المسألة159: إذا ملك الإنسان نفقة الحج وتمت له أنحاء الاستطاعة في عامه، وكان عليه حق شرعي واجب من زكاة أو خمس أو غيرهما من الحقوق الواجبة، وجب عليه إخراج الحق الشرعي الذي اشتغلت به ذمته ، أو الذي تعلق بماله ولم يجز له تأخير إخراجه من غير عذر يسوّغ له ذلك ، وليس من الاعذار له في التأخير أن يكون مالكا لنفقة الحج ويقدم الحج على أداء الحق ، واذا هو سافر إلى الحج وترك أداء الحق كان عاصيا آثما في تأخير الحق ، وإذا أتى بالحج وكانت نفقته في الحج ونفقة عياله مما لم يتعلق به الحق الواجب ، أو كانت مما تعلق به الحق وقد أداه منها خاصة كان حجه صحيحا . ولا يصح حجه إذا كانت ثياب إحرامه ، أو ثياب طوافه ، أو ثمن هديه من المال الذي تعلق به الحق ، وكذلك الحكم إذا كان وجوب الحج قد استقر في ذمته من عام سابق ، وكانت عليه الحقوق الآنف ذكرها في ذمته أو في أعيان ماله . ولا يحل له التصرف في المال الذي تعلق به الحق ، فينفق منه في سفر أو حضر ، أو في نفقة حج أو غيره ، وان بقي من المال مقدار ما فيه من الخمس أو الزكاة ، وتراجع المسالة الثالثة والستون والمسالة السادسة والستون. المسألة160: ذكرنا في المسالة المائة والثالثة والعشرين أن المكلف الذي استقر وجوب الحج في ذمته من عام سابق ، إذا عرض له عارض في بدنه يمنعه من الإتيان بالحج بنفسه ، أو يصبح الإتيان بالحج بسببه موجبا للعسر والحرج الشديد عليه، ولا يرجا زوال ذلك العارض عنه ، كمرض شديد لازم أو شلل أو هرم أو شبه ذلك ، يسقط عنه وجوب الإتيان بالحج بنحو المباشرة بسبب ذلك العارض ويجب عليه أن يجهز شخصا آخر يحج عنه بالنيابة ، وكذلك من استطاع الحج في عامه من حيث المال وأصابهمثلذلكالعارض الذي وصفناه ، فمنعه من الإتيان بالحج بنحو المباشرة ،أو اصبح الإتيان بالحج بسببه موجبا لعسر والحرج ، فيسقط عنه وجوب الحج بنحو المباشرة ويجب عليه - على الاحوط لزوما - أن يجهز من ماله أحداً يحج بالنيابة عنه وان لم يستقر الحج في ذمته . المسألة161: الظاهر من الأدلة الواردة في المسالة أن الاستنابة عند طروء العارض على المكلف انما هي بدل اضطراي جعله الشارع عند تعذر الواجب الاختيارى على المكلف ، وهو أن يحج البيت بنفسه إذا استطاع إليه سبيلاً ، ولذلك فيعتبر في صحة الاستنابة ووجوبها على المكلفان يكون عذره مستمر، ونتيجة لذلك فإذا استمر العذر فلم يتمكن من الإتيان بالحج حتى ادركه الموت ، أجزأه حج النائب الذي استنابه في حياته ولم يجب علىوليه أو وارثه القضاء عنه من تركته بعد الموت، وإن كان وجوب الحج قد استقر في ذمته ، واذا اتفق ان ارتفع عنه العذر بعد ان حج النائب عنه ، وأمكن له أن يحج البيت بنفسه ، وجب عليه أن يأتي بالحج بنفسه كذلك ، ولم يجزه ما أتى به النائب وان كان حجه صحيحا ، واستحق به الأجرة المسماة له في عقد الإجارة بينه وبين المكلف ، ولا منافاة بين الأمرين بعد أن كان هذا هو ظاهر الأدلة ومقتضى القاعدة. المسألة162: إذا زال العارض وارتفع العذر المانع للمكلف عن الإتيان بالحج فقد تبين بطلان الاستنابة وعدم مشروعيتها في حقه -كما أوضحناه في المسالة السابقة-، ونتيجة لذلك فاذا كان المكلف قد استاجر النائب للحج عنه ثم زال العذر وأمكن له أن يحج البيت بنفسه ، انفسخت اجارة الأجير لعدم قدرته على العمل المستأجر عليه ، وهو النيابة عن المكلف في الحج لأنها غير مشروعة في حقه كما قلنا ، فلا يجب على النائب أن يتم العمل إذا كان قد احرم لحج النيابة ثم زال العذر ، بل يكون إحرامه باطلاً ، ولا يجب عليه أن يتحلل منه بعمرة مفردة ، وإذا استمر في إحرامه وأتم الحج لم يصح حجه ولم يكف عن المنوب عنه ، وأولى من جميع ذلك ما إذا كان زوال العذر عن المكلف قبل أن يدخل النائب في الإحرام ، فتكون الاستنابة غير مشروعة ، والإجارة باطلة ، وعمل النائب بموجبها غير صحيح ، نعم يكون الأجير مستحقا لأجرة ، المثل لما أتى به من العمل قبل أن يبلغه الخبر ، ويكون مستحقالأجرة المثل على جميع عمله إذا لم يبلغه الخبر حتى أتم الحج ، ويستثي من ذلك ما إذا كانت الأجرة المسماة أقل من أجرة المثل فلا يستحق الأجير اكثر منها . المسألة163 : قد اتضح مما بيناه في المسألتين السابقتين أن المدار في صحة الاستنابة ووجوبها على المكلف هو استمرار العذروعدم زواله واقعا، وأما اليأس من ارتفاع العارض أو كون العذر مما لا يرجا زواله ، فانما هما امارتان ظاهريتان على الاستمرارالواقعي للعذر، فإذا عرض العارض للمكلف ، ويئس من ارتفاعه ، أو كان مما لا يرجا زواله ، وعمل المكلف على وفق الإمارة فاستناب من يحج عنه ، ثم انكشف خلاف تلك الإمارة فزال العارض وارتفع العذر، لم تصح استنابته ، ولم يكفه عمل النائب كما ذكرنا، ووجب عليه الإتيان بالحج بنفسه. المسألة164 : إذا تحقق العذر المسوغ للاستنابة للمكلف وجب عليه الإستنابة عن نفسه فورا ، فلا يجوز له أن يؤخر الإستنابة إلى العام المقبل من غير عذر ، كما هو الحكم في أصل وجوب الحج ، ولذلك فلا يجوز للنائب بعد استئجاره أن يؤخر الحج عن عامه . المسألة165: الظاهر أن الحكم بوجوب الإستنابة على المكلف المعذور يعم من كان عذره من غير الأعذار المذكورة ، كالسجن المؤبد ، والمنع الدائم من السفر من قبل الدولة وأشباه ذلك ، فإذا استقر وجوب الحج في ذمة المكلف ، أو حصلت له الاستطاعة للحج في عامه وطرأ له مثل تلك الأعذار المانعة له من الإتيان بالحج وكان العذر مستمرا لا يرجو ارتفاعه وجبت عليه الاستنابه ، ويعم المكلف المعذور بمقتضى أصل خلقته كالشخص الذي لا يستطيع الاستمساك على الدابة ولا يمكنه السفر بوسيلة اخرى لنقصان في تكوينه أو شلل طفولة ، فإذا ايسر مثل هذا واستطاع الحج في ماله ، كان عليه أن يستنيب من يحج عنه . والظاهر أن الحكم المذكور يعم المكلف المعذور بهذه الأعذار ، سواء سبقت استطاعته على وجود العذر أم سبق وجود العذر على حصول الاستطاعة . المسألة166 : يختص الحكم الآنف ذكره بحج الإسلام ، ولا يجري في الحج الواجب بالنذر أو بالعهد أو اليمين ، فاذا وجب الحج على المكلف بالنذر ، وعرض له عذر من الأعذار السابق ذكرها ، فمنعه عن الحج المنذور ، أو كان الحج بسببه موجبا للعسر والحرج سقط عنه وجوب الوفاء بالنذر ولم تجب عليه الإستنابة له ، وكذلك الحكم في الحج الذي يجب على المكلف بالإفساد ، إذا كان الحج الثاني الذي يلزمه الإتيان به في العام المقبل هو العقوبة ، فاذا عرض له ما يتعذر معه الإتيان به سقط وجوبه ، ، ولم تجب الإستنابة فيه . المسألة167 : إذا وجب على الإنسان المعذور بأحد الأعذار التى ذكرناها ان يستنيب في الحج ، ولم يجد أحدا ينوب عنه ، أو تلف المال الذي بيده فلم يتمكن من ان يستنيب حتى مات ، فان كان وجوب الحج قد استقر في ذمته قبل حصول العذر وجب على وليه أو وارثه بعد الموت أن يقضى الحج عنه من أصل تركته ، وان لم يستقر عليه وجوب الحج -كما إذا استطاع للحج في عامه ، وطرأ له العذر المانع من الحج ، ولم يتمكن من الاستنابة حتى مات- فالظاهر عدم وجوب القضاء عنه بعد الموت . المسألة168: إذا وجد المكلف المعذور الذي تجب عليه الاستنابة من ينوب عنه في الحج، ولكن النائب طلبمنه أكثر من أجرة المثل وهو لا يجد الزيادة التى طلبها منه ، أو كان دفع تلك الزيادة يوجب له الضرر الذي لا يتحمل ، أو يوقعه في العسر والحرج، لم تجب عليه الاستنابة لذلك ، فإذا مات ولم يستنب للعذر المذكور وجب على وليه القضاء عنه بعد الموت إذا كان الحج قد استقر في ذمته قبل طروء العذر ، ولا يترك الاحتياط بالقضاء عنه أيضا إذا طرأ له العذر في عام الاستطاعة . المسألة169: إذا وجبت الاستنابة على المكلف المعذور كما تقدم في الفروض السابقة وترك الاستنابة مع التمكن منها ثم مات وجب قضاء الحج عنه بعد موته من أصل تركته ، وان كان طروء العذر له في عام الاستطاعة ، فإن الحج قد استقر في ذمته بتركه الاستنابة وهو متمكن منها . المسألة170: إذاعرض العارضللانسانالمستطيع ، فمنعه من الحج وكان العذر مما يرجا زواله فاستناب المكلف أحدا وحج النائب عنه ، ثم حصل الياس من زوال العذر بعد حج النائب واستمر به العذر حتى مات ، كفاه حج النائب ، لوجود شرط صحة الاستنابة وهو استمرار العذر في الواقع وان لم يعلم المكلف بقاءه ، لذلك فلا يجب القضاء عنه بعد الموت. المسألة 171: إذا تحقق العذر المستمر للمكلف فمنعه عن إتيان الحج بنفسه ، وجب عليه أن يستنيب أحدا ليحج عنه كما هو ظاهر الأدلة الواردة في المسالة ، ولذلك فيشكل الحكم بكفاية تبرع أحد بالحج عنه والأحوطلزوما عدم الاكتفاء بذلك ، ولا يترك الاحتياط بان يكون النائب رجلاً وضرورة إذا كان المكلف المعذور رجلاً . المسالة 172: إذا حصل العذر المستمر للإنسان المستطيع أو الذي استقر الحج ني ذمته فلم يتمكن من الحج وجب عليه أن يستنيب أحداً للحج عنه -كما قلنا ذلك مراراً - سواء أوقع العقد مع النائب بنحو الإجارة أم بنحو الجعالة أم الصلح بعوض أم الهبة المشروطة ، فإذا إستنابه على أحد الوجوه الشرعية واتى النائب بالحج عنه برئت ذمة المكلف وسقط عنه التكليف مع استمرار العذر . المسألة173: يكفيه أن يستنيب أحداً يحج عنه من الميقات ، ولا يتعين عليه أن تكون الاستنابة عنه من البلد الذي هو فيه أو من وطنه، كما لا يتعين عليه أن يستنيبه للحج عنه من ميقات بلده . المسألة174: لا يصح الحج من الكافر وان كان مكلفا بالفروع كما هو المشهور ولعله الأقوى ، بل وان اعتقد وجوب الحج وقصد التقرب في فعله فإن الإسلام شرط في صحة كل عباده ، وإذا مات لم يقض عنه وان كان وارثه مسلما . المسألة175 : إذا ملك الكافر نفقة الحج وتمت له شروط الاستطاعة وهو كافر ، ثم أسلم واستطاعته لا تزال باقية وجب عليه حج البيت وصح منه بعد اسلامه ، وكذلك إذا زالت استطاعته وهو كافر ثم تجددت له بعد اسلامه ، فيجب عليه الحج ويصح منه ، وإذا استطاع وهو كافر وزالت استطاعته ني حال كفره ثم أسلم ولم تتجدد له الاستطاعة بعد الإسلام ، ففي سقوط وجوب الحج عنه بسبب اسلامه كما هو المشهور اشكال ، ولعل قول الرسول (ص ) في الحديث الشريف : ( الإسلام يجبّ ما قبله ) انما يدل على أن الإسلام يمحو ما وقع من الكافر قبله من الكفر والخطايا والموبقات التي ارتكبها قبل إسلامه ، ويرشد إلى ذلك اقتران الإسلام بالتوبة والهجرة في بعض موارد الحديث وأنها تجبّ ما قبلها ، فلا يكون الحديث دالاً على سقوط وجوب الحج بعد الإسلام بسبب الاستطاعة التي وجدت وزالت في حال الكفر. المسألة 176: لا تصح العبادة من الكافر ، وقد ذكرنا هذا قبل مسالة ، ونتيجة لذلك فإذا أحرم بالحج أو بالعمرة كان احرامه باطلاً ، فإذا أسلم بعد احرامه وجب عليه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه ، ولم يكفه ان يستمر في احرامه الأول ولم يعتد بشيء من أعماله من طواف أو سعي أو غيرهماإذا أوقعه فيحال الكفر أو أوقعه في إحرامه الأول ولم يجدده بعد الإسلام ، وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات رجع إلى الموضع الذي يمكن له الرجوع إليه فاحرم منه فإن لم يقدر أحرم من موضعه الذي هو فيه . المسألة177: يجب الحج على المرتد عن الإسلام إذا تحققت له الاستطاعة وتمت شروطها ، سواء كان ارتداده عن فطرة ام عن ملة ، وسواء حصلت له الاستطاعة في حال إسلامه قبل الارتداد ، أم فـي حال ردته بعد الإسلام ، ولا يصح حجه إذا أتى به في حال ارتداده ، ولا يقضي الحج عنه إذا مات قبل أن يتوب ويرجع إلى الإسلام ، وان كان وجوب الحج قد استقر في ذمته . المسألة178: إذا تاب المرتد ورجع إلى الإسلام وكان قد استطاع للحج في حال ردته، أو في حال إسلامه السابق على الردة وجب عليه الحج ، إذا كانت استطاعته لا تزال باقية، او زالت ثم تجددت بعد التوبة ، وكذلك إذا زالت استطاعته وقد تمت له شرائط استقرار الوجوب في ذمته ، فيجب عليه الحج في هذه الفروض ، وإذا حج بعد التوبة صح حجه سواء كان مليا أم فطريا بناءً على ما هو الأقوى من قبول توبة المرتد وان كان فطريا . المسألة179: إذا احرم المرتد في حال ردته عن الإسلام كان احرامه باطلاً ، فإذا تاب بعد احرامه وجب عليه الرجوع إلى الميقاتوالاحرام منه كما في نظيره الكافر الأصلي، وقد سبق بيانه وبيان معنى الأحكام المتعلقة به في المسالة المائة والسادسة والسبعين . المسألة180: إذا حج المكلف وهو مسلم ثم ارتد بعد الحج ، وتاب بعد الارتداد لم يبطل بذلك حجه ولم تجب عليه إعادته ، سواء كان ارتداده عن فطرة أم عن ملة . المسألة181: إذا أحرم الإنسان بالحج أو بالعمرة وهو مسلم ثم ارتد بعد احرامه ثم تاب بعد ردته ورجع إلى الإسلام لم يبطل إحرامه الذي أوقعه بسبب الارتداد الذي حصل له في الأثناء ، فيجب عليه أن يستمر في إحرامه حتى يتم عمله ، ثم يجب عليه تطهير بدنه وثياب إحرامه من النجاسة التي قد تطرأ عليه حال الارتداد من رطوباته وغيرها في الموارد التي تجب فيها الطهارة من النجاسات ، ويستحب في موارد الاستحباب وسيأتي تفصيل ذلك ، ولا يبطل وضوؤه ولا غسله اللذان أوقعهما في حال الإسلام بعروض الارتداد ما لم يطرأ له أحد الأحداث التي تنقض الطهارة ، ولا فرق بين المرتد الملي والفطري في ذلك . المسألة182: لا يبطل وضوء المسلم ولا غسله إذا ارتد عن دينه في أثناء وضوئه أو غسله ، فإذا رجع إلى الإسلام وتاب من ردته ولم تفت الموالاة في الوضوء ولم يحدث طهر أعضاءه من نجاسة الكفر وأتم وضوءه أو غسله وصحت طهارته ، ولا يصح ذلك في الوضوء إذا هو أتم غسلاته ثم ارتد قبل المسح ، فانه لا يمكن له المسح ببلة الوضوء ، ولذلك فلا بد له في هذه الصورة من إعادة الوضوء بعد أن يطهر الأعضاء من النجاسة . المسألة183: إذا ارتد المسلم في أثناء صلاته ثم رجع إلى الإسلام وتاب من ردته ، فإن وقع منه خلل في الصلاة في أجزائها أو شرائطها كانت صلاته باطلة للخلل المذكور ، ومثال ذلك أن يرتد وهو مستمر في صلاته فيأتي بالقراءة أو بالأذكار أو ببعض الأعمال من الركوع والسجود والقيام في حال ارتداده ، ولا ريب في بطلان صلاته لبطلان تلك الأجزاء ، أو يحصل منه سكوت طويل يمحو صورة الصلاة ، فتبطل صلاته لفوات الموالاة، أو تخرج منه رطوبة في حال ردته وكفره من عرق أو بصاق أو غيرهما فيتنجس بها جسمه أو ثيابه ولا يمكن له تطهيرها بعد رجوعه إلى الإسلام ، فتكون صلاته باطلة للخلل الواقع فيها . وان لم يقع منه أي خلل في صلاته ، فارتد وأمسك في حين ردته عن القراءة والذكر والعمل ثم عاد إلى الإسلام وتاب قبل أن تفوت الموالاة ومن غير أن يحدث منه أي خلل في الشرائط ، فالظاهر صحة صلاته إذا أتمها على الوجه المطلوب . المسألة184: الصوم هو أن يمسك المكلف عن تناول جميع المفطرات الشرعية من أول طلوع الفجر إلى ان يتحقق دخول الليل ، فهو عام لجميع آنات الزمان المعين وأجزائه ، ونتيجة لذلك فإذا ارتد المسلم الصائم فى بعض أوقات النهار ثم رجع إلى الإسلام بطل الصوم في تلك الآنات وإن قلّت ، ويبطل الصوم في مجموع النهار لبطلان ذلك البعض ، فإن المجموع عبادة واحدة لا تتبعّض ، فإذا بطل بعضها بطل جميعها. المسألة185: إذا حج المسلم من غير الشيعة على وفق ما حدد له مذهبه من الأحكام، ثم دخل بعد الحج في مذهب الشيعة كفاه حجه وإن كان ما أتى به مخالفا لمذهبنا ولم تجب عليه الإعادة ، وكفاه ما أتى به أيضا إذا كان موافقا لمذهب الشيعة ومخالفاً لمذهبه، إذا كان قد أتمّه بقصد القربة فلا تجب عليه الإعادة في كلتا الصورتين ، ولكن يستحب ذلك ، وفي شمول الحكم في هذه المسالة للغلاة إشكال . المسألة186: إذا ملك المسلم غير الشيعي نفقة الحج وتمت له جهات الاستطاعة ولم يحج ، ثم دخل في مذهب الشيعة ، وجب عليه أن يحج سواء كانت استطاعته لا تزال باقية ، أم زالت عنه بعد أن استقر وجوب الحج في ذمته ، وإذا حصلت له الاستطاعة وفق مذهبه ولم تتم له جهات الاستطاعة وفق مذهب الشيعة، ولم يأت بالحج ، ثم دخل في مذهب الشيعة لم يجب عليه الحج حتى تتوفر له الاستطاعة التامة على وفق هذا المذهب . المسألة187: إذا تمت في المكلف شروط وجوب الحج، وكملت له شروط الاستطاعة -حسب ما تقدم من التفصيل - ولم يحج حتى انقضى الوقت الآتي بيانه استقر وجوب الحج عليه ، وأصبح دَيناً ثابتاً في ذمته ، فيجب عليه امتثاله بأي وجه أمكن ، وإذا مات ولم يؤدّه وجب على وارثه قضاؤه من أصل تركته ، وقد تكرّر منا ذ كر هذا مراراً في عدّة مناسبات ، ونحن نذكره هنا تمهيداً للمسائل الآتية . المسألة188: إذا استقرّ وجوب الحج علىالإنسان،وتوقّف الإتيانبالفرض على أن يحج متسكّعاً، وكان ذلك موجباً للعسر والحرج عليه ، ففي سقوط وجوب الحج عنه بذلك إشكال ، والاحتياط لازم . المسألة189: الظاهر أن الشروط التي اعتبرها الشارع في وجوب الحج على المكلف يختلف دخلها في استقرار الحج في ذمته ولزوم القضاء عليه حسب اقتضاء الأدلة الشرعية لذلك، وهي ليست على نسق واحد ، فالأدلّة التي اشترطت في وجوب الحج على المكـلّف أن يكون عاقلاً إنما تدل على اعتبار وجود هذا الشرط فيه حتى يتم أعمال الحج لا أكثر من ذلك ، فإذا وجدت جميع الشرائط في المكـلّف، وأهمل ولم يأت بالحج، حتى مضى الوقت الذي تتم فيه أعمال الحج وهو اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة والشرائط فيه مجتمعه ، ثم عرض له الجنون بعد ذلك استقر وجوب الحج عليه ، فيجب عليه امتثال الحج إذا أفاق من جنونه في العام المقبل، وإن لم تبق له بقية شروط الاستطاعة ، وإذا مات ولم يحج وجب على وارثه القضاء عنه. وكذلك الحال في اعتبار حياة المكلف في استقرار وجوب الحج عليه ، فيعتبر فيه أن يكون حياً إلى الوقت الذي تتم فيه أعمال الحج ، فإذا وجدت الشرائط في المكلف تامة وترك امتثال الحج إلى الوقت المذكور وهو حي، استقر وجوب الحج عليه ، فإذا مات بعد ذلك وجب القضاء عنه من أصل تركته . المسألة190: يعتبر في استقرار وجوب الحج على المكلف المستطيع أن تبقى استطاعته المالية لذهابه الى الحج ورجوعه منه موجودة لديه حتى يعود إلى وطنه بعدالحج، وإذا هو ترك الحج ولم يسافر اعتبر في استقرار الحج عليه أن تكون الاستطاعة موجودة لديه إلى وقت رجوعه إلى وطنه لو أنه حجّ وسافر ، فإذا ذهبت استطاعته جميعاً أو قصرت عن مقدار كفايته للذهاب أو الإياب قبل ذلك الوقت لم يجب عليه ، وإذا هو ترك الحج ولم يسافر وكانت شروط الوجوب متوفرة فيه جميعاً الى أن حلّ الوقت المذكور، ثم ذهبت الاستطاعة أو قصرت بعد ذلك استقر عليه وجوب الحج ، ولزمه أداء الحج إذا كان موجوداً، ووجب على وارثه القضاء من تركته إذا مات . وكذلك الحال في نفقة عياله مدة غيبته للحج حتى يعود إليهم ، فيعتبر فيها أن تكون موجودة لديه إلى الوقت الذي ذكرناه . المسألة191: إذا ذهبت الاستطاعة المالية من المكلف بعد حضور أوان الحج ، أو تلف جميعها كذلك ، أو ذهب بعض استطاعته أو تلف ، بحيث قصّر الباقي منها عن مقدار كفايته ، وكان ذهاب الذاهب من الاستطاعة وتلف التالف منها باختيار المكلف نفسه لذلك ، وجب عليه الحج بأي وجه أمكن ولو متسكّعاً، ولم يسقط الوجوب عنه ، وإذ ا هو لم يحج في عامه استقر عليه الوجوب ، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعين ، وفي المسالة الرابعة والسبعين وما بعدها فلتراجع ، ويكون هذا من الاستثناء في المسألة المائة والتسعين . المسألة192: يعتبر في وجوب الحج على المكلف المستطيع في ماله أن يكون مستطيعاً في بدنه ، صحيحاً من العوارض التي تمنعه من أداء الحج في ذهابه إليه ورجوعه منه -كما أوضحناه في المسألة المائة والثانية والعشرين- فإذا حدث له في بدنه أحد العوارض التي تمنعه من ذلك قبل ذهابه إلى الحج أو بعد ذهابه وقبل إحرامه ، فلم يتمكّن من أداء الفرض، سقط عنه وجوبه في العام الحاضر ، وروعي في وجوبه في الأعوام المقبلة أن توجد له شرائط الاستطاعة فيها . وإذا عرض له العارض بعد احرمه فلم يتمكن من إتمام مناسكه جرت عليه أحكام الحصر، وسيأتي بيانها في فصل الاحصار والصد ، و يتحلّل بذلك من احرمه، ولا يجب عليه الحج في الأعوام المقبلة ، إلا إذا تحققت له الاستطاعة فيها ، أو كان وجوب الحج قد استقر في ذمته من قبل هذا . وإذا عرض له العارض بعد الحج فلم يتمكن من العود إلى وطنه ، كشف ذلك عن عدم استطاعته للحج من أول الأمر ، فلا يكون الحج الذي أتى به مجزياً عن الفرض لأنه غير مستطيع، ولم يستقرّ عليه الوجوب ، ونتيجة لذلك ؛ فيشترط في استقرار الحج على المكلف أن يكون مستطيعا له في بدنه حتى يعود إلى وطنه –كما قلنا في الاستطاعة في المال- ويجري مثل ذلك في شرط تخلية السّرب ، إذا كان المانع في الطريق مما لا يمكن معه الحج في الذهاب أو الإياب أو في الأثناء ، فإذا عرض المانع وإن كان في العود وصدق معه أن المكلف غير مخلّى السرب كشف ذلك عن عدم استطاعته للحج من أول الأمر وأن الحج غير واجب عليه . وهكذا في بقية الفروض التي ذكرناها في نظيره . المسألة193: إذا اجتمعتفي المكلف شروطوجوب الحج كلها ، وكان العذر المانع له من الحج شرعياً خالصاً ، وقد ذكرنا في المسائل التي سنشير إليها أن العذر الشرعي ينحصر فيما إذا استلزم الإتيان بالحج ترك واجب فوري من الواجبات ، أو استلزم فعل محرم من المحرمات ، وكان ذلك الواجب أو المحرم المزاحم لأداء الحج أهم من امتثال الأمر بالحجنفسه، بحسب ما دلّت عليه ألسنة الأدلة الشرعية، أو هو محتمل الأهمية منه ، فإذا كان المزاحم للحج كذلك سقط وجوب الحج عن المكلف ، لعدم تمكنه من الجمع بين المتزاحمين ، وإذا هو ترك الحج لهذا العذر الشرعي لم يستقرّ في ذمته وجوب الحج في الأعوام المقبلة ، إلا إذا حصلت له الاستطاعة التامة فيها وزالت عنه الأعذار ، أو كان الحج مستقراً في ذمّته من قبل . ولا فرق بين أن يكون حدوث ذلك العذر الشرعي مانعاً لذهاب المكلف إلى الحج، أو مانعاً له من الإياب، أو مانعا له من الإتيان بالأعمال ، وتلاحظ المسألة المائة والثالثة والثلاثين وما بعدها . المسألة194 : إذا استلزم إتيان المكلف بالحج ترك واجب شرعي أو فعل محرّم وكانا أهم من امتثال الحج، أو كانا محتملي الأهمية منه ، فقدم الإتيان بالحج على الواجب المزاحم أو على ترك المحرم، كان بذلك آثماً عاصياً ، وصحّ حجه وكان مبرئاً لذمته من حج الإسلام على الأقوى . المسألة195: إذا كان الشخص ممن وظيفته حج القِران أو حج الإفراد والعمرة المفردة، ووجدت له شروط الاستطاعة لكل من الحج والعمرة ، وأهمل ولم يأت بما هو وظيفته من الحج والعمرة في عامه،استقر في ذمته وجوب كل من الحج والعمرة ، ولزمه أن يأتي بهما وان كان متسكعاً ، وإذا أتي بأحدهما وأهمل الآخر صح ما أتى به واستقر عليه وجوب الآخر ، وكذلك إذا استطاع للحج وحده أو للعمرة وحدها ، وأهمل ولم يأت بالنسك الذي استطاع له، استقر عليه وجوبه خاصة ، ولزمه أن يأتي به ولو متسكعاً ، وإذا مات ولم يأت به وجب قضاؤه عنه من اصل تركته ، وكذا في الفرضين السابقين . المسألة196: إذا استقر حج الإسلام في ذمة المكلف، وسافر ليؤدي الفرض الذي وجب عليه ، ومات بعد أن أحرم بنسكه ودخل الحرم ، كفاه ذلك عن فرضه وبرئت ذمته من التكليف الذي استقرّ فيها ، فلا يجب على وارثه القضاء عنه ، وإذا مات قبل أن يُحرم بنسكه ، أو بعد الإحرام به وقبل أن يدخل في الحرم ، لم يكفه ذلك ، فيجب القضاء عنه إذا كان الحج قد استقرّ عليه -كما هر المفروض- . المسألة197 : إذا مات بعد أن أحرم بنسكه ودخل الحرم كفاه ذلك -كما قلنا- . سواء دخل مكة أم لم يدخلها ، وسواء تلبّس بعد الإحرام بشيء من أعمال عمرة التمتع أو الحج أم لم يتلبس ، فيجزيه ما أتى به عن الواجب ، وتلاحظ المسالة المائتان والثالثة . المسألة198 : يعتبر في جريان الحكم الآنف ذكره أن يكون إحرامه بالنسك المفروض عليه ، فإذا استقر في ذمته حج التمتع مثلاً ، ولما وصل إلى الميقات أحرم بعمرة مفرده ودخل الحرم ليتمّها ويخرج بعدها إلى الميقات ليأتي بعمرة التمتع الواجبة عليه ، ثم مات بعد دخول الحرم في إحرامه الأول لم يكفه ذلك عن فرضه الذي استقر في ذمته ، فيجب على وارثه قضاؤه عنه . المسألة199: الظاهر أن الحكم الذي ذكرناه يجري في المكلف الذي لم يستقر الحج في ذمته من عام سابق ، فإذا اجتمعت في الشخص شروط الوجوب ونواحي الاستطاعة في عامه ، وخرج في أوان الحج ليؤدي فريضة الإسلام ، وأحرم بنسكه المفروض عليه من الميقات ، ودخل الحرم ثم مات في الحرم أجزأه ذلكعن حجالإسلام، فلا يجب على وارثه القضاء عنه، وإذا مات قبل أن يحرم، أو مات بعد الإحرام وقبل أن يدخل في الحرم سقط عنه الوجوب لعدم اتساعزمانهلأداءالفرضالواجبعليه ،فلا يكون مستطيعا منحيثالزمان، ولايجبالقضاء عنه. المسألة200: إذا أحرم المكلف بعمرة التمتع ودخل مكة وأتم عمرته ، ثم مات بعد أن أحل من العمرة وقبل أن يحرم بالحج ، أجزأه ذلك عن الفرض ، وكذلك إذا مات بعد إحرامه للحج وقبل الموقفين ، أو في موقف المشعر الحرام أو بعده فيكفيه ذلك عن الفرض الواجب عليه في جميع هذه الصور لإطلاق الأخبار ، سواء كان ممن استقر الحج في ذمته ، أم ممن استطاع للحج في عامه ولم يستقر عليه ، وتلاحظ المسألة المائة والسابعة والتسعون الماضية، وتراجع المسألة المائتان والثالثة الآتية. المسألة201: لا يختص الحكم الذي بيّناه بحج التمتع ، بل يجري في حج القران وحج الإفراد لمن وظيفته ذلك ، فإذا استقر وجوب الحج في ذمة المكلف من أهل مكة وتوابعها ، وأحرم من ميقاته بالحج الواجب عليه قِراناً أو إفراداً ، ثم مات بعد ما دخل الحرم ، كفاه ذلك عن فرضه ، وكذلك إذا استطاع للحج في عامه وبادر ليمتثله ، فيجزيه إذا احرم ودخل الحرم ثم مات فيه ، سواء أتى ببعض المواقف والأعمال أم لم يأت بشيء منها. المسألة202: حج القران أو الإفراد الواجبان على أهل مكة وتوابعها مع العمرة الواجبة لهما عملان مستقلاّن لا صلة لأحدهما بالآخر ، وليسا كعمرة التمتع وحج التمتع عملاً واحداً يرتبط بعضه ببعض ، فإذا مات في عمرة التمتع بعد الإحرام لها ودخول الحرم أجزأه ذلك عن عمرة التمتع وحجه كليهما ، وقد سبق بيان ذلك، ونتيجة لهذا الفرق ، فإذا أحرم المكلف من أهل مكة وتوابعها للعمرة الواجبة لحج القران أو الإفراد ودخل الحرم ليتم عمرته ثم مات لم يجزه ذلك عن حجّه ، فإذا كان ممن استقرّ الحج عليه وجب على وارثه أن يقضي الحج عنه من أصل تركته ، وإذا كان ممن لم يستقرّ عليه الحج سقط الفرض عنه ، لعدم استطاعته بحسب الزمان كما سبق في نظيره . وإذا أحرم المكي لحج القران أو الإفراد ودخل الحرم ليتم نسكه ، ثم مات أجزأه ذلك عن حجه ، ولم يجزه عن عمرته ، إذا لم يكن قد أداها من قبل ، ويجب قضاؤها عنه إذا كانت مستقرة في ذمته . المسألة203: لعل الذي يظهر من النصوص الواردة في المسالة أنه يعتبر في الحكم بالإجزاء عن المكلف أن يكون موته في الحرم بعد أن يتلبس بالإحرام ، فلا يشمل من كان موته في خارج الحرم ، وان كان قد أحرم ودخل الحرم قبل موته ، كما إذا خرج من الحرم بعد الدخول فيه لبعض الطوارئ أو الضرورات فمات في خارج الحرم ، وكما إذا مات في موقف عرفات بعد أن دخل الحرم وهو محرم ، ولا ريب في أن ذلك أحوط ، ان لم يكن هو الظاهر من النصوص كما ذكرنا ، وأولى من ذلك بعدم الإجزاء ما إذا أحرم المكلف بحج القران أو الإفراد ومضى إلى عرفات ليقف بها قبل أن يدخل الحرم ومات فيها خارج الحرم. المسألة204: لا يعم الحكم الذي ذكرناه العمرة المفردة ، فإذا وجبت على المكلف من أهل مكة وتوابعها ، وأحرم من ميقاته للعمرة الواجبة عليه ومات بعد ما أحرم بها ودخل الحرم لم يكفه ذلك عن عمرته المفروضة عليه ، فإذا كانت مستقرّة في ذمته وجب على وارثه قضاؤها عنه . ولا يشمل غير حج الإسلام من أنواع الحج الواجب على المكلف ، فإذا وجب عليه الحج بسبب نذر أو عهد أو يمين وخرج ليؤدي ما وجب عليه وأحرم به من الميقات ودخل الحرم ثم مات لم يكفِه ذلك عما وجب عليه ، ووجب على الوارث قضاؤه إذا كان مما يقضى ، وكذلك إذا وجب عليه الحجّ بسبب إفساده لحجٍ سابق ، فإذا كان الحج الثاني الذي يأتي به في السنة المقبلة هو العقوبة -كما هو الأقوى- لم يجر فيه الحكم ، فإذا خرج ليأتي بحج العقوبة في العام المقبل وأحرم به من الميقات ثم مات بعد دخول الحرم لم يجزه ذلك عن الواجب ، وإذا قلنا بأن الحج الثاني هو حج الإسلام كما يراه جماعة من الأصحاب -رضي الله عنهم- جرى فيه الحكم، وشمله إطلاق دليله ، فإذا أحرم بالحج في السنة المقبلة ، ومات بعد دخول الحرم أجزأ عنه.
|